الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 202، ألقاها
ذكر الشيخ أحاديث متعلقة بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر، حيث وردت روايات مختلفة تشير إلى قراءته لسور مختلفة. حمل الشيخ هذه الروايات على أنها تشير إلى قراءة النبي أحيانا بقاف وأحيانا بالواقعة.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلوات بطوال المفصل في الفجر وبأواسط المفصل في الظهر والعشاء وبقصار المفصل في المغرب. جاءت روايات متعددة عن الصحابة تفيد بذلك وتذكر سورا محددة.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر بالمطول غالبا، لكنه أحيانا يقصر في قراءته. يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم بما يراعي المصلين وراءه، فيخفف إذا كان هناك ضعفاء أو مرضى أو ذوو حاجات.
التخفيف يكون باتباع السنة مع مراعاة حال الناس، دون ترك السنة، بل بالتمسك بها قدر الإمكان. هذا النهج يوازن بين اتباع السنة والتفريق بين الناس.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. ونعلم بعد: قال شيخنا مغل بن هاج الواجي رحمه الله: قال عبد الرزاق في مصنفه عن إسرائيل، إسرائيل ابن يونس ابن بيسحاق السبيعي، قال: عن سماك بن حرب أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصلاة كنحو من صلاتكم التي تصلون اليوم، ولكنه كان يخفف، كان صلاة خفيفة من صلاتكم، كان يقرأ في الفجر «الواقعة» ونحوها من السور. وأخرجه من طريق أحمد في المسند، أي من طريق عبد الرزاق، وكذا الطبراني في الكبير، أي من طريق الدبري عن عبد الرزاق. وأخرجه أيضا في الأوسط، وابن حبان كما في الإحسان، والحاكم كله من طريق إسرائيل، وهو ابن يونس السبيعي، عن سماك به. قال: وتابع إسرائيل سفيان الثوري عند البيهقي في الكبرى، قال: وهو في صحيح مسلم وغيره عن جابر نفسه بلفظ «كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد» الحديث، من طريق زائدة، وهو ابن قدامة، وزهير، وهو ابن معاوية، كلاهما عن سماك بن حرب به. قال: فالحديث ثابت من كلا الوجهين، ويحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ أحيانا بقاف، وأحيانا بالواقعة، والله أعلم. فهذا الحديث كما ذكر الشيخ أنه في صحيح مسلم، أصله في صحيح مسلم، لكن الشيخ ذكره هنا لأجل أن فيه شيئا غير ما في صحيح مسلم، وهو قوله: «كان يقرأ في الفجر بالواقعة ونحوها من السور»، وفي صحيح مسلم قال: «بقاف والقرآن المجيد» ونحوها. والظاهر أن إما أن هذا من سماك، كما ذكرنا قبل أن السماك يضطرب أحيانا في الحديث، أو قد يكون من الدبري، الدبري هذا الذي روى مصنف عبد الرزاق. لكن الإمام أحمد قد رواه مثله، فهذا يدل على أنه ليس من الدبري، لكن قد يكون من عبد الرزاق. وأيضا إذا كان عبد الرزاق، فالإمام أحمد لم يرو عنه إلا قبل أن يختلط، لأن عبد الرزاق اختلط بعد المائتين، اختلط وحدث بأحاديث بواطيل، وبعد ما عمي، فكان يقرؤون عليه ويلقنونه أحاديث ليست من أحاديثه، فيظن أنها في كتاب، فيحدث بها. لكن هذا بعد، معنى الإمام أحمد لم يرو عنه شيئا بعد المائتين، إنما جاءه قبل، فلهذا فهذا الظاهر السلامة من عبد الرزاق. وإنما الظاهر أن هذا الاختلاف من سماك بن حرب، سماك بن حرب. بل رواه أبو عوانة كذلك، فقال: «كان يقرأ في صلاة الفجر قاف اقتربت»، قال: «قاف وياسين». أنا زاد أيضا فيها سورة ياسين. ولعل هذا من سماك نفسه، أنا يأتي بهذا وهذا. وقد يكون أيضا من جابر بن سمرة يحكي الحال، حال النبي صلى الله عليه وسلم، فمرة ذكر قاف، ومرة ذكر الواقعة، ومرة ذكر غيرها. وقد جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في صلاة الفجر بطوال المفصل، طوال المفصل. المفصل من سورة قاف إلى آخر القرآن، إلى سورة الناس، ويقسم إلى ثلاث أقسام: طوال المفصل، وأواسطها، وقصارها. فطوال المفصل يقال أنه من قاف إلى عم، وأواسطها من ذلك المكان، إما يدخل عم في أوسطها أو لا تدخل، وتجعل في طوالها. وكذلك أو النازعات بعض يدخلها في الطوال، وبعض يدخلها في الأواسط. فالأواسط هذه السور من «عبس» و«النازعات»، وكذلك إلى «والشمس وضحاها» ونحوها من السور، إلى «والضحى» و«والليل»، فهذه تدخل في أواسط المفصل. ومن ثم بعد ذلك تدخل تلك في قصار المفصل، قصار المفصل. فكان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ما يقرأ في صلاته بالمفصل، أكثر ما يقرأ في صلاته بالمفصل. بعض الناس مثلا إذا رأوا إمام يقرأ هكذا يقولون: هذا يقصر للناس، لا، هذه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ليست سنة أن الإنسان لما يقرأ ينتزع آية من هنا، وينتزع آية من هنا، أو آيات من هنا، وآيات من هنا، هذا ليس سنة كما ذكرنا قبل. وإنما قد تكون هذه أحيانا يفعلها الإنسان، لكن ليست دائما، أو ليس يجعل أكثر صلاته هكذا. بعض الناس تجد بعض الأئمة يجعل أكثر صلاته هكذا، يأتي بآيتين من هذه السورة، وآيتين من هذه السورة، أو يقرأ في بعض السور فلا يجعل الإنسان أكثر قراءته هكذا. فصحيح أن الإنسان يريد أن يسمع الناس القرآن، لكن ليس على حساب ترك السنة، فالأفضل العمل بالسنة. فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ما يقرأ في المفصل. فجاء حديث سليمان بن يسار عن النبي هريرة، صلى في المدينة، فثم قال: ما رأيت أشبه صلاة بإمامكم هذا، فقال: فصليت مع هذا الإمام، فحزرت أن يقول سليمان بن يسار: قال فصليت مع هذا الإمام فحزرت صلاته، فكان يقرأ في صلاة الظهر بأواسط المفصل، وكذلك في صلاة العصر، وفي المغرب بقصارها، وفي العشاء بأواسط المفصل، وفي الفجر بطوالها، في الفجر بطوال المفصل. وهذا الحديث كما خرجه النسائي وأحمد، وهو حديث صحيح. جاء في رواية أنه قال: وصليت مع أنس، مع عمر بن عبد العزيز، فقال: ما رأيت أشبه صلاة برسول الله من إمامكم هذا، ثم ذكر مثل هذا. لكن تسمية الإمام عمر بن عبد العزيز في هذا الحديث ليست صحيحة، وإنما جاءت في حديث آخر من حديث أنس. فأيضا كذلك من يتحرى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته، يجد أيضا هذا، مثلا في صلاة الفجر، جاء عنه أكثر ما كان يقرأ في طوال المفصل، يقرأ «قرآن المجيد» ونحوها. جاء في حديث أبي الشام أو قطبة بن مالك في صحيح مسلم، جاء في حديث قطبة بن مالك في صحيح مسلم أنه قال: حفظت «قاف» في «القرآن المجيد» من في رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان يقرأها في صلاة الفجر. في رواية قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقرأ «والنخل والنخل باسقات لها طلع نضيد»، فقال: فحفظت «قاف» من في رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك أيضا جاء عن جماعة من الصحابة في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بهذه السور. جاء في حديث مسلمة في صحيح مسلم والبخاري كذلك أنها كانت شاكية، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «طوفي من وراء الناس»، وكان قد صلى الفجر، فقرأ فيها، هذا الحديث مسلم، أقصد في صف البخاري، فقرأ فيها «والطور وكتاب مسطور». وكذلك غير أمل، حديث التي جاءت في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه السور. وهذا أيضا حج، جابر بن سمرة، كان يقرأ «قاف والقرآن المجيد» ونحوها من السور، وأحيانا يقرأ غيرها، أحيانا يطول فيها، وأحيانا يقصر، أي في صلاة الفجر. جاء في حديث عبد الله بن عمر عند أحمد بن حبان، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف، ويقرأ بالصافات، يعني يأمرنا بالتخفيف في الفجر، ويقرأ بالصافات. لكن جاء في عهد أبي بكر وعمر كذلك أنهم كانوا يطولون أكثر بصلاة الفجر، لأنهم يرون أن صلاة الفجر هي صلاة القرآن، وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا، سميت صلاة الفجر قرآن لأن أكثرها قرآن، أن أكثرها تكون قراءة. فلهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يقرؤون كثيرا في صلاة الفجر، ويقرؤون أيضا من المفصل، كما كان يقرأ أيضا أبو بكر رضي الله عنه وعمر، وأحيانا يقرؤون سورا غيرها. فأيضا مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ غيرها، ما جاء في حديث السائب ابن يزيد في صحيح مسلم أنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، فافتتح بسورة المؤمنون، حتى إذا بلغ أو حتى إذا ذكر موسى أو عيسى، قال: فأخذته سعلة، سعلة قحة، قال: فأخذته سعلة فركع. وهنا هذا الحديث فيه أنه قرأ بسورة المؤمنين. وكذلك أيضا قرأ النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء عن شبيب أبي روح أنه كان يقرأ «يس» أو قرأ سورة الروم، قرأ سورة الروم. لكن هذا الحديث مختلف في صحته. وقد ذكره الإمام الحافظ ابن كثير في آخر سورة الروم، وصححها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأها في صلاة الفجر. وذكر ذلك أيضا الشيخ الألباني في الصحيح، أقصد في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضا كذلك أحيانا يقصر النبي صلى الله عليه وسلم في قراءته، أحيانا يقصر في قراءته. فمما جاء في ذلك حديث عمر بن حريث في صحيح مسلم، حديث عمر بن حريث في صحيح مسلم، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، فقرأ «إذا الشمس كورت»، فقرأ بإذا الشمس كورت. وأيضا كذلك مما جاء في هذا ما جاء عند أحمد والنسائي وأبي داود عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، جاء في بعض الروايات أنه معاذ بن عبد الله الجهني، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، فقرأ فيها «إذا زلزلت الأرض»، قرأ فيها «إذا زلزلت الأرض» في الركعتين كليهما، أنا قرأ في الركعة الأولى «إذا زلزلت الأرض زلزالها»، وقرأها كذلك في الركعة الثانية، قرأها كذلك في الركعة الثانية. وجاء عند أحمد وأبي داود والنسائي عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر، فقرأ «قل أعوذ برب الفلق»، «قل أعوذ برب الناس». لكن الصحيح أن هذا في سفر، لأن هذا حديث عقبة، جاء في صحيح مسلم أنه في سفر، لكن ليس فيه أنه قرأ بهما في الصلاة، وليس فيه صلاة الفجر، وإنما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعقبة: «اقرأ بهما ما قرأ قارئ بمثلهما»، ما قرأ قارئ بمثلهما. فلهذا جاء في حديث عقبة كما قلنا أنه في صلاة الفجر، لكن تحمل على أنه كان في سفر، لأن هذا الحديث الذي ذكره عقبة كان في سفر. وكذلك أيضا إذا كان في عارض، قرأ النبي صلى الله عليه وسلم «قل أعوذ برب الفلق»، «قل أعوذ برب الناس»، في عارض، لما سمع صياح صبي، فقرأ بهما. وجاء في حديث عمر بن عبسة عند أبي داود أنه قرأ ب«قل يا أيها الكافرون» و«قل هو الله أحد». لكن الظاهر أنه لا يصح، والظاهر أنه أراد سنة الفجر، وليس الفجر نفسها، صلاة الفجر. وهذا مما عين أو بعض ما عين في صلاة الفجر، ومما لم يعين ما جاء في حديث بريدة الأسلمي، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر بنحو ستين آية إلى مئة آية، ستين آية إلى مئة آية. وهذا قد يحمل على أنه يقرأ في غير المفصل، وقد يحمل على المفصل، لأن المفصل أكثر سوره من ستين، أي الطوال من ستين إلى مئة، إلى أكثر، فقد يكون أراد أنه يقرأ بين هذا وهذا. معنى ما بين ستين إلى مئة آية، وليس من الآيات الطوال، وليس من السور الطوال كالبقرة وآل عمران وغيرها، لأنها ستكون طويلة جدا، ولم يأتي عن أحد من الصحابة أنه ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ هذه القراءة، أو قرأ من سورة البقرة مثلا آيات طويلة. لكن هذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يقرأ من أي المصحف، من أي المصحف يقرأ، ستين آية أو مئة آية. لكن خلاصة ما يذكر بهذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر بالمطول غالبا، طوال المفصل غالبا، لكن يقرأ غيرها كما قرأ المؤمنون، وقرأ غيرها في ذلك. فلهذا يحمل هذا الحديث على هذا الجمع، وأيضا كذلك حديث عبد الله بن عمر الذي ذكرناه قبل، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف، ويقرأ بالصافات. والصافات هل هي من المفصل؟ الصافات ليست من المفصل، فلهذا يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم غير المفصل، لأنه كان يقرأ بالصافات، ويقرأ كما قلنا بالروم على صحة الحديث. طيب هذا هو التفصيل في هذا الباب، وهنا أيضا مسألة وهي مسألة التخفيف. قد ذكرنا هذه المسألة، المراد بالتخفيف هو أن يخفف الإنسان ويراعي من وراءه. فقد جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أم الناس فليخفف، فإن من ورائهم الضعيف والمريض وذا الحاجة». فالتخفيف هنا ليس المراد أن الإنسان يقرأ من أقصر السور دائما، لا، ليس هذا التخفيف. وإنما التخفيف يتبع السنة مع مراعاة الناس، يتبع السنة مع مراعاة الناس، يعني يراعي الناس، لكن ليس المراعاة أنه يترك السنة، لا، يفعل السنة ما استطاع، هذا إن شاء الله تعالى. ما يذكر في هذا الحديث والله تعالى أعلم.