مختصر فقه الأسماء الحسنى  59

مختصر فقه الأسماء الحسنى 59

الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 59، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

إثبات اسم الله الطيب ومعنى طيب الذات والأفعال

يستعرض المقطع إثبات اسم الله «الطيب» بحديث أبي هريرة، مبيناً معناه بتنزيه الله عن النقص والعيوب، وأن جميع أفعاله وأقواله صادرة عن كماله فلا تصدر منه إلا الطيبات.

شرط قبول الأعمال والطيبات وطهارة المكسب

يشرح المقطع أن الله لا يقبل إلا العمل الطيب، مستدلاً بالحديث والآية، ويبين أن الصدقة من مال حرام لا تُقبل، داعياً المؤمن لحرص على طيب القول والعمل.

شمولية الطيب في العقائد والأعمال وارتباطه بسببية دخول الجنة

يبين المقطع أن اسم الله «الطيب» يقتضي طيب عقائد المؤمن وأقواله وأعماله، مستدلاً بآيات الفرق بين الطيب والخبيث، وأن الجنة دار الطيبين لا يدخلها إلا طيب، مع ملحظ لغوي في ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا﴾ تفيد السببية.

أثر الإيمان بالاسم في استجلاب الطيبات ونيل الجنة والدعاء بالخاتمة

يربط المقطع بين دخول الجنة وطيب الاعتقاد والعمل والخلق، ويؤكد أن من آثار الإيمان بهذا الاسم حرص المسلم على الطيب في حياته، مختتماً بدعاء أن يجعل الله العبد من الطيبين الداخلين الجنة بسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى الشيخ عبد الرزاق عبد المحسن العباد في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": وقد قطعنا شوطاً كبيراً في هذا الكتاب، ونحن على آخره، فآخر ما أخذنا اسم الله المقدم والمؤخر، المقدم والمؤخر. ثم قال رحمه الله تعالى: اسم الله الطيب، اسم الله الطيب. وذكرنا في دروس ماضية أن دراسة الأسماء الحسنى من أعظم العلوم؛ لأنها تتعلق بأعظم معبود سبحانه وتعالى، وهو الله عز وجل، تتعلق بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى. وطريقة أهل السنة لدراسة الأسماء الحسنى: إثبات هذا الاسم أولاً، إما من الكتاب أو السنة أو من كليهما، فلا بد من وجود دليل يدل على هذا الاسم. والأمر الثاني: معنى هذا الاسم، معنى هذا الاسم، حتى إذا عبد المسلم ربه بهذا الاسم يعرف معناه، وتتواطأ اللسان مع القلب. فإن من أجل العبادات العبادة بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، فادعوه بها، والدعاء من العبادات، بل من أجل العبادات، فمعرفة معاني هذه الأسماء مهم جداً. والأمر الثالث مما ينبغي الاعتناء به عند دراسة الأسماء الحسنى: الآثار المترتبة على الإيمان بهذا الاسم، من زيادة الإيمان، وتعظيم الرب سبحانه وتعالى، والعمل بمقتضى هذا الاسم. هذا من باب التذكير والمراجعة لما سبق. قال: اسم الله الطيب. ورد هذا الاسم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك». رواه مسلم. هذا دليل إثبات هذا الاسم، فدليله من السنة، دليله من السنة: «إن الله طيب»، وهذا إخبار من النبي عليه الصلاة والسلام. قال: والمعنى. وهذا قلنا هي الطريقة: الدليل مع معنى هذا الاسم. قال: والمعنى أنه تعالى مقدس ومنزه عن النقائص والعيوب كلها؛ لأن أصل الطيب الطهارة والسلامة من الخبث. إذن معنى الطيب: المنزه والمقدس عن النقائص والعيوب كلها، فهو اسم يتضمن تنزيه الله عز وجل عن كل نقص وعيب. لماذا؟ لأن الطيب أصله الطهارة والسلامة من الخبث، فهو بمعنى التنزيه. قال: والله جل وعلا لم يزل ولا يزال كاملاً بذاته وصفاته، وأفعاله وأقواله صادرة عن كماله، فالكامل لا يصدر منه إلا الكمال في الأفعال والأقوال سبحانه وتعالى. قال: كمل سبحانه، ففعل الفعل اللائق بكماله. ومن هنا فأسماء الله الحسنى وصفاته العلى دالة على ما يفعله ويقوله، على ما يفعله ويقوله. فالطيب لا يصدر منه إلا الطيب في أقواله وأفعاله سبحانه وتعالى، فهي دالة على ما يفعله ويقوله. فكل أفعاله طيبة، وكل أقواله طيبة سبحانه وتعالى. قال: وما لا يفعله ولا يقوله، كذلك أسماء الله الحسنى وصفاته، وصفاته العلى دالة على ما لا يفعله ولا يقوله. فالله عز وجل لا يفعل ولا يقول ما فيه نقص وعيب، جل وعلا عن ذلك. كما أنه يقول الطيب، فلا يقول الخبيث سبحانه وتعالى، فهو منزه عن ذلك، فهو منزه عن ذلك. هذا معنى قوله: ومن هنا فأسماء الله الحسنى وصفاته، وصفاته العلى دالة على ما يفعله ويقوله، وما لا يفعله ولا يقوله. كيف هذا؟ قال: فإنه سبحانه يفعل ويقول ما هو موجب كماله وعظمته من الأعمال والأفعال الطيبة. قال: ولا يفعل ولا يقول ما يناقض ذلك، لا يفعل ولا يقول ما يناقض ذلك من الأفعال والأقوال الناقصة. فهو طيب في ذاته سبحانه وتعالى، لأنه من أسمائه اسم الطيب، من أسمائه فهو طيب، وأفعاله طيبة، وصفاته أطيب شيء، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه الطيب لا يصدر عنه إلا طيب. ولذلك قال: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً»، لا يقبل غير الطيب؛ لأنه لا يصدر عنه إلا طيب، ولا يصعد إليه إلا طيب، كما قال الله عز وجل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾. إليه يصعد الكلم الطيب. قال: ولا يصعد إليه إلا طيب، ولا يقرب منه إلا طيب. فكلمه طيب، وإليه يصعد الكلم الطيب، وفعله طيب، والعمل الطيب يعرج إليه. فالطيبات كلها له. وأنت تقول في التشهد: ماذا؟ «التحيات لله، والصلوات، والطيبات». هذا هذه صفة لموصوف محذوف، والتقدير: والطيبات لله. لأنه استغنى بذكر المضاف إليه في أول هذا التشهد عن المضاف في الكلمات التي بعدها. فتقول: التحيات لله، والصلوات لله، والطيبات لله. لكن هنا لم يأتِ الجار والمجرور الذي هو مضاف إلى الله عز وجل، اكتفاءً بالمضاف الأول، اكتفاءً بالمضاف الأول. فالطيبات كلها لله. كل طيب فهو لله، فهو لله، فهو لله. استشعر هذا وأنت تأتي بهذا التشهد في كل صلاة. تقول: التحيات لله، والصلوات والطيبات، أي: الصلوات لله، والطيبات كذلك لله. قال: قال: فالطيبات كلها له، ومضافة إليه، صادرة عنه ومنتهية إليه. صادرة عنه: يعني يفعلها ويقولها سبحانه وتعالى. ومنتهية إليه: أي ما يعمله العباد من أعمال طيبة فإنها ترجع إليه، كما في الآية: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾. وقوله في الحديث: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً» يدل على أن الله سبحانه لا يقبل من الأعمال والأقوال إلا ما كان موصوفاً بالطيب. وأراد المؤلف من هذا أن يبين