شرح كتاب لم الدر المنثور 79

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 79، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

خطر البدعة وتحذير السلف منها

يبيّن المقطع أن البدعة أشد من المعاصي الشهوانية وقد تبلغ حد الكفر أو الفسوق، مستدلاً بآية إكمال الدين وأقوال الأئمة كمالك وابن مسعود. ويؤكد أن حسن النية لا يبرر البدعة وأنها تفتح باب ضلالة يؤدي إلى النار.

وجوب اتباع هدي النبي ونبذ المحدثات

يشدد المقطع على أن الهداية الحقيقية تكمن في اتباع سنة النبي ﷺ قولاً وفعلاً، وينكر على المبتدعين إحداث أذكار وطرق لم تكن في عهده ولا عهد الصحابة. ويستدل بآيات النهي عن تقديم قول أحد على قول الله ورسوله، مبيناً أن الدين يسر وطريق النبي هو المختصر الموصل إلى الله.

خطر البدع ووجوب الاقتداء بالنبي والصحابة

يحذر المقطع من أن البدع طريق النار بينما الهدى في اتباع كتاب الله وسنة رسوله كما كان عليه الصحابة، مستدلاً بحديث الافتراق. وينبه إلى أن البدع قد تفضي إلى الردة والتقول على الله بغير علم.

