الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 119، ألقاها
يناقش تحذير الإمام أبو جعفر الرحيم من تصديق الكهان والعرافين، ويستند إلى الأحاديث النبوية التي تنهى عن إتيانهم وتصديقهم. يُوضح أن الكاهن والعراف يزعمون معرفة الغيب مستعينين بالشياطين.
يتناول تعريف الكاهن والعراف وبيان حكمهما، حيث يرى بعض العلماء أن العراف أعم من الكاهن، بينما يرى آخرون أن الكاهن يخبر بالمستقبل والعراف يخبر بما مضى. كلاهما يدعي علم الغيب ويعتبر من الكهانة.
يؤكد أن علم الغيب من اختصاص الله تعالى وحده، ولا يطلع عليه أحدًا إلا الرسل الذين اختارهم. يُحذر من ادعاء معرفة الغيب من غير الرسل، ويُفسر أن ادعاءات كهنة الجاهلية كانت نتيجة استراق السمع من الملائكة.
يذكر أن أكثر العلماء يرون استمرار الأمر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى أنه سيتم التطرق لمسائل أخرى في درس لاحق. يُوضح استمرارية الأحكام الشرعية بعد وفاة النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله ولا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام أبو جعفر الرحيم رحمه الله: «ولا نصدق كاهنًا ولا عرافًا، ولا من يدعي شيئًا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة». فهنا انتقل إلى هذه الفقرة، وهي أيضًا من عقائد أهل السنة، أنهما يصدقون الكهان العرافين. قال بعض العلماء: إن في وقت المؤلف قد كثر هؤلاء المدعون للغيب الذين يدعون الغيب، كثروا في ذلك الوقت في مصر، فقال: أدخل هذا المؤلف هذا الأمر، وهو من صميم العقيدة، فقال: «ولا نصدق كاهنًا ولا عرافًا». والكاهن والعراف فجاءت في الأحاديث أحيانًا تجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يذكرهما معًا، وأحيانًا يفرد الكاهن، وأحيانًا يفرد العراف. من أتى كاهنًا أو عرافًا، في حديث الذي في مسلم: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل منه صلاة أربعين يومًا». وجاء في الرواية الأخرى: «فصدقه لم تقبل منه صلاة أربعين يومًا أو أربعين صباحًا». وأيضًا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تلك الكلمة يلقيها الساحر أو يلقيها الجني لصاحبه الساحر». وأيضًا الكاهن كثيرًا ما يطلق على من كان في الجاهلية يكهن للناس، والتكهن هو الإخبار بالمستقبل، الإخبار بما يكون في المستقبل، تكهن أي أخبر بما في المستقبل. وتكهن الأصل فيه أنه يعتبر من علم الغيب، لكن إن كان عن ظن، إن كان عن ظن لبعض القرائن مثلًا أو كذا، فهذا لا يدخل في هذا الباب، لا يدخل في هذا الباب. وإن كان أخذه عن الشياطين والاستعانة بهم، فهذا المراد؛ لأن هذا كأنه يرونه يقينًا أنه من علم الغيب. والله عز وجل يقول: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾، يدعون السمع أنهم يسمعون الغيب، لكن يسمعون شيئًا يسيرًا، لكن يكذبون معهم مئة كذبة كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم. «تلك الكلمة يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه، فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاج، ثم يخلط معها مئة كذبة». فلهذا بعض العلماء يقول: إن الكاهن أعم من العراف، وهذا هو قول أكثر العلماء على أن الكاهن يدخل فيه العراف. وبعض العلماء اختار أن العراف أعم، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية: أن كلمة العراف أعم. لكن العراف غالبًا في اللغة هو الذي يعرف المغيبات، الذي يعرف بالمغيبات، معناه الغائبات الضائعة، فيخبر بما مضى. العراف يخبر بما مضى من الأشياء الضائعة، والكاهن يخبر بما يستقبل، تكهن بما في المستقبل: أنه سيحصل لفلان كذا وسيحصل كذا. وأيضًا يذكر بعض الأشياء التي تكون لبعض الناس، فهذا يعتبر تكهنًا. فالكاهن والعراف كلاهما من يدعي علم الغيب، ويدخل في الكهانة على قول الجمهور، على من فسر أن الكهانة عامة من العرافة، على أنه يدخل في الكهانة التنجيم بصوره، وكذلك أيضًا الضرب على الرمل وعلى الكف وعلى الفنجان وغيرها من هذه الأعمال التي هي فيها استعانة بالجن. حتى الخط على الرمل، بعض الناس يقول: إنه يجوز في بعض الأحيان الخط على الرمل، وظنوا أن الحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يؤيد هذا. لا، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الخط، قال: «كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه خطه فذاك». فهنا قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا ليس معنى أن الإنسان قد يضرب على الرمل ويكون ضربه هذا جائزًا، لا. وإنما النبي صلى الله عليه وسلم وضع شيئًا مستحيلًا. فمن الذي يعرف خط ذلك النبي الذي أذن الله عز وجل وجعلها له آية؟ وجعلها له آية أنه يخط بالرمل، فمن هذا الذي يعرف؟ فلهذا أحال إلى مستحيل، أحال النبي صلى الله عليه وسلم إلى مستحيل: «فمن وافق خطه خطه فغفر له»، أو قال: «فذاك». ومن وافق خطه خطه فذاك. وهذا كما قال بعض العلماء: أنه حيل إلى مستحيل، لا يستطيع أن يوافق الخط لأنه لا يعرف أيضًا هذا الخط. فلهذا فالضرب على الرمل يعتبر من الكهانة، ولأن هؤلاء الذين يضربون على الرمل غالبًا يستعينون بالشياطين. فقال أكثر العلماء: إن هذه الأشياء كلها تدخل في الكهانة، بخلاف كلام شيخ الإسلام فيما ذكره عنه الشيخ محمد عبد الوهاب: أنه يعكس الأمر، يجعل هذا كله داخلًا في العراف، والكهانة داخل في العراف. والمهم أن الكهانة والعرافة هي من الدعاء لعلم الغيب، من الدعاء لعلم الغيب. وسواء كان كاهنًا أو عرافًا، فهو مدعٍ لعلم الغيب. والله عز وجل قد بين أن علم الغيب من اختصاصه سبحانه وتعالى، وما اختص به جل أو مما لم يعطيه أحدًا من خلقه، إلا ما أطلع عليه بعض رسله: الرسول الملكي أو الرسول البشري. عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا. فهؤلاء الذين أعلمهم بهذا وأطلعهم على شيء من علم الغيب. وإلا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خمس من علم الغيب لا يعلمهن إلا الله»، وذكر الآية التي هي آخر آية لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. فهذه مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله. لكن قد يطلع الله عز وجل بعض رسله على هذا، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في مسألة الأولياء، وأن الله عز وجل لم يذكر، ولا نبيه عليه الصلاة والسلام لم يذكر أنه يطلع أحدًا على الغيب سوى الرسل، سواء كان الرسول الملكي أو الرسول البشري. وأما غيرهم فلم يأتِ أنهم يطلعون. فالذي يدعي أن الأولياء يطلعون على الغيب فهو كاذب، في دعواه؛ لأنه ادعى شيئًا لم يأتِ به القرآن ولا السنة. والله عز وجل يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾. وقال: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. فالله عز وجل اختص نفسه جل وعلا بعلم الغيب، لكن قد يطلع بعض رسله على ذلك الغيب. وما يكون من عنده، هؤلاء المدعون إنما مما يختلسه الجن، مسترقوا السمع. ومسترقوا السمع كانوا في الجاهلية كانوا يأخذون من علم الغيب، أو من يأخذون من السماء مما عند الملائكة مما يستمعونه. قد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كيف يفعلون، حتى يرقى بعضهم بعضًا كالسلسلة. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ذكر ما كان عليه أولئك من مستمعين. لكن لما أرسل الله عز وجل نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه صار يرميهم بالشهب. ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾. والظاهر أنه أيضًا استمر هذا الأمر على قول أكثر العلماء، استمر هذا الأمر أيضًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن شاء الله هناك مسائل أخرى نكثرها في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.