الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 8، ألقاها
الدرس يشرح مفهوم إرادة الله وحكمتها في الأفعال، ويبين أن كل أفعال الله حكمة ولا يوجد فيها شر محض. يُبين أن إرادة الله متعلقة بحكمته.
الدرس يبين تنزيه الله عز وجل عن التشبيه بالمخلوقات، ويرد على المعطلة والمشبهة في صفات الله. يُوضح أن معرفة الإنسان محدودة ولا تبلغ إلى فهم الله.
الدرس يؤكد على استحالة إدراك الله بالأوهام أو الأفهام، مستدلاً بالآية الكريمة ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾. يُبين أن الله ليس كمثله شيء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الحمد لله تعالى، ونستعين، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى قول المؤلف: «قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد». وذكرنا معنى هذا الكلام. وهنا قوله: «ولا يكون إلا ما يريد»، أي بمقتضى حكمته، بمقتضى حكمته. فإرادة الله جل وعلا متعلقة بحكمته سبحانه وتعالى، فلا يكون شيء في هذا الكون إلا بحكمة الله جل وعلا. فلهذا قال بعض العلماء: لو زاد المؤلف «بمقتضى حكمته» لكان أولى وأوضح، حتى يرد على بعض الطوائف، وهي الأشاعرة، الذين يقولون: إن إرادة الله جل وعلا ليس لها حكمة، وأنهم ينفون الحكمة عن مشيئة الله سبحانه وتعالى. ولهذا يأتون بمسائل غريبة، فيقولون: مثلا قد يدخل الله عز وجل أفجر الفجار يدخله الجنة، وأكفر الكفار. وقد يدخل أيضا أتقى الأتقياء يدخله النار. وهذا كلام باطل، لم تقتضه حكمة الله جل وعلا. بل ربنا سبحانه وتعالى وعد أهل التقوى بالجنة، وأيضا بين سبحانه وتعالى أنه حرم الجنة على الكفار، حرم الجنة على الكفار. فكيف بعد ذلك يقال: إنه يدخلها الكافر؟ فكل هذا لأجل أنهم ينفون حكمة الله جل وعلا في أفعاله. وإنما حكمة الله سبحانه وتعالى في كل أفعاله جل وعلا، أفعاله سبحانه وتعالى كلها حكمة. ولهذا فالشر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، «ليس إليك»، كما جاء في الدعاء: «فالشر ليس إليك». فليس في أفعال الله عز وجل شر، لماذا؟ لأنها كلها بحكمة. فخلق الشر سبحانه وتعالى لأجل حكمة، خلق الكفر وخلق الفسق وخلق أيضا المحرمات لأجل حكمة منه سبحانه وتعالى، ابتلاء لعباده، وكذلك التشريعا لعباده، وغيرها من الحكم التي تقتضيها حكمة الله سبحانه وتعالى. فلهذا فليس الشر إليه جل وعلا، ولا ينسب إليه الشر، وإنما الشر يكون في أفعال العباد. وربنا سبحانه وتعالى خلق هذا الشر في مقتضى حكمته جل وعلا. فلهذا تجد ربنا سبحانه وتعالى أحيانا يهزم أهل الإيمان وهم معهم الإيمان، لكن لحكمة أرادها جل وعلا، مثل ما حصل في أحد. فإن الله عز وجل جعل الهزيمة على المسلمين لحكمة منه جل وعلا، حتى يربيهم على بعض الأشياء. وأيضا كذلك ابتلاء منه سبحانه وتعالى، حتى يريهم أن هذه الحرب سجال، وأن هذه الحرب تحتاج إلى إعداد وغيرها من هذه الحكم التي قد ذكرها العلماء، ومن من ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله. فلهذا فقوله: «ولا يكون إلا ما يريد»، أي بمقتضى حكمته سبحانه وتعالى. ثم قال رحمه الله: «لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام». هاتان