الدرس في أحكام المريض في رمضان 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
اختلف العلماء في تحديد المرض المبيح للفطر بين من يقول بأي مرض ومن يشترط المرض الذي فيه مشقة، والراجح هو الثاني. وضابط المشقة هو ما يزيد المرض أو يؤخر الشفاء.
يتناول حكم الصوم للمريض، حيث يحرم إذا أدى إلى مضرة أو هلاك، ويجب الفطر إذا آذى المريض. كما يتناول آراء الفقهاء في زوال العذر في نهار رمضان وعدم الإمساك إذا أفطر لعذر.
يجوز التداوي عند الأطباء الكفار إذا كانوا ثقة، واستدلوا بفعل النبي في استئجار رجل كافر. كما يشدد على أهمية معرفة الأطباء المسلمين بدينهم لإعطاء أحكام شرعية صحيحة.
يتضمن الدعاء بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه. ويعبر عن أن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان التعرف إلى أهمية هذا المبحث الذي نحن بصدده في معرفة أحكام المريض في شهر رمضان، وعلمنا أن المرض سببٌ من الأسباب الداعية إلى الفطر والترخص بترك الصيام. تأتي المسألة الأولى في هذه المباحث، مسألة: ما هو المرض الذي لك، يا عبد الله، أن تتذرَّع به في ترك الصوم؟ قال ربنا جل في علاه: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. اختلف العلماء على قولين اثنين في معرفة المرض الذي به لك أن تفطر. القول الأول، وهو قول جماعة من العلماء والفقهاء، قالوا: أي مرض؟ كل مرض يعتريك، هذا عذرٌ لك في ترك الصيام، لأن المرض ما هو؟ المرض في لغة العرب هو خروج البدن عن الاعتدال. البدن له اعتدال يسير عليه، فإن خرج البدن عن اعتداله، أصبح مريضًا. الاعتدال البدن في صحته: صحة الرأس، صحة الأنف، صحة العينين، صحة البدن، صحة كافة الأعضاء. فلو أصيب بعمى، هذا مرض. أصيب بصداع، هذا مرض. أصيب بزكام، هذا مرض. أصيب بجراحة، هذا مرض. كل هذه أمراض. قالوا: فأي مرض يصيبك؟ هذا حجة لك في ترك الصوم. حتى قالوا: ونقل هذا عن بعض السلف أنه قال: ولو الأصبع، لو اشتكيت من أصبعك، أفطر. أو أوجعك الضرس، أفطر. وقد فتحوا باب العنان، عنان الفطر، لكل مريض. وهذا يحكى عن إمام البخاري، وعن الظاهرية، وعطاء، وجماعة، كذلك ذهبوا إلى هذا القول، لأن الآية عامة: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾. والذي عليه الجماهير، جماهير العلماء، وهو القول الثاني: لا، ليس أي مرض بهذه الصورة، وإنما المرض المقصود بالآية هو مرض مخصوص. فمن كان منكم مريضًا، قالوا: أي المرض الذي فيه العنت، الذي فيه المشقة. وهذا هو الصحيح. فمن كان عنده مرض، ينبغي أن ينظر في هذا المرض الذي ابتلي به، أو في أهله، أو في عياله: هل يستقيم مع الصوم؟ يمكن يتماشى مع الصوم؟ إن تماشى، يا فلان، إن لم يتماشى، بحيث يصوم على كلفة، على مشقة، هذا مريض. وهذا مذهب جماهير العلماء. فعندهم أن المقصود بالآية المرض الذي فيه مشقة، وليس أي مرض. قد تكون هناك أمراض تبتلى بها، ما تنافي للصيام. زكام عندك زكام، هل الزكام يؤثر على الصيام؟ ما يؤثر. صم. صم، واستمر على الصيام. إذن، هذه المسألة الأولى، وهي الراجعة في قول جماهير العلماء، تأتي مسألة أخرى. وطيب، إذا قلنا: إن المرض الذي تفطر به يكون فيه مشقة، ما هي المشقة؟ هل لها ضابط؟ حاول العلماء أن يأتوا ببعض الضوابط التي بها تتعرف على المشقة التي بها تتعذر بترك الصوم. أولى هذه المشقة: أنك مثلًا يكون في هذا الصوم زيادة المرض. أنت مريض، فإن صمت، فازداد المرض، هذه مشقة. إن كان الصوم سيؤدي إلى زيادة المرض، زيادة مستوى، زيادة نسبته، زيادة الألم، إذن هذه مشقة. أترك الصوم. هذا ضابط. أو إذا رأيت أن الصوم سيؤخر العلاج، يؤخر العلاج. يقول لك أهل الخبرة، والطبيب يقول لك: يا عبد الله، إذا استمررت على هذا العلاج أسبوعًا، بإذن الله ستتعافى. سيأتي رمضان وأنا سأصوم. إذا صمت، سيتأخر العلاج، لأن الجسم في أيام الصوم سيكون على جفاف، لقلة السوائل. ويقول لك: هذا سيؤثر على العلاج. علاجه كما سيكون في وقته، سيتأخر. فإذا صمت، تأخر العلاج. إذا أفطرت، سيكون العلاج مبكرًا. قال علماء: هذه مشقة، اتركوا الصوم، اتركوا الصوم حتى يتعافى جسدك سريعًا. فهذه من ضوابط المشقة: إما أن يكون المرض يزيد، أو أن الصوم يزيد في المرض، هذه مشقة. أو أن الصيام يؤخر في العلاج، فهذه مشقة. فهذه من الضوابط التي ذهب إليها العلماء للتعذر بترك الصيام. تأتي مسألة كذلك من مسائل الأمراض، مسألة أخواني في الله، وهي: على هذا القول، إذا علمنا أن المرض ليس على مستوى واحد، فهناك أمراض يمكن أن تتعذر بها، فتفطر، ومنها لا تفطر. كم يكون حالات المرضى عند الصيام؟ سيكون عندنا ثلاثة حالات. حالات المرضى من الصائمين إزاء رمضان على ثلاث حالات. الحالة الأولى: من كان مرضه لا يؤثر عليه، لا يؤثر عليه. حكمه: واجب أن يصوم. كما مرض زكام، أو أذى في عينه، مثال، أو صداع خفيف. كحال من يبدأ بالصيام، مثل هذه الأيام، يصاب بصداع. أنا ما اعتاد على الصوم. يقول: أصداع، ربنا، هل أصوم؟ أهل أفطر؟ لا، هذا شيء، صداع، هذا ممر الكرام. خذ غفوة، دقائق معدودة، وستتعافى. الصداع اليسير هذا ليس بمرض يؤثر على الصوم. وهكذا جراحة في اليد، جراحة في الرجل، بإمكانك أن تربطها برباط، ثم تستمر على الصوم. فإن كان المرض الذي أنت ابتليت به ما يؤثر على صومك، واجب أنك تصوم، ولا يجوز أن تتذرع بترك الصوم بحجة هذا المرض. الصورة الثانية: إن كان المرض يشق عليك، لكن لا يضرك. فيه مشقة. مرض يعني إذا صمت وأنت على هذا المرض، ستأتيك مشقة، تعب، إنهاك. تجد نفسك فتور في الجسم، ما تستطيع أن تنهض، أن تقوم بأداء أمورك. فهذا الصيام أتى عليك بمشقة. ما حكمه هنا؟ قال علماء: هنا يستحب لك أن تفطر. استحبابًا. أفطر، يا عبد الله، أنت قادر أنك تأتي المغرب وأنت صائم، لكن بمشقة، لكن بكلفة. فيقول لك العلماء: لا، إذا كان هناك كلفة، دع الكلفة جانبًا، وافطر. وكل ما أباح الله لك. فإن قلت: لما قال لك العلماء ذلك؟ لأن هذه رخصة من الله، فمن كان منكم مريضًا، أنت الآن مريض، عندك مشقة، أفطر. والله جل وعلا يحب أن تؤتى رخصته.، هذه رخصة من الله. والله يحب من عباده أن يتقبل رخصة الرب جل في علاه. فإن رأى الله جل وعلا منك أنك تأتي الرخصة في محلها، فإن الله يحبك. إن الله يحب أن تؤتى رخصته. فقال العلماء: فهذا في حق كل مريض يجد في الصوم مشقة، يقال له: أفطر، يا عبد الله. وهذا أفضل. لا تكلف نفسك، لا تشق عليها. طيب، قد يقول قائل: لكني صمت. أنا صحيح، أنا سألت بعض الطلاب والمشايخ، قالوا: أفطر أحسن لك. أنا ما أريد أفطر. أحسب حساب قضاء. سأقضي يومًا بعد هذا. أنا سأمشي على مضض حتى المغرب. ففعل، فمشى إلى أن غربت الشمس وهو صائم، بشقة. ما حكم هذا اليوم؟ يحسب له؟ أم لا يحسب؟ يحسب له، هذا يوم صحيح، مجزئ. وليس عليك إعادة. الصورة الثالثة: وهي من صام، وهذا الصوم جالب عليه مشقة، وجالب عليه مضرة، إضرار، ضرر بجسمه. ما لك، يا عبد الله؟ يا أخي، أنا صمت. كيف تصوم هذا الصوم؟ وأوصى له لدرجة أنه لو ربما جعله على هلكة. أدخله الإنعاش. يمكن هذه بعض الأمراض ستأتي لنا نماذج بعض الأمراض ما يمكن أن تصوم فيها. ما يمكن أن تصوم فيها ثلاث ساعات. إن صمتها، كما سيما يذكر في بعض الفتاوى والعلماء: ثلاث ساعات. إن أفطرتها، صمتها متواصلة. أدخل الرجل في خطورة. هذا بعض الأمراض، الكوليرا، وغير ذلك. كيف تصوم؟ فقال علماء: الصورة الثالثة، إذا كان الصوم يأتي بمشقة ومضرة، هذا ما يجوز أن يصوم. حرام. قال: حرام، يؤثم. نعم، آثم، عاصي. وواجب عليه أن يفطر، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. هذه آيات نافية. لا يجوز أنك تعرض نفسك للقضاء، ولو بعبادة، ولو بعبادة. وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا قد ظلل عليه، اجتمع الناس، زحام. فنظرنا بما هذا الازدحام؟ فإذا برجل صائم، وأغمى عليه، لأنه كان في سفر، تعب، وصام مع شدة تعب، أغمى عليه. فأجاء الناس ويظللونه. فلما رآه نبينا قال: «ليس من البر الصيام في سفر». هذا ليس من البر. تريد برًا، تريد طاعة، قربة، وأنت على هذه الحال؟ هذا ليس من البر. ولهذا انتبه، يا عبد الله، فمن صام، وهذا الصوم سيؤدي عليه بالمضرة والهلاك، وإطلاف عضو من أعضائه، مثلًا، هذا لا يجوز أن يصوم، بل يحرم. تأتي المسألة، وإن صام، وهو في الإنعاش، وهو في المستشفى، يا واد، أفطر مرة. يؤشر ما أفطر. مغرب يكلم. طيب، صام، إيش حكم هذا اليوم؟ ذهب جماعة من الفقهاء، الظاهرية، إلى أن هذا اليوم لا يُحسب عليك. الإعادة عليك. الإعادة. وشيخ المعثيمين رحمه الله تعالى قال: وهذا القول وجيه، لأنه قد يسير على القواعد: أن كل محرم لا يصح عليه فاعله. هذا محرم، فعليك الإعادة. ولهذا، يا عبد الله، انظر في هذه الحالات الثلاث: من كان مريضًا، ينظر في مرضه. إن كان المرض لا يؤثر عليه، واجب أن يصوم. وإن كان المرض يشق عليه، هذا يستحب له أن يفطر. وإن كان المرض يؤذيه، يهلكه، يتلفه، هذا واجب أن يفطر. مسألة ثالثة كذلك، مسألة للمرض، إخواني في الله: رجل رفع عنه حالة المرض في نهار رمضان، في نهار الصيام. مثاله: رجل في المساء ألم به مرض حمى شديدة، ووجع شديد، فذهب إلى العيادة أو المشفى، أدوية، لا بد أن يتناولها. فما جاء الصباح، أفطر، تناول الفطور، ثم أخذ الحبوب، وشرب. فإذا بالعافية ظهرت. هو أفطر، العذر ما في إشكال في هذا. الإشكال: أنه نظر في الساعة، فإذا بالساعة العاشرة صباحًا، الحادية عشرة ظهرًا، وهو بخير، الحمد لله. إيه، شفع البقية اليوم. هذا اليوم الباقي من الظهر إلى العصر إلى المغرب، هل يمسك أو لا يمسك؟ هذه مسألة. نعم، وقع فيها خلاف بين أهل العلم. طوائف من أهل العلم يرون أنه من ارتفع عنه عذر المرض، أو كان مريضًا يتعالج، عاد طبيب، وعطاه طبيب اليوم آخر جرعة لك، آخر جرعة. تناولها اليوم، وبعد ذلك لك أن تفعل ما تشاء. فإذا بالجرعة مع الغداء، تغدى في رمضان، مريض، فأكل الجرعة. والحمد لله. ينظر في الساعة: باقي، ما أفعل الآن؟ أكمل صومي، أصوم لهذا اليوم؟ نعم، ينفذها. من قال: ينبغي أن يكمل الصوم، يصوم الآن. ولهم في ذلك: قالوا لأن العذر مانع، وهو الآن كحال الصائمين، ما عنده العذر. يتشبه بالصائمين، فيمضي معهم. ومنهم من قال: لحرمة يوم رمضان، لحرمة اليوم. كيف تأكل وأنت في هذا الشهر العظيم؟ وربنا قد لطف بك. كم من الصوم؟ هذا قولي طائفة من الحنابلة، وبعض الحنفية. والصحيح، والذي عند الشافعية والحنابلة والمالكية، وهو قول جماعة من المحققين: أنك غير ملزم بالإكمال، بما أنك أفطرت لعذر، فاستمر لهذا العذر. فمن كان كما قلنا: من زال عذر المرض في النهار، في الساعة قبل الظهر، مع الظهر، مثاله. فماذا يقول؟ أنت أفطرت لعذر، فاستمر هذا اليوم. سيقضى، سيقضى، لا محالة. فما إيش الفائدة من إمساك الصوم؟ ما يتعلق بحرمة الصوم؟ هذا ليس له عليه دليل. بل حتى الاستمرار، من يقول بالاستمرار، قول، أين الدليل على الاستمرار؟ كيف نكلف عبدًا من عباد الله بأن يمسك ساعات، وما يستفيد منها بشيء. بل أثر عن بعض الصحابة، كبير مسعود، قال: من أفطر أول النهار، فليفطر آخره. فذلك أنك أفطرت في أوله، لعذر. أفطر في آخره، لأن العذر معك. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. مسألة كذلك متعلقة بالمرض، وهي: قل لأخيك، يا مريض، عليك أن تعرف أن الصوم سيجلب عليك مشقة. إن كان الصوم سيجلب عليك مشقة، من زيادة المرض، أو تأخير العلاج، فإنك تفطر. بقي السؤال: كيف ستعرف هذا؟ كيف ستعرف؟ قال علماء: عن طريقين اثنين. مثاله: عن طريق التجربة، وعن طريق الخبرة. عن طريق التجربة: كونك تعرف من نفسك، تعرف من نفسك أنك إذا صمت، فإنك ستتأذى. نعم، أذكر فتاوى العلماء: يسأل بعض العلماء، يقول: امرأة، يا شيخ، أنا امرأة، أعرف من نفسي أني إذا صمت، أغمي علي. أعرف هذا من نفسي، تجربة. فيقول: لا، خلص، لا تصومي، مباشرة. هذه تجربة. وكل أدرى بنفسه. فهناك أمور مستعصية في الإنسان، كل أدرى بنفسه. إن صام، صار له كذا وكذا. هذا أدرى. فإما عن طريق تجربة، أو عن طريق خبرة. والخبرة من قبل الأطباء، هم الذين يخبرونك بالأمر. فإن كان طبيبًا أخبرك بأن المرض الذي أنت فيه يمنعك من الصيام، فالقول قوله. القول قوله، يقبل قول هذا الطبيب. لكن بشرط: أن يكون هذا الطبيب ثقة، يكون هذا الطبيب أمينًا، يكون عنده نوع من التقوى، أو من الديانة لله جل وعلا. وذكر النووي، يرحمه الله تعالى، قال: أما إذا كان الطبيب فاسقًا، لا يقبل قوله. يعني هذا لأسف، قد تجد بعض الأطباء مثل لو سمح الله، وجد الطبيب تاركًا للصلاة، تاركًا للصلاة. فإذا جاءه مريض من مرضى، يقول: طيب، يا دكتور، إيش مطلوب؟ فقالت: لا، حاول ترك الصلاة، ما في شيء. يترك الصلاة أسبوعًا، أسبوعًا عين، ما يضره. كيف ترك الصلاة أسبوعًا، أسبوعًا عين؟ لأن هذا هو تارك الصلاة أصلا. الطبيب تارك الصلاة. ولهذا اشترط العلماء في الذي يعطيك هذه الرخص الشرعية: لابد أن يكون طبيبًا ثقة، أمينًا، أمينًا في مهنته، وثقة في دينه. فلا تأتي إلى فاسق، تعف عنه المجون، تعف عنه ما يعرف شيء من حدود الله عز وجل. وهذا مسألة أخرى. وهذه نصيحة للأطباء: أنهم لا يقدمون على إعطاء الرخص الشرعية، لأن هذا أحيانًا الطبيب يحتاج لهذا. يقول: أنت فلان، لا تصلي. أنت فلان، لا تركع. أنت فلان، صلي مضجعًا، وأنت نائم. وأنت فلان، صلي على كرسي. وأنت فلان، لا تصوم هذا العام. وأنت فلان، صوم يومًا، واترك يومًا. هذا موجود. فتاوى لبعض الأطباء، يوجد هذا. طيب، هذه المسائل، هل هذا باجتهاد الطبيب؟ لا. ولهذا يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: إن على الأطباء أن يسألوا في أمور دينهم. لا تجعل هذه تجربة، لأنك أيها الطبيب، أنت موقوف عند الله جل وعلا في كيف أنك منعت فلانًا من الصلاة، أو منعت فلانًا من الصيام؟ من أين هذا؟ تخريص. فلابد أن يعرف الطبيب، يكون عنده خبرة بدينه. يعرف أن هذا المرض يعارض الصلاة، أو هذا المرض يعارض الصيام، أو أن هذا المرض يزيد مع الركوع، أو أن هذه عملية العين تؤثر أثناء السجود. يكون عنده إلمام. فتفتي، فتجمع بين الطب وبين الدين. أما أن بعض الناس ما عنده خلفية دينية، وإنما أي واحد يأتي، فلان، شهر كامل، وأنت على الكرسي، صلي. وأنت، شهر كامل، وأنت منوم. وأنت، شهر كامل، وأنت ... وهكذا. يرى أن هذا سعة للناس. كيف سعة؟ هذا دين. هذا دين. صلي قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب. وهكذا الصيام، وهكذا الصيام. ما ينبغي للطبيب أن يقدم على إعطاء حكم شرعي بإلغاء، إلا أن يكون عنده حصيلة علمية، عنده علم ألم به. فعلى ضوء هذا العلم الذي عنده، أمر الناس بترك هذه الواجبات الشرعية. تأتي مسألة أخص، وهي: هذا في حق المسلم الطبيب الثقة. ما رأيكم بطبيب كافر؟ طبيب كافر، كما أنه يوجد في كثير من مستشفيات أطباء، هم مهارة، لكنهم كفار. كفر أحدهم ملاحدة من بلاد الشر. وأخوة نصارى من بلاد الغرب. وهؤلاء عندهم خبرات. فتأتي أنت، أيها المريض، عند هؤلاء، فتتعالج عندهم. فإذا به يتكلم بالمسائل الشرعية: قل: صلاة، ما في صلاة. أن تجلس، أن تجلس، صلي جالسًا، وتتعافى. أن هذا الرجل ليس مسلمًا. أو في الصيام، مثل رمضان، تتعالج عنده: صوم، ما في صوم. خلاص، هذا عشرين يومًا، كل طيب. أنت الآن يقع في قلبك حرج: هل أتقبل قول هذا الكافر؟ حكم المسألة الآن: هل يجوز التداوي بشكل عام عند الكفار؟ الجواب: نعم، يجوز. إن كان هذا الطبيب، ولو كان كافرًا، لكنه ثقة، أمين، عنده أمانة، فيقبل قوله، ويتعالج عنده. وعلى هذا، فتاوى العلماء، كما صرح بذلك جمع منهم. واستدلوا بما كان من فعل نبينا صلى الله عليه وسلم: أنه في رحلته، رحلة الهجرة من مكة إلى المدينة، استأجر رجلًا مشركًا كافرًا. استأجر مع أنه كافر، لكنه أمن، أمن على أمر خطير جدًا. هذا المشرك لو أنه عنده خيانة، وبلغ الكفار، لأن الكفار قد وضعوا جوائز، جوائز مغرية، في حق كل من يأتي بخبر عن رسول الله. فنسوا، بحثوا عنه. فهذا الكافر إذا أراد الجائزة، أخذ، بلغ الكفار، قريش، عن محل نبينا، لأمسكوا به، وأخذ الجائزة. لكنه ما وافق، وإنما أمن. فأخذ الرسول من مكة حتى أوصله المدينة، وهو كافر. فقال العلماء: فهذا كافر استأمنه نبينا على حياته. ومن هنا استفاد العلماء: إذا كان الطبيب كافرًا، لكنه أمين، فإننا كذلك نستأمنه على أخباره، وأحكامه. وعلى هذا استفاد العلماء، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الباب، قال: وفي استئجار النبي لعبد الله بن أريقط الهادي -وعن هادي لأنه هدى إلى طريق الهجرة من مكة إلى المدينة- دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب، والكحل، والأدوية، والحساب. وعلى هذا فتوى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، كما