الدرس في كتاب النكاح والطلاق 27، ألقاها
إذا سافر أحد الأبوين سفرًا طويلًا، فالأب أحق بالحضانة إذا لم يكن سفره لمضارة الأم. في حالة السفر لبلد قريب، تبقى الحضانة للأم.
عند بلوغ الطفل سن السابعة، يُخيّر بين الأبوين، مع مراعاة أهلية الأبوين للحضانة ومصلحة الطفل في اتخاذ القرار.
تُناقش أحقية حضانة الأنثى بعد بلوغها السابعة، مع التركيز على مصلحة المحضون، وتُحدد مسؤولية دفع أجرة الحضانة بناءً على وجود مال للمحضون أو من تلزمه نفقته.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف: المسألة الثالثة من الأحكام المتعلقة بالحضانة، إذا سافر أحد أبوي المحضون سفرًا طويلًا ولم يقصد به المضارة، وكان الطريق آمنًا، فالأب أحق بالحضانة، سواء أكان هو المسافر أم المقيم، لأنه هو الذي يقوم بتأديب الولد والمحافظة عليه، فإذا كان بعيدًا ضاع الولد. يقول: إذا سافر أحد أبوي المحضون سفرًا طويلًا، وهذا كما مر معنا أن الولد إذا كانت أمور أبويه مستقرة فهو عند كليهما، عند أبيه وأمه، لكن إذا حصل الفراق، إذا حصل الفراق، فإن كان صغيرًا دون سن التمييز فهو عند أمه، وهي أحق بحضانته، كما سيأتي حتى يميز، ثم يخير الغلام بعد ذلك. في مثل هذه الحالة، وهو في أثناء حضانته سافر أحد أبويه سفرًا طويلًا، يعني سفر تقصر فيه الصلاة، ولم يقصد به المضارة، يعني الذي سافر ما قصد المضارة بالآخر لكون الولد عنده مع أمن الطريق، فهنا من يكون أحق بالحضانة؟ قال: فالأب أحق بالحضانة، الأب أحق بحضانة الولد في هذه الحالة، سواء كان هو المسافر أو كان هو المقيم، يعني مثلًا سافرت أم الولد، أرادت السفر والولد عندها، وهذا السفر طويل، فنقول: يبقى الولد عند أبيه، يبقى الولد عند أبيه إذا كان الأب مقيمًا، وهكذا العكس إذا كان الأب هو الذي سيسافر والولد عند أمه، فالأب أحق به، يأخذه معه. لماذا؟ لأن الأب هو الذي يقوم بتأديب الولد والمحافظة عليه، فإذا كان بعيدًا فإنه يكون معه حتى يؤدبه، وربما إذا لم يكن أبوه قائم عليه يضيع هذا الولد ولا يجد من يؤدبه. قال: إذا كان سفر لبلد قريب دون مسافة القصر، فالحضانة للأم، سواء كانت المسافرة أو المقيمة، لأنها أتم شفقة، ويمكن لأبيه الإشراف عليه وتعهد حاله. إذا كان سفر لبلد قريب دون مسافة قصر، فالحضانة للأم، الأم أولى بالحضانة؛ لأنها في مثل هذه الحالة تعتبر في حكم المقيمة، ما دام أن السفر قريب، ليس دون مسافة قصر، فيمكن للأب تفقد ولده، فهي كالموجودة، فتبقى حضانتها لولدها لها، سواء كانت هي التي سافرت أو الأب هو الذي سافر. قال: أما إذا كان السفر طويلًا وليس آمنًا، وكان الطريق غير آمن، فالحضانة تكون للمقيم منهما، يعني سواء الذي سافر هو الأب أو الذي سافر هي الأم، لو الأب سافر سفر طويل والطريق غير آمن، فهنا نقول: يبقى هذا الولد عند أمه، أو العكس سافرت الأم سفرًا طويلًا وطريق غير آمن، فإن الطفل أو الولد يبقى عند أبيه، وكل هذا لأجل مصلحة الولد، لأجل مصلحة الولد. قال: وتنتهي الحضانة عند سن السابعة، ويخير الذكر بعدها بين أبويه، فيكون عند من اختار منهما، لقوله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام، هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت»، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به. والحديث