العبارتان أراد فيهما الرد على المجسمة، الرد على المجسمة الذين يجعلون الرب سبحانه وتعالى كالمخلوقين، يشبهون الرب جل وعلا وتبارك وتعالى بالمخلوقين. فهم يجعلون لله عز وجل صورة يشبهون بها الله سبحانه وتعالى. وهذا باطل، وهذا طاطل. وفيها كذلك ضمنا الرد على المعطلة، لأن المعطلة ما عطلوا إلا بعدما مثلوا. المعطلة ما عطلوا إلا بعدما مثلوا الله عز وجل بخلقه. لما ذكر الله عز وجل الأسماء والصفات في القرآن، قالوا: هذه إذا أثبتناها إنما أثبتنا أن الله عز وجل جسم، وشبهناه بالمخلوقين. فأثبتوا هذا التشبيه والتمثيل، ثم بعد ذلك نفوا وعطلوا صفات الله جل وعلا. فلهذا فهم أيضا يرد عليهم بهذا الكلام. فربنا جل وعلا مهما تخيلته الأوهام، لا تبلغه الأوهام، أي بخيالها. فمهما تخيل العبد الرب جل وعلا بصفاته سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل أكبر من ذلك وأعظم من ذلك. فلهذا لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام، لأن الله عز وجل يقول: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾. لا تدركه الأبصار، أي لا تحيط به الأبصار، ولا يحيط به إدراك وفهم العبد، لأنه قاصر عن المغيبات. ولهذا ذكر العلماء أن هناك قاعدة متفق عليها بين علماء المسلمين وعلماء الفلاسفة وغيرهم، يقولون: إن معرفة العبد ومعرفة الإنسان تبلغ إلى فهمه شيئا فشياء. أنا لا معرفة الإنسان تبلغ إلى فهمه شيئا فشياء لا يستطيع عقل الإنسان أن يستوعب الأشياء كلها دفعة واحدة، وإنما يدرك هذه الأشياء شيئا فشياء. وكل ذلك بأمرين: إما بحواسه، يعني بحواسه، بالنظر، بالسمع، بكذا اللمس وهكذا، تجد أن الإنسان يعرف هذه الأشياء ويدركها بالحواس. والأمر الثاني أيضا يدركه بالقياس على ما رآه، بالقياس على ما رآه. مثلا على سبيل المثال، أو يقولون بالمقارنة، بالمقارنة بما رآه. مثلا على سبيل المثال، أن الإنسان مثلا رأى هذه السارية، ثم ذهب إلى مسجد آخر ورأى سارية أصغر منها أو أكبر منها، سيقارن الآن في ذهنه أن هذه السارية أكبر من السارية التي رآها في ذلك المسجد، أو أكبر أو أصغر من السارية التي رآها في ذلك المسجد. فهذا قياس بما رآه وبما حسه. فالإنسان إما أن يعرف الأشياء بحواسها، معنى بحواسه يعرفها، أو بما يقيس به بما رآه بحواسه وأدركه بحواسه. وإلا فهو لا تبلغ الأوهام، الخيالات التي يخيلها الإنسان في نفسه لا تبلغ المغيبات. لماذا؟ التي غيبها الله عز وجل عنه، ومنها كنهه جل وعلا وحقيقته سبحانه وتعالى. فهذه الأشياء لا يستطيع الإنسان أن يدركها، «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير». لأن الله عز وجل لم يره أحد، ولا كذلك أيضا الإنسان كما قلنا في القاعدة الثانية: أنه يعرف الأشياء بالقياسات، يعرف الأشياء بالقياسات، يقيس الشيء بالشيء حتى يعرف هذا الأمر. لكن إذا لم يكن هناك له نظير، أو أن هذا الشيء غيبيا عنه لم يره، لم يره، فكيف يعرف أن هذا مثل كذا أو مثل كذا؟ ولو ذكر له أن له كذا وكذا، مثلا لو أن إنسانا ذكر له حيوان لا يعرفه، مثلا على سبيل المثال، حيوان يسمى عرس أو حيوان يسمى مثلا ضبع، بعض الناس ما رآه قط ولا رآه صورة ولا أيضا رآه حقيقة. فإذا قيل له مثلا هذا الحيوان مثل الضبع، سيستطيع أن يدرك هذا الشيء، لا يستطيع يدركه لأنه لا يعرف أصلا الضبع حتى يقيس به. أو مثلا اليربوع أو كذا من الحيوانات التي قد تكون غالبا في الغابات التي لا يعرفها كثير من الناس. فإذا قيل له: هل مثلا رأى حيوانا فقيل له أن هذا يشبه الحيوان الفلاني أو الذي لا يعرفه أصلا، فكيف يستطيع يقيس بشيء هو لا يعرفه؟ إلا إذا أخبر بذلك، إذا أخبر بذلك، وهو أيضا يعتبر من الحواس التي أخبر بها. لكن إذا لم يخبر بهذا الحيوان كيف هو، كيف صفته، كيف مشيه، كيف كذا، ما يستطيع أن يتخيل أو يشبه أو يقيس بهذا الحيوان وهو لم يعرفه ولم يعرف صفاته. وربنا جل وعلا تعالى سبحانه وتعالى، وله المثل الأعلى جل وعلا. وإنما هذه أمثلة يذكرونها العلماء حتى يعرف أو تعرف هذه القاعدة. فالإنسان إنما يعرف الشيء بقاعدتين: إما بحواسه، وإما بالقياس على ما رآه بحواسه، على ما لمسه بحواسه. إما كما قلنا بحواسه يرى شيئا أو يسمعه أو يخبر به، ثم يرى بعد ذلك ما يماثله فيقيس عليه. لكن الرب جل وعلا وتبارك وتعالى سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، ليس كمثله شيء. فلهذا كيف يقيس الإنسان على شيء ليس شيء مثله، ولم يره؟ فلهذا قال هنا المؤلف: «لا تبلغه الأوهام»، لا تبلغه الأوهام، أي هذه التخيلات. مهما تخيل الإنسان في نفسه صورة لله جل وعلا، فالله عز وجل أعظم من ذلك، أعظم من ذلك. فإنما الإنسان تكون له المعرفة شيئا فشيئا، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون﴾. هذه الآية تدل على هذه القاعدة: أن الإنسان يعرف الأشياء شيئا فشيئا، ويعرفها بحواسه. فالله عز وجل قال: ﴿أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾، الإنسان يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئا أبدا، لا أسماء ولا أشياء ولا غيرها ولا ماهيات. لكن إذا كبر، قال الله عز وجل: ﴿وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾، العقل والقلب، فيرى الأشياء ويسمع وكذا، ثم يفهمها بقلبه يفهمها بقلبه وعقله. فلهذا قال: «لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام»، لأنها إذا لم تبلغ الأوهام إذا لم تبلغ المعرفة لهذا الشيء، فإنه لا شك أنه لا يدركه الفهم، لا يدركه الفهم. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾، لا تدركه الأبصار، أي لا تحيط به الأفكار والأبصار. بل ربنا سبحانه وتعالى أعظم من كل شيء وأكبر من كل شيء سبحانه وتعالى. فهذا معنى قوله: «لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام». فإذا لم تبلغه الأوهام، فمن باب أولى أن الأفهام لا تدركه. وإنما تدرك الأفهام وتحيط الأفهام بقلبه وعقله ما أدركته بحواسها أو بما رأته فقاسته على ذلك. فهذا المراد من قوله رحمه الله تعالى: «لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام». فهذا كما قلنا فيه رد على المجسمة الممثلة، وكذلك فيه ضمنا ردا على المعطلة الذين عطلوا صفات الله جل وعلا وأسمائه سبحانه وتعالى. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.