آثار الإيمان بهذا الاسم. فإذا آمنت يا عبد الله بهذا الاسم، وأنه ثابت لله عز وجل، فتحرص على أن لا يصدر منك إلا العمل الطيب، أن لا يصدر منك إلا العمل الطيب. ولذلك قال هنا: يدل على أن الله سبحانه لا يقبل من الأعمال والأقوال إلا ما كان موصوفاً بالطيب، وهو عام في جميع الأعمال والأقوال. وإن كان الحديث جاء في الأكل والشرب والملبس، لكن أوله عام: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً». فطيباً هنا نكرة جاءت في سياق النفي، فهي تفيد العموم. فلا يقبل الله عز وجل من الأعمال إلا الأعمال الطيبة. فلذلك فرع العلماء تحت هذا الحديث مسائل في الصدقات، وأنها لا تجوز لأنها ليست بطيبة. فلو أن إنساناً تكسب مالاً من حرام، من ربا، أو من رشوة، أو من زنا، أو نحو ذلك، وأراد أن يتصدق بهذا المال، قال: أريد أن أبني مسجداً، وماله من الحرام، إما من ربا، أو من مخدرات، أو من قمار، أو نحو ذلك. قال العلماء: لا تقبل منه هذه الصدقة. لماذا؟ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. لذلك قال العلماء: المال الحرام لا يجوز أن ينفق في مأكل أو مشرب أو ملبس، وإنما يمكن ينفق كما يفتي بعض العلماء بمن عنده مال من ربا أن ينفقه فيما يعني فيه مصلحة عامة، ك建设 مجاري للبيارات ونحو ذلك، الأشياء المستهلكة، والأشياء التي لا تدخل في باب المطعم والمشرب والملبس. يقولون: إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، لا يقبل إلا طيباً. وقد قال القائل: بنى مسجداً لله من غير حله *** فتم بحمد الله غير موفق ككافلة الأيتام من كد فرجها *** لك الويل لا تزني ولا تتصدق فأنا مسجد من الحرام، فأكمل هذا البيت. لكن العلماء وصفوه بأنه غير موفق؛ لأنه من مال حرام. وما مثله إلا كمثل تلك الزانية تذهب فتزني من أجل أن تعطى المال، ثم تكفل بهذا المال الأيتام. هل يجوز فعل هذا؟ هذا ما يجوز؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. وكسبت هذا المال من الحرام. فإذا من آمن بهذا الاسم يحرص على أن يكون فعله وقوله طيباً؛ لأن الله طيب فلا يقبل إلا طيباً. فقال هنا: وهو عام في جميع الأعمال والأقوال، فلا يعمل المرء المؤمن إلا صالحاً، ولا يقول إلا طيباً، ولا يكتسب إلا طيباً، ولا ينفق إلا من الطيب. لا ينفق من الحرام، وإنما يتخلص منه. قال: فإن الطيب توصف به الأعمال والأقوال والاعتقادات، ليس الطيب في شيء دون آخر. لأن طيباً هنا قلنا عام يشمل الاعتقادات، فيعتقد الاعتقادات الطيبة الصحيحة. فمن اعتقد الاعتقادات الباطلة كاعتقاد أن الميت ينفع أو يضر، أو يشفع دون إذن الله، أو يعتقد أن الميت يرجع إلى الحياة ويسمع من يناديه، هذه اعتقادات باطلة، فهي تنافي الإيمان باسم الله الطيب. وهكذا في الأقوال والأعمال. قال: فكل هذه تنقسم إلى طيب وخبيث. قال الله كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾. فقسم الله عز وجل الأقوال والأعمال والاعتقادات إلى خبيث وطيب. وكما قال الله عز وجل في الأقوال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾. فسرت هذه الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله. فهي أطيب الكلمات؛ لأنها تتضمن توحيد الله