الدعاء الختامي ونسب الترجمة

يختتم المتحدث بدعاء بالتوفيق لمرضاة الله والحمد لله رب العالمين، مع الإشارة إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف حفظه الله تعالى في لمعة الدر المنثور من القول المأثور، قال في الباب الرابع والثلاثين: أهل البدع شر من أهل الفسق. أهل البدع شر من أهل الفسق، يعني أهل المعاصي الشهوانية. الفسوق هنا المراد به أهل المعاصي، فالبدعة تأتي في الإثم بعد الشرك. ومن البدع ما هو مكفر، ومن البدع ما هو مفسق. يعني أن المكفرة، البدعة المكفرة، لا يكون صاحبها خارجاً من دين الإسلام، عياذاً بالله. بدعة المكفرة، وأما البدعة المفسقة فلا يخرج صاحبها من دين الإسلام، ولكنه على خطر عظيم. ويأتي تحذير العلماء والسلف الصالح، من تحذير النبي صلى الله عليه وسلم لعموم المحدثات، كما في حديث العرباض بن سارية: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». هذا قول نبينا صلى الله عليه وسلم، في رواية: «كل ضلالة في النار». فالبدع مآلها إلى النار، عياذاً بالله. وهي كما عرفها العلماء: ما أحدث على غير مثال سابق، يعني في التعريف اللغوي. وأما في الشرع: ما لم يكن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا من قوله ولا من فعله، لا من سنته، ولا كذلك من سنة الخلفاء الراشدين. فلهذا يحذر المسلم من عموم البدع، فإنها خطيرة. والشيطان يفرح بها كما يفرح بعمل الشرك، أيضاً يفرح بعمل البدعة، فيحاول أن يجعل المسلم يعمل البدع. كلام الأئمة رحمهم الله تعالى في التحذير من البدع مأثور ومشهور ومزبور، مثل الشافعي رحمه الله، مثل إمام مالك رحمه الله، إمام أحمد رحمه الله، وأئمة. كلامهم كثير في التحذير من البدع، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذر منها في سنته عليه الصلاة والسلام. وربنا عز وجل يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وهذه الآية العظيمة استدل بها العلماء، ومنهم الإمام مالك رحمه الله تعالى، على النهي عن البدع، وأن المبتدع، المبتدع على خطر عظيم، الذي يبتدع بدعاً، لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. وهذا يأتي لنا بشيء يتعبد الله به، سواء كما في الأذكار أو في الصلوات أو نحوها، يأتي بشيء لم يأتِ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حث عليه، ولا رغب فيه، ولا رغب فيه. فهذا يظن أنه على هدى وعلى خير، هو يظن ذلك، وأن هذا من الدين. قال مالك رحمه الله تعالى: «من ابتدع بدعة فقد زعم أن محمداً عليه الصلاة والسلام خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً». فلا يكون اليوم ماذا؟ دين. إذن الدين هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه السلف الصالح، أئمة الهدى من الصحابة، ومن تبعهم بإحسان. كلنا يعلم الآثار في ذلك، الصحابة كيف مشوا على هذا المنوال، وكيف نهوا في وقتهم وزمانهم، كيف نهوا غيرهم عن أن يحدثوا في الدين، يحدثوا في دين الله عز وجل ما ليس منه، من البدع والأهواء. ظهرت بدع كثيرة في عهد الصحابة، وفي من بعدهم: كبدعة الخوارج، بدعة القدرية، بدعة المعتزلة، الإرجاء، الأشعرية، ونحوها ظهرت. وكذلك ظهرت تصوف بعد ذلك. هذه كلها من البدع التي يظهرونها، يظهرونها، ويتعبدون الله، ويتقربون الله بها، يتقربون الله بها، وليس عليها دليل من كتاب ولا سنة، ولا سنة. فكلام العلماء عندما يتكلم في الكتب ويكتبونه، كلها في التحذير، تحذير من البدع، لألا يتخذ الشخص البدع ديناً يتقرب به إلى الله، يظن أنه على خير. وقال ابن مسعود لأولئك النفر الذين كانوا يسبحون ويهللون ويكبرون ويحمدون في مسجد، في مسجد في الكوفة. كان ابن مسعود في تلك الفترة كان أميراً للكوفة، ودخل أبو موسى إلى المسجد، ووجد أولئك يسبحون بالحصى، يقولون: «كبروا مئة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. هللوا مئة: لا إله إلا الله. سبحوا مئة: سبحان الله، سبحان الله» بالحصى، يعدون، يعدون التسبيح. فلما رآهم أنكر ذلك في نفسه أولاً، لكن هناك أمير. قال: فذهب إلى ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، فأخبره بما رآه من القوم في المسجد. فقال: «هلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم؟ أخبرتهم: عدوا سيئاتكم، ما هي حسنات هذا الذي تفعلونه؟ تكبير، تسبيح، تحميد، يظنون أنهم على هدى». قال: «هلا أمرت من يعد سيئاتهم، وأضمن أن لا يضيع من حسناتهم شيء». ثم ذهب ابن مسعود إليهم، قال: «ما أسرع هلكتكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! إنكم لعلى ملة أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم، أو أنكم مفتتحوا باب ضلالة». اختاروا أحد الأمرين: إما أن تقولوا: نحن أهدى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرسول قصر، قصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ما بلغ الدين، ما كمل الدين. وإما أن تقولوا أنكم أهدى من النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنكم الأمر الآخر: مفتتحوا باب ضلالة، وهي التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير. هذه مقالة كل من يأتي بمثل هذه الأمور، نقول لك: أنا ما أريد إلا الخير، يعني نية طيبة، قصده حسن، أنا ما أريد إلا الخير، نسبح، نحمد، نهلل، نكبر، نسوي أشياء في بيوت الله عز وجل. انظروا: البدعة نشأت في المسجد، ما في مكان خارج المسجد، في المسجد، في زمن الصحابة. قال ابن مسعود: «وكم من مريد للخير لم يصبه». كم من مريد للخير لم يصبه. أين الإصابة؟ الإصابة في الهوى. الإصابة أن تنشئ وتحدث ما لم يحدثه، ما لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ما لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم. الإصابة هي في قوله عليه الصلاة والسلام، في قوله وفي هديه، في سنته. وكم من مريد للخير لم يصبه. أنتم تريدون الخير لكنكم ما أصبتم في هذا. فينبغي عليكم أن ترجعوا إلى ماذا؟ إلى السنة. ترجعوا إلى أقوال النبي صلى الله عليه وسلم. أنكر عليهم الطريقة، لا أصل التسبيح. طريقة: طريقة يجتمعون حلقة، كل واحد معهم مئة حصاء، سبحوا مئة، سبحوا مئة، كبروا مئة. أنكر عليهم ماذا؟ الطريقة. وهؤلاء أيضاً، مثلاً، الذين يمشون عندنا هنا خلف الجنازة: «لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، محمد رسول الله». اخرجوا من بيت الميت إلى المقبرة. نقول لهم: النبي صلى الله عليه وسلم، حصلت في عهده جنائز، ولا لا؟ حصلت في عهده جنائز، وشيع جنائز، والصحابة شيعوا جنائز. هل أثر عنهم أنهم كانوا يهللون الله عز وجل عند المشي بالجنازة؟ أين الدليل على هذا؟ أين الدليل؟ هكذا أيضاً قراءة يس، قراءة سورة، ماذا؟ يس. إما عند القبر، أو على الميت، والأذكار التي يفعلونها ثلاثة أيام، وما أربعة أيام، وعلى ذلك الأربعينية ونحو ذلك. هذه بدعة محدثة. أنه صلى الله عليه وسلم مات له ابن إبراهيم، هل عمل له ختم؟ عمل له شيء من هذا، ما يسمى بالختم، الثلاثة أيام، قراءة، قراءة، قراءة، وقال: أهدوها لروح الميت؟ أبداً. مات وأفضى إلى ربه، وعمله. فخير الهدي، كما قال عليه الصلاة والسلام في الخطبة، دائماً يكرر هذا: في رواية: «خير الهدي»، في رواية: «أحسن الهدي». «خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها». يكرر: «أحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم» في خطبة الحاجة. إذا خطب عليه الصلاة والسلام، كرروا للناس يومياً، يومياً، خطب جمعة، أو لم يخطب جمعة، في المحافل، في الزواجات، خطبة الحاجة المسمى بخطبة الحاجة، ويقول: «أخير الهدي، وأحسن الهدي، هدي محمد صلى الله عليه وسلم». يأتي لك واحد من بعده، سواء كان سُمّي بالحبيب، أو سُمّي بالسيد، أو نحو ذلك، يأتي لنا بأوراد، يأتي لنا بأذكار، يأتي لنا بأشياء ما كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم. نتبع من؟ يا جماعة، انظروا إلى ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه. ابن عباس لما رأى القوم يختلفون، قال: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر». قال أبو بكر وعمر. هذا المتأخر الآن الذي يأتي في هذا الزمان، أو كان حتى بعد زمان الصحابة، أهو أفضل من الصحابة، فضلاً عن أن يكون أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يقول لهم رضي الله عنه وأرضاه: يقول: «قال رسول الله»، أقول لكم الحديث كذا، وأنتم تقولون: «قال»، يعارضون بقول أبي بكر وعمر. يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، لا