نقل ابن المفلح، قال: شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قال: إذا كان اليهودي والنصراني خبيرًا بالطب، ثقة عند الإنسان، جاز له أن يستطب. ما في شيء. ثقة، وأمين. ثقة وأمين. أما إن لم يكن ثقة، ولم يكن أمينًا، فلا يجوز أن يركن إلى كلامه. كأن يكون لئيمًا، كافرًا لئيمًا. يوجد في بعض الأماكن، في بعض البلدان، بلغنا ذلك عن كافر، يتصلط على بعض القرى المسلمة، فيفعل بها الأفاعيل. ربما يقرر عمله قطعًا. قد وجد هذا. هذا فلان قطع رجلًا، هذا قطع يدًا، قطع رجلًا. أعوذ بالله، خبثًا. لأنهم كفار، لا يرون أحدًا يرقبهم، وهم متصدقون على هؤلاء المساكين من المسلمين، فيقطع فيهم، يعرقل عليهم، يعني يعكر حياتهم. فإذا علم من كافر لؤمًا وخبثًا، هذا لا يركن إليه. أم إذا علم من كافر أنه ثقة وأمين. وكما قال شخص عثيمين: قال: وكم من كافر عنده أمانة عظيمة. لأن هذه المهنة، مهنته، لأن أي خلل في مهنته، إسقاط لسمعته. فهم يحرصون كل الحرص على المحافظة على أعمالهم. فإن كان الكافر ثقة، أمينًا، فإنه يقبل قوله. إن أفتاك بمثل هذه المسائل، كان يأمرك بالجلوس، بترك قيام الصلاة، أو يأمرك بالفطر، فلا شيء في ذلك. هذه أهم المسائل المتعلقة بهذا المبحث. مسألة أخيرة نختم بها المقام، متعلقة بالمرض، وهو أنه: يا عبد الله، مع وجود المرض في حقك، فلا تسيء ظن بالله. بعض الناس، إخواني في الله، مثاله الآن: قد حل رمضان، وبعض الناس مرضى، مرضى. وواجب في حقهم الفطر. يعني مثل أصحاب غسيل الكلى، الكلى. بعضهم ما يستطيع أن يموت ثلاث ساعات بدون ماء، يشرب ماء، يشرب ماء. هذا واجب أن يفطر، واجب، ما يصوم. عذره معه. كذلك أصحاب القرحة، قرحة المعدة، لهم صور، يفطرون بها، ما يصوم رمضان. أصحاب السل، عندهم السعال الشديد، السل. فهؤلاء يأخذون الحبوب مهدئة، لابد في أوقاتها، في النهار، وفي العصر، وفي المساء. فيأتي رمضان، ويضطر لأن يتناول هذه الحبوب المهدئة، تخفف عنه السل والسعال. هذا واجب، يفطر. طيب، هؤلاء أمراض شديدة. أصحاب السكر، أحيانًا السكر. نعم، ستجد فتاوى للعلماء: أنه يجيز لصاحب السكر أنه يفطر. لأن هذا السكر قد آذاهم. يوجد يغمي على بعضهم. فتاوى العلماء: أن امرأة تصوم، في صاحبة سكر، إذا بلغت الظهر، يغمي عليها. المرة الأولى، المرة الثانية، اليوم الأول، اليوم الثاني، اليوم الثالث، يغمي عليها، عندها سكر. إذن أفتاها العلماء. أفتوها. فلا تأتي، يا صاحب السكر، تقول: لهم الله خاصة، أنا سكر، وهي سكر. أقول: لنا سكر، وأفطر في نهار رمضان. لا، لا تقيس. انظر إلى السكر الذي أنت ابتليت به. فإن رأيت أن هذا المرض قد أثر، حينها لك، يا عبد الله، أنك تتعذر بهذا. فالحاصل، إخواني في الله، لا تسيء الظن بالله، واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا». الله أكبر، أجرك يسير معك، ولو أنت طريح الفراش، تتناول، تأكل الدواء، وأفطرت، فإن الله يعطيك أجر الصيام، وأنت مفطر. إذا كان هذا من عادتك أنك تصوم. إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا. هذا رحمة من الله جل وعلا. فإذا ابتلاك الله بمرض، فلا تسيء الظن، بل اعلم أن الله أرحم بك، أرحم بك. وأن الله أرادك العافية في الدنيا والآخرة. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.