سبحانه وتعالى. وهكذا. وضرب الله مثلاً كلمة خبيثة كشجرة خبيثة. هذا الكلام السيء: الشرك، والزور، والكذب، والاستهزاء، ونحو ذلك من آفات اللسان. قال: والدين الحنيف كله دين طيب. لو نظرت في هذا الدين، ما يأمر الله عز وجل بشيء إلا وهو طيب: في الاعتقادات، في العبادات، في الأحكام، في الحدود، في غير ذلك، كلها أمور طيبة. فالدين كله دين طيب في عقائده وأحكامه وأدابه. فعقائده التي ترجع إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هي العقائد الصحيحة التي تطمئن لها القلوب وتطيب بها النفوس. فالإيمان بالله وما يتضمن من الإيمان بوجود الله، وألوهية الله، وربوبية الله، وأسمائه وصفاته، كل هذا يحيي القلوب ويسعد الإنسان؛ لأنها عقائد طيبة، عقائد طيبة يكون بها الإنسان غاية في السعادة في الدنيا والآخرة. قال: وتوصل معتقدها والمتمسك بها إلى أجل غاية وأفضل مطلوب. فمن آمن بالله عز وجل واعتقد هذه العقائد الصحيحة، فإن مأواه الجنة، دار الطيبين. قال: وأحكامه وآدابه أطيب الأحكام وأطيب الآداب، بها صلاح الدين والدنيا والآخرة، وبفواتها يفوت الصلاح كله. فمن تأدب بآداب الإسلام فقد سعد وكمل في أخلاقه ومعاملاته وآدابه. قال: ولما طاب المؤمن في هذه الدار في عقائده وأعماله وأقواله، أكرمه الله في دار القرار بدخول دار الطيبين التي لا يدخلها إلا طيب. الجنة ما يدخلها إلا طيب، إما ابتداء وإما انتهاء بعد أن ينقى من الخبث. فتعلمون برك الله فيكم أن من معتقد أهل السنة والجماعة أن من لقي الله لا يشرك به شيئاً، وقد تخلى عن كبائر الذنوب وعن عظائم الأمور، فإنه يدخل الجنة ابتداء من غير حساب ولا عذاب. وأما من لقي الله على التوحيد لكن عنده من الكبائر والعظائم، فإن أمره إلى الله، إن شاء عذبه بذنبه، وإن شاء غفر له. فغفران الله عز وجل لهذا المذنب المرتكب للكبائر هذا تطهير له، تطهير له، فلا يدخل الجنة إلا بعد أن يغفر الله له، فلا يدخلها إلا وهو طيب، قد محي ما التبس به من الكبائر. أو لا يغفر له، لكنه ينقى ويصفى في النار، فيعذب بقدر ذنبه، فإذا نقي وصفي أدخله الله عز وجل الجنة، فصار طيباً، صار طيباً. فهذا معنى قوله: أن الجنة التي هي دار القرار لا يدخلها إلا الطيبون. ولما طاب المؤمن في هذه الدار في عقائده وأعماله وأقواله، أكرمه الله في دار القرار بدخول دار الطيبين التي لا يدخلها إلا الطيبون، سواء ابتداء أو انتهاء بعد غفران الله لهم أو بعد تصفيتهم في النار. قال سبحانه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. قال هنا: فعقب. انتبه إلى هذا الملحظ اللغوي. قال: فعقب دخولها على الطيب بحرف الفاء، قال: ﴿فَادْخُلُوهَا﴾، الذي يؤذن بأنه سبب للدخول. يعني كأنه قال: بسبب طيبكم ادخلوا الجنة. فالفاء، فالفاء هنا فاء السببية. الفاء هنا فاء السببية. قال: أي بسبب طيبكم قيل لكم ادخلوها، قيل لكم ادخلوها. فإذا يحرص المسلم، إن كان حريصاً على الجنة، أن يكون اعتقاده وعمله وأقواله وآدابه وأخلاقه طيبة، طيبة. وهذا من آثار الإيمان بهذا الاسم. قال: اللهم اجعلنا من عبادك الطيبين الذين يقال لهم يوم القيامة: ادخلوا الجنة، لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى.