الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 126، ألقاها
يبدأ المقطع الأول بشرح كتاب السنن الكبرى للإمام النسائي وتاريخ تأليفه وعلاقته بالسنن الصغرى. يتم التركيز على سلسلة الرواة في سند حديث معين وتوثيقهم.
يتطرق المقطع الثاني إلى موضوع تدليس الراويين الذين يكثرون الرواية عن أشخاص معينين، مشيرًا إلى أن العلماء يتجاوزون عن تدليسهم إذا كانوا حفاظًا، مع توضيح شروط قبول تدليسهم.
تتناول المقاطع الأخيرة أهمية اللواء والراية في الحرب، حيث كان للنبي صلى الله عليه وسلم راية سوداء مكتوب عليها "لا إله إلا الله محمد رسول الله". تم التأكيد على أن راية النبي كانت سوداء اللون.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد هو رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام النسائي رحمه الله في الكبرى، كان في السنن الكبرى للإمام النسائي، وعبد الرحمن رحمه الله ألف أولًا السنن الكبرى، وذكر فيها العلل، وذكر اختلاف الرواة. ثم إنه طلب منه الاختصار، قيل إنه طلبه منه ملك خرسان، وقال غيره: فعمل له المجتبى، وهو السنن الصغرى. والصحيح أنها من تصنيف النسائي؛ لأن بعض العلماء يقول إنها من تصنيف ابن السني تلميذه. والصحيح أنها من تصنيف الإمام النسائي؛ فهو الذي اختصر السنن الكبرى، وسماها المجتبى، وهي السنن المشهورة. والسنن الكبرى طبعت قريبًا، وإلا ما كانت تعرف حتى في عهد الشيخ مقبل رحمه الله، والشيخ الألباني، ما كانوا يعرفون السنن الكبرى، ولعله أدركها في آخر حياته رحمه الله. وإلا فقد كان إذا أراد أن يشير إلى السنن الكبرى، أشار إليها بواسطة تحفة الأشراف. وأيضًا هذا الظاهر أنه أخذه من تحفة الأشراف، وليس مباشرة، إلا إن كان كتبها حديثًا؛ لأنه كما قلنا: طبعت في آخر حياته، فقد يكون استدرك ذلك وكتبها من الكبرى للنسائي. وإلا فغالبًا فهو يأخذ من تحفة الأشراف. قال النسائي في الكبرى: أنبأنا أحمد بن سليمان، وهو بصري ثقة، قال: حدثنا أفان، أفان بن مسلم الصفار، أبو عثمان البصري، قال: حدثنا يزيد بن زريع، يزيد بن زريع هو بصري أيضًا، أبو معاوية، هو حافظ، محفاظ البصرة، قال: حدثنا سعيد ويزيد، هو من أوثق الناس وأثبت الناس في سعيد بن أبي عروبة. وقد روى عنه أيضًا قبل الاختلاط، ولم يرو عنه بعد الاختلاط، كما تقدم أن سعيد بن أبي عروبة - ويقال إن أبا عروبة اسمه كيسان - هو سعيد بصري ثقة، وحافظ، محفاظ من أصحاب قتادة، لكنه اختلط، وحصل له الاختلاط في سنة مائة وخمس وأربعين. فكان كل من روى عنه قبل الاختلاط فحديثه صحيح، خاصة من أهل البصرة. وكل من روى عنه بعد الاختلاط، وغالبًا يكون من أهل الكوفة ومن غيرهم، فحديثه فيه شيء. وعن يزيد بن زريع، فهو من أوثق الناس فيه، ومن أثبت الناس، وكذلك حديثه قبل أن يختلط. قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا قتادة. وتقدم معنا أن حفاظ أصحاب قتادة هم ثلاثة: سعيد بن أبي عروبة، والشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وشعبة بن الحجاج. وبعضهم يزيد في الثلاثة همام بن يحيى العودي. قال قتادة عن أنس. وقَتادة يعتبر مدلسًا، دلس أحاديث كثيرة، لكن قد أكثر عن أنس. وغالبًا العلماء يجعلون الراوي الذي يكثر عن شخص، فإنهم يتجاوزون عن تدليسه، إذا كان حافظًا من حفاظ، كقتادة في حديثه عن أنس. وكذلك الأعمش في حديثه عن مشايخه الذين أكثر عنهم، كأبي وائل وأبي صالح؛ فكان يكثر عنهم كثيرًا، فلهذا تجاوزوا عن تدليسه عن هؤلاء؛ لأنه غالبًا - كما ذكر الإمام البخاري عن الأعمش - أنه لا يدلس عن مشايخه الذين أكثر عنهم. لكن هذا ليس جزمًا؛ معنى ذلك ليس في كل حديث. فقد جاء أنه دلس بعض الأحاديث، وقد رواها عن أبي وائل، قد رواها عن أبي صالح. فلهذا هذه قاعدة أغلبية. والأصل أن مثل هذا يمشى، الأصل أن مثل هذا يمشى، إلا إذا عرف أنه قد دلس فيه، إذا عرف أنه قد دلس فيه. فلهذا تجد في الصحيحين كثيرًا عن رواية قتادة عن أنس، ورواية حميد عن أنس، مع أن حميدًا قال شعبة: إنما روى أو سمع عشرين حديثًا عن أنس. لكن الإمام البخاري لم يوافق على هذا، فقال: إنه سمع عشرين وعشرين وعشرين. ولهذا ذكر الإمام البخاري أكثر من عشرين حديثًا