تقدم قول على قول الله عز وجل وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. أن ترفع صوتك وتجعل صوتك فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كان في حياته، وبعد ما مات، أن لا تجعل قولك فوق قول النبي صلى الله عليه وسلم. جاء في الحديث، جاء في الحديث: «كاد الخيران أن يهلك». كاد الخيران، حديث العباس، أن يهلك. ارتفعت أصواتهما، من الخيران، في تفسير هذه الآية، وفي سبب نزول هذه الآية: أبو بكر وعمر، يقول أحدهما: أمر فلاناً، ويقول الآخر: أمر فلاناً، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس بينهما، فارتفعت أصواتهما، فارتفعت، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾. القول لأبي بكر وعمر، ولكنه عام للأمة: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول. تأديب من الله عز وجل لهؤلاء. فإذا كان هؤلاء السادات الكبار، أمثال أبي بكر وعمر، لا يقدم قولهما على قول النبي صلى الله عليه وسلم، فما بالك بمن جاء بعدهما، ممن لا نعلم أيضاً تقواه وولايته، ممن لا نعلم ذلك؟ فانظروا كيف بارك الله فيكم. بعض الناس ينبغي أن يراجع حساباته، ينبغي أن يراجع حساباته، وينظر، ينظر في الأشياء التي يفعلها، هل هي موافقة للشرع؟ لا، أنت تريد بذلك الأجر، وتريد بذلك الثواب، أليس كذلك؟ تريد الأجر من الله والثواب من الله. هناك طريق مختصرة، اسمها الاتباع: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. والدين يسر، الدين يسر، لأن الله عز وجل قد يسره لعباده، فلماذا أنت تأتي بأشياء تشق على نفسك فيها، ما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتظن أنك أحسن أو أفضل، أو تظن أنك بذلك تؤجر أجراً عظيماً، وهذه ليس عليها أثارة من علم؟ اختصر الطريق، ما هي الطريق المختصرة إلى الله عز وجل، والموصلة إلى الله سبحانه وتعالى؟ هي طريق النبي صلى الله عليه وسلم. إذا مشيت عليه تراها يسيرة، تراها، وإنه ليسير، كما قال: على من يسره الله عليه. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا ماذا؟ غالبه. هؤلاء أصحاب الأفكار الهدامة الذين يقولون: ما يتحقق الدين إلا بهذا، بالقتال في بلاد الإسلام، بالتفجير، بالاغتيال، بنحو ذلك. عندهم أن الدين ما يقام إلا بهذا. تشددوا، تشددوا، تشددوا، فغلبوا، غلبهم الدين، لأن الدين يسر. والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال لأبي موسى ومعاذ لما بعثهما إلى اليمن: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا». دل على يسر الدين، يسر هذا الدين، وأننا إذا أخذنا بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم كنا على الطريق صحيح، وما شققنا على أنفسنا، ولا غلبنا. بل هذا هو الهدي والطريق المستقيم الذي ينبغي لكل مسلم أن يمشي عليه، لا أن يتخذ طريق البدع. فليس الطريق البدع موصلة إلى الجنة. لا تظن أن الطريق البدع موصلة إلى الجنة. طريق البدع موصلة إلى النار، عياذاً بالله. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وكل ضلالة في النار». أين صاحب الضلالة يروح؟ افتي نفسك. عندك طريق هدى، وهو طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وطريق ضلالة، طريق الشيطان، عياذاً بالله. طريق الهدى والاستقامة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، هذا طريق الجنة. طريق البدع والأهواء والضلالات، هذا طريق النار. وحذر منها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الافتراق: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، يهود قبل هذه الأمة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». إلا إيش؟ واحدة. طبعاً لابد أن يأتي السؤال: هناك فرقة ناجية ستنجو من هذا الافتراق الذي يحصل في أمة محمد، سنة أرادها الله عز وجل أن تحصل في الأمة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، تأتي هذه الأهواء والمضلات والفرقة، لأن الشيطان موجود، وهناك الاختبار والابتلاء من الله سبحانه وتعالى لعباده: يتبعوا الكتاب والسنة، أم أنهم لا يتبعوا الكتاب والسنة؟ كما في سورة سبأ، ذكر الله عز وجل هؤلاء الذين خرجوا، وقد كانت لهم النعم العظيمة، وتركوا نعمة الله سبحانه، شكر الله عز وجل على النعمة، واتخذوا سبيل الكفر، عياذاً بالله، فأبدلهم الله. إذن عندنا طريق هداية، وطريق ضلالة، ينبغي علينا أن نسلك طريق الهداية، ونترك طريق الضلالة والغواية. لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أن هذه فرقة واحدة ستنجو، ستنجو من النار، تنجو من النار، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «هم الجماعة». في رواية صححها الألباني، أو الحسنة، الألباني رحمه الله: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي». من كان على مثل ما عليه الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، التزم، ما زاد في دين الله عز وجل ما ليس منه. هذا آية، وهذا حديث. صلي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني صلي». خذوا عني مناسككم. في كل العبادات تجد هدي النبي عليه الصلاة والسلام، ابحث عنها فقط، أيها المسلم، أن تبحث عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في عباداتك. وهكذا أيضاً قد بينا النبي صلى الله عليه وسلم في المعاملات الأخرى. فإذن عندنا فرقة واحدة تنجو من الافتراق، من عموم الافتراق. فرق كثيرة تخرج. فاذكر العلماء في الكتب الفرق التي خرجت في أول، في صدر الإسلام، ثم بعد ذلك، ثم في زماننا المعاصر أيضاً خرجت هناك فرق أخرى، فرق أخرى كثيرة، وكلا يدعي وصلا لليلى، وليلى لا تقر لهم بذاك. إذا اجتبكت جفون أو دموع في جفون، تبين من بكى ممن تباكى. هنا الكل يقول: أنا على الكتاب والسنة، أنا على دين. والفيصل، الفيصل في الاتباع، الفيصل في السير، الفيصل في السلوك، الفيصل هنا: هل فعلا يطابق قوله فعله، أم ليس كذلك؟ فهذا الباب الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وغيره من الأبواب السابقة، كلها لكي نحافظ على ديننا. تحذير من البدع. البدع خطيرة، البدع والله خطيرة جداً جداً، قد تفضي بالشخص إلى الردة، كما قال ابن سيرين رحمه الله تعالى: «أسرع الناس ردة أهل الأهواء». راكب هوا، يا أخي، يا مسلم، اتق الله. رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، ربنا يقول كذا، يقول: لا، هذا هو الصح. راكب هوا، سيفضي به إلى رد الأحاديث والآيات، ربما عناداً، وربما استكباراً. وأيضاً تقول على الله بغير علم، والتقول على الله بغير علم، كما أخبر الله عز وجل في كتابه الكريم، ورتب المعاصي، وذكره بعد الشرك، يعني في الترتيب، ليضل على خطورته: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فالبدع من التقول على الله مما لا يعلم، لأن لو كان عنده علم ما سلك طريق البدع. عندك علم؟ هات العلم. ﴿أْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يا متخذ البدعة، يا الذي تمشي على البدعة، هات الآثار من علم. نحن نتبع، كلنا نريد الأجر والثواب، نريد هذا الخير الذي أنت عليه. عندك علم؟ فلماذا تتقول على الله سبحانه وتعالى؟ تقولك أن هذا من الدين، كما يُنقال. هذا ليس بلسان الحال، وإنما هو بلسان المقال. يفعل بدعة، يفعل بدعة تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى. ما لسان المقال يقول، أو ما لسان الحال يقول؟ يقول: هذا من الله، مما شرعه الله. هو مقال بلسانه، لأنه لو قال ذلك، والعياذ بالله، لربما إذا حَجّ وعاند واستكبر، خرج من دين الإسلام. تقول على الله، كذب على الله سبحانه وتعالى. الله ما شرعه، ما قاله، لا في كتابه، ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يفعل صاحبنا هذه البدعة. هذا كما يقال: لسان، لسان الحال، هو ما يقول لهذا بلسان مقاله: أن هذا من الدين، وأن هذا كذا، وأن هذا كذا، لأنه ما عنده علم، ما عنده علم، عياذاً بالله. فلهذا ينبغي أن نحذر من هذا. فهذه مقدمة بين يدي هذا الباب، وإن شاء الله تعالى في الدرس القادم نقرأ لكم تحذير السلف رحمهم الله تعالى، كالشافعي، وأحمد بن حنبل، وسعيد بن جبير، وغيرهم من أئمة وسادات الأمة، تحذيرهم من البدع عامة وخاصة، ومن كذلك الجلوس مع المبتدع الذي يبتدع في دين الله سبحانه وتعالى. إن كنت تحب رسول الله، فأترك هؤلاء الذين يدينون الله بالبدعة، وامشي مع من يدين الله بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وفّقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر