التوحيد ثمار وآثار 1

التوحيد ثمار وآثار 1

أهمية التوحيد في صحة الأعمال

التوحيد أساس صحة الأعمال وسبب صلاح العبادات، ويعصم المرء من ضياع طاعاته ويسبب له الأمن في الدنيا والآخرة. التوحيد يحفظ سلامة وصحة العبادات ويسبب الاهتداء وتكفير الذنوب.

مغفرة الذنوب ودخول الجنة

التوحيد سبب لمغفرة الذنوب ودخول الجنة، والله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء. الموحد قد يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب إذا حقق التوحيد على الوجه المطلوب.

آثار التوحيد الإيجابية والبعد عن الشرك

التوحيد سبب لصلاح العباد والبلاد وزوال الشدائد، بينما الشرك سبب للبلاء والفتن. يجب إخلاص العبادة لله وحده والبعد عن الشرك لتحقيق الأمن والنجاة.

ختم الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع ينتهي بدعاء الله بالتوفيق لطاعته وتحقيق التوحيد كما أمر الله ورسوله. الدعاء يتضمن طلب التوفيق للطاعة والإخلاص في العمل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمسلمين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أيها المستمعون الكرام، إن الله جل وعلا خلقنا في هذه الدنيا لغاية عظيمة ولحكمة جليلة، ألا وهي عبادته سبحانه وتعالى. قال ربنا جل وعلا: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. وقال عز وجل، مخبرا أنه بعث الرسل يدعون إلى هذا الأصل العظيم، قال جل وعلا: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. وقال جل وعلا: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾. فعبادة الله جل وعلا وإخلاص العبادة له وتوحيده جل وعلا هو أعظم الفرائض الواجبات التي أوجبها الله جل وعلا على العباد. ولذلك تجد أول أمر أمر الله جل وعلا به في كتابه هو توحيد الله سبحانه وتعالى. قال جل وعلا: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. ولأن توحيد الله جل وعلا وإخلاص العبادة له هو أساس صحة الأعمال وسبب صلاح سائر الأعمال والعبادات، فإن سائر الطاعات لا تصلح إلا بصلاح التوحيد. فإذا صلح توحيد العبد صلحت سائر أعماله، وإذا فسد توحيد العبد فسدت سائر أعماله. ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾. وقال جل وعلا، مخاطبا نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾. وقال جل وعلا، مخاطبا أنبياءه ورسله: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾. هكذا خاطب ربنا جل وعلا أنبياءه ورسله أنه لو وقعوا في الشرك لفسدت سائر أعمالهم وسائر طاعاتهم وعباداتهم. فإذا كان هذا مع الأنبياء والرسل الذين هم خير خلق الله جل وعلا، فمن دونهم من باب أولى أن تذهب أعمالهم سدى وأن تذهب طاعاتهم وعباداتهم أدراج الرياح إن وقعوا فيما ينقض التوحيد وفيما يخالف توحيد الله جل وعلا. ولذلك كان هذا من أعظم فضائل التوحيد أنه يعصم المرء ويحافظ على سلامة وصحة عباداته وطاعاته. وهكذا أيضا من فضائل التوحيد أنه سبب لحصول الأمن والاهتداء. قال جل وعلا: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾. فأخبر الله جل وعلا في هذه الآية أن الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، والمراد بالظلم هنا هو الشرك في عبادة الله جل وعلا. ولذلك لما جاء الصحابة رضوان الله عليهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية، قالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ قال: «ألم تسمعوا إلى قولي العبد الصالح لابنه: يا بني، لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم». والحديث في البخاري من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. فبيّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالظلم في هذه الآية هو الشرك في عبادة الله جل وعلا. فالله جل وعلا أخبر أن العبد إذا سلم من الشرك في عبادة الله جل وعلا أن له الأمن والاهتداء: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾. فلهم الأمن في الأوطان والأمن في البلدان والأمن في الأبدان، وهكذا في سائر الأحوال. ولهم كذلك الأمن في الدنيا والأمن في الآخرة. ولهم الاهتداء، الهداية في الصراط المستقيم في الدنيا والهداية إلى النجاة في الآخرة. فلذلك يقول العلامة الفوزان حفظه الله: «أثبت الله الأمن لمن لم يشرك، والذي لم يشرك يكون موحدا، فدل على أن من فضائل التوحيد استقرار الأمن». وهكذا أيضا من فضائل التوحيد أنه سبب لتكفير الذنوب والخطايا ومحو السيئات. قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث أنس عند الترمذي: «قال الله عز وجل: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة». لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، أي ملء الأرض ذنوبا، لكن هذه الذنوب دون الشرك في عبادة الله جل وعلا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة، أي بملئها مغفرة لهذه الذنوب. وهذا يعني أن توحيد العبد وإخلاص العبادة لله وبعده عن الشرك في عبادة الله جل وعلا سبب لمحو ما قد يقع فيه من الذنوب والخطايا. وهذا هو معنى قول الله جل وعلا: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. فأخبر الله جل وعلا أنه لا يغفر لمن أشرك به جل وعلا، ويغفر ما دون ذلك، أي ما دون الشرك من الذنوب والخطايا والسيئات وكبائر الذنوب، فإن صاحبها تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له. لكن الشرك لا يغفره الله سبحانه وتعالى. فدل هذا على فضل التوحيد أن صاحب التوحيد وإن كان عنده شيء من الذنوب والخطايا والسيئات، فإنه تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، فلا ينزم له بالعذاب. وإن عذب فلا يخلد في النار، بل يرجى له المغفرة وكذلك محو السيئات. وقد جاء في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». فدل هذا الحديث على أن من فضائل التوحيد أن الموحد يدخل جنة الله جل وعلا، وإن كان عنده ما عنده من تقصير أو وقوع في شيء من الذنوب والخطايا. ليس هذا على سبيل التهوين بها والاستهانة بفعل الذنوب والخطايا، فلا شك أنها توقص كمال التوحيد، لكن لا تذهبه إن كانت هذه الذنوب دون الكفر والشرك في عبادة الله جل وعلا. فإنه أي الموحد على خير عظيم، وهو كما سمعنا تحت مشيئة الله جل وعلا. وغاية أيضا من فضائل التوحيد أنه سبب لدخول الجنة بغير حساب ولا عذاب إذا حقق العبد توحيد الله جل وعلا وكمل التوحيد في قلبه. كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين حين أقبل النبي صلى الله عليه وسلم أن من أمته سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم دخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئا. وقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكروا أشياء. لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال عليه الصلاة والسلام: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون». فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بصفاتهم، وأن من صفاتهم أنهم لا يسترقون، أي لا يطلبون من أحد أن يرقيهم. وإن كانت الرقية بشروطها الشرعية الثلاثة وهي أن تكون بالكتاب والسنة وباللغة العربية وما يفهم معناه، وأن لا يتعلق المريض بالراقي وإنما يتعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى. فهذه الثلاثة شروط الرقية الشرعية. ومع ذلك لا يطلبون من أحد أن يرقيهم، وإن كانت الرقية جائزة بهذه الشروط، وذلك لكمال اعتمادهم على الله جل وعلا. وهكذا لا يكتوون، أي لا يستعملون الكي بالنار، وإن كان الكي بالنار كذلك جائز مع الكراهة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «شفاء أمتي في ثلاث: شربة عسل، أو شربة محجم، أو كية نار». وأنا أنهى أمتي عن الكي. والحديث في البخاري عن ابن عباس. فالكي يجوز مع الكراهة لكونه استعمالا للنار. ومع ذلك فهم يتركون كذلك الكي مع جوازه اعتمادا على الله جل وعلا. ولا يتطيرون، أي لا يتشاؤمون، سواء كانت تشاؤما بمرئى أي بشيء يرونه من إنسان أو حيوان، أو كانت تشاؤما بصوت يسمعونه من صوت إنسان أو حيوان كلب مثلا أو صوت طير أو صوت كلب أو صوت غراب أو غيرها من الأصوات، أو كان بشيء معلوم كالأيام والشهور كشهر رجب أو شهر صفر أو نحوها من الشهور، أو كذلك الأيام كيوم الأربعاء أو غيره. فلا يتشاؤمون بشيء لأن تشاؤم ينافي التوكل على الله جل وعلا ويوقع العبد في الشرك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الطيرة شرك». وعلى ربهم يتوكلون، أي هم يعتمدون على الله جل وعلا في سائر أعمالهم وفي سائر أحوالهم وفي قضاء حاجاتهم. فهم يعتمدون على الله جل وعلا. فهؤلاء الذين تصفوا بهذه الصفات، وهو أنهم لا يسترقون ولا يكتوون مع أن هذين الأمرين جائزان، ولا يتطيرون وتطير مؤتشاء محرم، وعلى ربهم يتوكلون. لأن هذه الفضيلة العظيمة وهو دخول الجنة بغير حساب ولا عذاب. ومن فضائل التوحيد كذلك أنه سبب عظيم لحصول كل خير في هذه الأرض وصلاح العباد والبلاد، فهو بتوحيد الله جل وعلا. كما أن حصول الشر والبلاء والفساد هو بالوقوع في الشرك في عبادة الله جل وعلا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم والدعوة إلى غير الله». انتهى كلامه رحمه الله. نعم، باب الله، فصلاح التوحيد سبب لصلاح العباد والبلاد. وهذا يدعو إلى إخلاص العبادة لله جل وعلا وإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة والبعد عن الوقوع في الشرك بجميع صوره وأنواعه. وهكذا أيضا من فوائد أو ثمار أو فضائل التوحيد أنه سبب لزوال الشدائد ورفع المصائب والأوبئة والأمراض والأسقام. فما رفعت بمثل توحيد الله والنجاء إلى الله سبحانه وتعالى وتضرع إلى الله جل وعلا. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله كما في كتابه الفوائد: «فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد، ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد. فلا يلقي في الكرب العظام إلا الشرك، ولا ينجي منها إلا التوحيد، فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها». انتهى كلامه رحمه الله. فما أحوج المسلم في مثل هذه الأيام التي يمر بها العالم في خوف وفزع وهلع من ذلكم الوباء الذي انتشر وعم بلاؤه وعم شره وفتك بمن فتك من الناس ومات بسببه العشرات والمئات. فما أحوج المسلمين إلى الرجوع إلى الله جل وعلا والتضرع إلى الله عز وجل وإخلاص التوحيد له والدعاء والدعاء الله جل وعلا برفع هذا البلاء وهذا الوباء وإخلاص العبادة لله جل وعلا والبعد عن الشرك والحذر منه. فالواجب على المسلم إخلاص العبادة لله جل وعلا، وأن لا يصرف شيئا من العبادات والطاعات لغير الله جل وعلا، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل ولا لولي صالح، لا يدعو شجرا ولا حجرا ولا شمسا ولا قمرا ولا كذلك قبرا ولا وليا، وإنما يدعو الله جل وعلا. والله عز وجل يقول: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون﴾. فأسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ونسأله سبحانه أن يعينا وإياكم على تحقيق التوحيد والقيام به كما أمر الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.