في صحيحه من طريق حميد عن أنس، ويأتي بعضها بالتصريح. لكن حميدًا طويل، أخذ حديث أنس عن ثابت، أخذ حديث أنس عن ثابت. فلهذا فحميد إما أن يروي عن أنس مباشرة، أو يروي عن ثابت، وحيانًا يسقط ثابتًا، وحيانًا أيضًا يروي عن قتادة عن أنس، ويسقط قتادة. فلهذا عرف من أن حميدًا لا يدلس إلا عن ثقة. فلهذا ذكره المؤلف الإمام الحافظ ابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين. قال عن أنس. وأما قتادة والأعمش فقد ذكرهم في المرتبة الثالثة؛ ذكروا في المرتبة الثالثة؛ لأن تدليسهم يضر إلا عن من أكثر عنهم. قال: حدثنا قتادة عن أنس: أن ابن أم مكتوم كانت معه راية سوداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم. قال: هذا حديث صحيح. وهذا الحديث يدل على شجاعة هذا الصحابي الجليل، وهو عبد الله - يقال عمر - أنا قيل في اسمه أنه عبد الله، وقيل عمر، والعبد الله أشهر. عبد الله بن أم مكتوم وهو قرشي، أنا قرشي من المهاجرين، وكان أعمى رضي الله عنه. وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الراية، والراية هذه التي تكون في الجوانب، أن تكون في المجموعات. وأما الراية الكبرى التي تسمى اللواء، فهذا يعقده النبي صلى الله عليه وسلم لمقدمة الجيش، أو هو قائد الجيش، أن من يكون يقود الجيش، وإن كان مثلًا النبي صلى الله عليه وسلم يقوده، فيعطيه رجلًا، يجعله يجعل الناس يتبعونه. فهذا اللواء الذي يعقده النبي صلى الله عليه وسلم، أنا أتحدث عن العرب، أن هذا اللواء لا يسقط في الحرب. فإذا سقط يدل على سقوط هذا الجيش؛ لماذا؟ لأن هذا اللواء ما دام أنه مرفوع، فهم يجتمعون حوله، يجتمعون حوله أي أصحاب الجيش، هذا يجتمعون حول هذا اللواء، ويكون رايتهم مرفوعة، تكون رايتهم مرفوعة. فإذا سقط هذا اللواء، معنى ذلك أن الناس سيسقطون ويتحيرون أين يجتمعون، فيحصل بعد ذلك فيهم القتل. ولهذا تجد أنهم في الحروب اجتهدوا على أن يجعلوا اللواء مرفوعًا، أو الراية مرفوعة؛ معنى ذلك ما يجاهدون على أن لا تسقط. وانظر إلى غزوة مؤتة، غزوة مؤتة، فإن جعفر بن عبد الله - جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه - لما كان معه اللواء، فإنهم ضربوا يده حتى أسقطوها، فمسك الراية أو اللواء باليد الأخرى، فقطعوها، فمسك بعضه، فلم يزل يحمله حتى قتل رضي الله عنه. فأخذها بعد ذلك زيد بن حارثة، ثم قتل، فأخذها عبد الله بن رواحة، ثم قتل رضي الله عنهم جميعًا. ثم أخذها سيف من سيوف الله، سيف الله ورسوله خالد بن الوليد رضي الله عنه، فحاز بالمسلمين بعد أن وقع القتل في الروم. بعد ذلك لما رأى كثرة الروم وقلة المسلمين، حاز بهم وخرج منهم دون أن يشعروا. وهذا الحنكة في الحرب رضي الله عنه. ويعتبر غزوة مؤتة هم الفائزون، وهم أيضًا لأنهم كانوا قليلًا وخرجوا من ذلك الجيش بعد أن أصابوا منهم كثيرًا، أن قتلوا كثيرًا من هؤلاء الكفار. فلهذا كما قلنا: فاللواء يعقد لمقدمة الجيش، والراية تعقد لمجموعة، مثلًا الراية تكون أحيانًا لكثرة الجيش، تكون عدة رايات. وإذا كان الجيش قليلًا يكون مثلًا في الجانب الأيمن راية، وفي الجانب الأيسر راية؛ حتى يتبع الناس هذه الراية. ثم وأما اللواء فيوصف عند القائد، قائد الجيش الذي يقود الناس. فمثلًا في أحد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم اللواء لحمزة، ثم لما قتل حمزة أخذه مصعب، وقتل رضي الله عنهم جميعًا. وأما لون هذه الراية، وأيضًا كذلك اللواء، غالبًا النبي صلى الله عليه وسلم يجعل رايته سوداء، مكتوب عليها ﴿لا إله إلا الله محمد رسول الله﴾. وفي غزوة أحد كان لواؤه مرطًا لعائشة؛ معنى هذا معنى لفقرهم، معنى لفقر الجيش. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم مرطًا لعائشة، المرط هو كساء تجتمل به النساء، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وجعله راية للحرب، وكان أسودًا. فغالب لواء النبي صلى الله عليه وسلم أسود. ودخل أيضًا لما دخل مكة في فتح مكة كان رايته سوداء. فقيل هناك علة الكثيرة لأجل السواد والله أعلم، لكن أكثر ما كان معنى راية النبي صلى الله عليه وسلم هي السواد. طيب هذا ما يذكر لهذا الحديث، الله تعالى أعلم.