رواه أحمد، أبو داود، والترمذي، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم خير الغلام عندما صار مميزًا، فاختار أمه، أخذ بيد أمه، فانطلقت به. قال: وقضى بالتخيير أيضًا عمر وعلي رضي الله عنهما، ولا يخير إلا إذا بلغ عاقلًا، وكان الأبوان من أهل الحضانة، يعني كلاهما يستحق حضانة الولد، أما إذا كان أحدهما لا يستحق الحضانة، مثلًا أحدهما كافر، فما يخير في مثل هذه الحال، أو أحدهما فاسق، فلا يخير، وإنما يكون التخيير إذا كان كلا الوالدين ممن يستحق الحضانة. قال: وقيد التخيير بالسبع؛ لأنه أول سن أمر فيه الشارع بمخاطبته بالصلاة، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر»، فأمر الشارع أو ولي الطفل والولد أن يأمره بالصلاة في هذا السن، في سن السابع، فدل هذا على أنه يفهم حينئذ هذا الخطاب ويميز، والذي اعتبر أهل العلم أن سن التمييز هو السن السابع، هذا هو الأغلب، قد يميز قبل ذلك بعض الأطفال، عنده من الذكاء ما ربما يميز قبل سن السابع، لكن الأغلب أنه يكون في السن السابع، وبعضهم ربما بعد السن السابع، لكن هذا الغالب، الغالب أن سن التمييز السن السابع، ولهذا كما سمعنا وجه الشرع الأمر بأولياء الأطفال أو الأولاد بأمرهم بالصلاة في هذا السن، في السن السابع. قال: فإن اختار الولد أباه كان عنده ليلًا ونهارًا؛ ليؤدبه ويربيه، ولا يمنعه من زيارة أمه، يعني إذا أراد أن يزورها، فلا بأس أن يكون عند أمه، وإن اختار أمه صار عندها ليلًا وعند أبيه نهارًا؛ ليؤدبه ويربيه؛ ولأن النهار وقت قضاء الحوائج وعمل الصنائع، يعني النهار وقت العمل وطلب المعيشة، فربما يحتاج الأب لولده أن يكون معه حتى يعلمه، سواء يعلمه ما يحتاج له من أمور العلوم الشرعية أو تعلم القراءة والكتابة أو نحو ذلك، أو كذلك تعلم الصناعة الذي عنده صنعة وهو يحب أن يعلمه إياها، فتعليمه إياها في النهار، كالحدادة أو النجارة أو غير ذلك. وقوله هنا: وتنتهي الحضانة عند سن السابعة، ويخير الذكر، هذا التخيير تخيير شهوة، يعني يختار الذي يريد ويشتهيه، إن اختار أباه ذهب معه، وإن اختار أمه ذهب معها، فإذا غير اختياره، اختار مثلًا الأب ثم غير رأيه بعد ذلك وأراد أن يذهب عند أمه، فإنه يمكن من ذلك ولا يمنع، وهكذا العكس. وإذا كان اختياره لأحدهما لأجل أنه يرى أنه لا يشد عليه ولا يعني يؤدبه أو يأمره بالصلاة أو نحو ذلك، مثلًا الأم متساهلة وهو يعرف ذلك، فاختارها لأجل ذلك، هنا قال أهل العلم: ما يمكن من ذلك، ما يمكن له من هذا الاختيار، وقال له: اذهب مع أبيك، وهكذا إذا كان العكس، إذا كان الأب يعني متساهلًا بالصلاة أو ببعض المحرمات، فإنه كذلك إذا اختار أباه لا يمكن من ذلك؛ لأن المقصود من هذا التخيير هو النظر في مصلحة الولد، فمن كان بقاؤه عنده أصلح، فإنه يبقى عنده. وقوله: يخير الذكر، يخرج بذلك الأنثى، فالأنثى لا تخير، إذا بلغت البنت سبع سنين ما يقال لها: اختاري، تجدين عند أبيك وعند أمك، لا، لماذا؟ لأنه ليس هناك دليل أولًا على تخييرها أن تخير، وليس هناك ذلك أيضًا قياس صحيح يدل على ذلك، ولأن تخيير الأنثى يؤدي إلى كثرة بروزها وظهورها، وهذا خلاف ما ينبغي أن تكون عليه الأنثى من لزومها البيت وعدم تبرجها وعدم خروجها، فإذا حصل التخيير ضاع حفظها، ضاع حفظها بين أبيها وأمها، وحينئذ لا شك أن الناس تضيع. وكما يعني ذكر أهل العلم في المثل: أن القدر إذا كان بين طباخين لم يصلح، لا يصلح القدر بين طباخين، وعندنا في المثل: «إذا كثر الطباخين فسد المرق»، فسد المرق، فإذا كانت هذه حال البنت تذهب عند أبيها وتخرج، تذهب عند أمها، لا شك أن هذا ضيع، وقد حصل يعني من مثل ذلك بسبب تضييع الأبوين لحضانة ابنتهما ما حصل من السوء والشر بسبب ذلك. فلهذا فإن الأنثى تكون عند أمها كما سيأتي على الصحيح، وهذا القول بعدم تخيير الأنثى هو قول جمهور علماء المسلمين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وغيرهم، أن الأنثى لا تخير. قال: والأنثى إذا بلغت سبع سنين فإنها تكون عند أبيها؛ لأنه أحفظ لها وأحق بولايتها من غيره، ولقربها من سن التزويج، والأب وليها، وإنما تخطب منه، يعني من أراد نكاحها فإنه يخطبها من أبيها، وهو الأعلم بالكفء ممن يتقدمون لها، ولا تمنع الأم من زيارتها عند عدم المحذور، كخوف الفساد عليها أو غير ذلك، إذا أرادت أمها أن تزورها فلا بأس، لا يمنعها أبوها من ذلك، إلا إذا خاف عليها الفساد، إذا كانت الأم مثلًا فاسدة عندها شيء من الفساد، فلا يمكن من زيارتها، أو كذلك كانت تريد إفسادها وإفساد ما بينها وبين أبيها، فكذلك له أن يمنعها من زيارتها. قال: فإن كان الأب عاجزًا عن حفظها لشغله أو لكبره أو لمرضه أو لقلة دينه، والأم أصلح وأقدر، فإنها أحق بها، هذا القول بأنها إذا بلغت السبع تكون عند أبيها، هذا قول الحنابلة، هذا قول إمام أحمد وأصحابه من الحنابلة أنها تكون عند أبيها، هنا قول آخر أنها تكون عند أمها، أنها تكون عند أمها، وهذه رواية أخرى عن الإمام أحمد، ولعل هذه الرواية أصح. لماذا؟ لأن الأب في الغالب أنه مشغول، الأب في الغالب أنه مشغول، يذهب في النهار لعمله، وربما ما يأتي إلا في آخر النهار أو ربما في الليل، ولا شك أن مثل هذا سيكون سبب في ضياع البنت، بخلاف الأم، فهي عند ابنتها في البيت ومعها، فلا شك أن بقاؤها عند أمها أحفظ لها. وعلى كل فكما سمعنا أن أمر الحضانة قائم على النظر في مصلحة الولد، فكل ما كان أصلح له فإنه يقدم على غيره، فالأم مثلًا وإن قلنا بأنه أولى بالحضانة وبقاء البنت عندها، إذا كانت الأم مثلًا مائلة بمنتهى وعندها تساهل مثلًا في الحجاب وفي الاختلاط وشيء من ذلك، حينئذ ما تبقى عندها، تبقى عند أبيها؛ لأن المقصود هو النظر في مصلحة هذا المحضون، ومن كان أحفظ له وأرعى له فهو الأولى بحضانته والقيام بشؤونه. قال: وكذلك إذا تزوج الأب وجعلها عند زوجته تؤذيها وتقصر في حقها، فالأم أحق بالحضانة، الأم أحق بالحضانة، هذا على القول بأنها عند أبيها، فتزوج الأب بامرأة أخرى، وهذه المرأة الأخرى التي خالت هذه البنت آذتها ولا ترحمها، فحينئذ تكون أمها أحق بحضانتها، إذا كان بقاؤها عندها أصلح وأرحم بها، فتذهب من عند أبيها إلى عند أمها. قال: أجرة الحضانة، سواء كان الحاضن أمًا أم غيرها، مستحقة من مال المحضون إن كان له مال، أو من مال وليه، ومن تلزمه نفقته إن لم يكن له مال، يعني الأصل في مال الحاضن أو أجرة الحضانة أن تكون من مال المحضون إن كان عنده مال، إن كان عنده مال فالأجر عليه، وإن لم يكن عنده مال فعلى من تلزمه نفقته، من أب أو أخ أو جد أو غير ذلك من الأقارب.