الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 83، ألقاها
شرح حديث النبي حول من سن سنة حسنة أو سيئة وأثر ذلك على أجره أو أوزاره، مع توضيح المقصود بالسنة الحسنة. كما ذكر حديث آخر حول من دعا إلى هدى أو ضلالة وأثر ذلك على أجره أو إثمه. الحديث يحث على المبادرة بالأعمال الصالحة.
بين النبي أن من يبدأ بعمل خير أو شر يتحصل على أجره أو وزره وأجر أو وزر من يتبعه، مما يحث على إحياء السنن الثابتة في الشريعة وليس ابتداع البدع والمحدثات. الحديث يحث على المبادرة بالأعمال الصالحة مثل الصدقة وإحياء حلقات العلم.
ذكر أربعة أشياء ينتفع بها الإنسان بعد موته: التصدق، الولد الصالح، السنة الحسنة، وشفاعة المصلين. كما ذكر أهمية شفاعة المصلين للميت، حيث يقبل الله شفاعتهم إذا صلوا على جنازة رجل مسلم.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ أبو محمد عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، باب من سن سنة حسنة أو سيئة. قال أخبرنا الوليد بن شجع، قال حدثنا سفيان بن عيينة، قال حدثناه عاصم عن شقيق عن جرير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سن سنة حسنة، فعمل بها بعده، كان له مثل أجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أجره شيء، ومن سن سنة سيئة، كان عليه مثل وزر من عمل بها، من غير أن ينقص من أوزاره شيء». الحديث صحيح، وقد رواه مسلم. والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام: «من سن سنة حسنة»، يعني من عمل عملا هو من الأعمال الحسنة التي جاءت الشريعة بالحث عليها والترغيب فيها، فتبعه الناس في هذا العمل، فله أجر كل من تبعه من الناس. وهكذا إذا سن سنة سيئة مما نهت عنه الشريعة، وتبعه الناس عليها، فله أوزار كل من اتبعه في هذه السيئة. ليس المراد بالحسنة ما قد يستدل به بعض أهل البدع والأهواء بفعل البدع والمحدثات، ثم يقولون: هذه سنة أو بدعة حسنة. فليس المراد بالحديث الحث على البدع والمحدثات، وإنما المراد به إحياء السنن الثابتة في الشريعة التي ربما قد نسيت أو درست، فيحييها الإنسان ويتبعه الناس عليها. وسيأتي بيان ذلك ببيان سبب هذا الحديث، يتبين به المعنى المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: «من سن سنة حسنة». قال رحمه الله: أخبرنا الوليد بن شجاع، قال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». والحديث في صحيح مسلم. قال رحمه الله: أخبرنا الوليد بن شجاع، قال حدثنا أبو معاوية، قال حدثنا الأعمش عن مسلم يعني ابن صبيح عن عبد الرحمن بن هلال العبسي عن جرير بن عبد الله، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحث الناس على الصدقة، فأبطأوا حتى بان في وجهه الغضب، ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة، فتتابع الناس حتى رأى في وجهه السرور، فقال: «من سن سنة حسنة، كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة، كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». والحديث في مسلم. وهذا الحديث بيّن لنا سبب قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من سن سنة حسنة»، وهو أن الناس جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهم فقراء، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما بهم من الفاقة والحاجة، قام فخطب الناس وحثهم على الصدقة، فأبطأوا بالإتيان بالصدقات، فجاء رجل من الأنصار بصرة، كادت يده أن تعجز عنها من ثقلها، فتتابع الناس بالإتيان بالصدقات حتى سر النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «من سن سنة حسنة». الصدقة معلوم أن الشريعة جاءت بالحث عليها وترغيب فيها، لكن لما تقاعس الناس في أول الأمر عن الإتيان بالصدقات، فجاء هذا الرجل وابتدأ بالإتيان بالصدقة، فتتابع الناس بعد ذلك، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث. فهذا هو معنى الحديث الذي يحيي شيئا من الشريعة مما جاءت به شريعة الإسلام، فيتابعه الناس في ذلك، فإنه يتحصل على أجور كل من تبعه، مثل الصدقة، ومثل إحياء حلقات العلم وتعليم القرآن والسنة ونحو ذلك من الأمور المشروعة. قال رحمه الله: أخبرنا عبد الوهاب بن سعيد بن سعيد، قال حدثنا شعيب وهو ابن إسحاق، قال حدثنا الأوزاعي، قال حدثنا حسان بن عطية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أعظمكم أجرا يوم القيامة؛ لأن لي أجري ومثل أجري من اتبعني». وهذا الحديث صحيح إلى حسان بن عطية، لكنه مرسل؛ فحسان بن عطية تابعي وليس بصحابي، وإن كان معناه صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس أجرا يوم القيامة لكثرة أتباعه عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: أخبرنا مالك بن إسماعيل، قال حدثنا عبد السلام عن ليث ومن أبي سليم عن بشر عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى أمر، ولو دعا رجل رجلا، كان يوم القيامة موقوفا به، لازما بغاربه، ثم قرأ: ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾». وهذا الحديث ضعيف؛ فليث من أبي سليم مختلط. قال رحمه الله: أخبرنا عمر بن عاصم، قال حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن الشعبي: أن ابن مسعود قال: أربع يعطاها الرجل بعد موته: ثلث ماله إذا كان فيه قبل ذلك لله مطيعا، والولد الصالح يدعو له من بعد موته، والسنة الحسنة يسنها الرجل فيعمل بها بعد موته، والمئة إذا شفعوا للرجل شفعوا فيه. وهذا الأثر صحيح. فعبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: أربع يعطاها الرجل بعد موته: ثلث ماله إذا كان فيه قبل ذلك لله مطيعا، يعني أن مما ينتفع به بعد موته إذا تصرف في ثلث ماله وكان مطيعا لله جل وعلا قبل ذلك قبل الموت. والولد الصالح يدعو له من بعد موته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا مات الإنسان، قطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له». فإذا ترك الميت ولدا صالحا يدعو له بالمغفرة والرحمة، فإنه ينتفع بذلك بعد موته. وقول: «والسنة الحسنة يسنها الرجل فيعمل بها بعد موته»، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جرير، وكذا في حديث أبي هريرة الذين مروا معنا، فإنه يستمر للذي سن السنة الحسنة له الأجر فيمن اتبعه وعمل بها، ولو بعد موته. قال: «والمئة إذا شفعوا للرجل شفعوا فيه»، كما صح ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس في الصحيح: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته مئة رجل، لا يشركون بالله شيئا، إلا شفعهم الله فيه». وهذا آخر ما ذكر رحمه الله في هذا الباب. إلى هنا صلى الله وسلم على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين.