الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 46، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه أبو هريرة عن رجل سمع صوتا في سحابة يسقي حديقة رجل صالح يتصدق بثلث ما يخرج منها. الحديث يبين فضل الصدقة وإثبات الغيبيات بوجود ملائكة موكلين بالماء.
يُظهر الدرس فضل الصدقة والإخلاص في العمل، حيث يروي قصة رجل تصدق بصدقة أريد بها وجه الله، فأعطاه الله عطاءً عظيمًا. كما يُبيّن أن الصدقة من أسباب استمرار الرزق، وأن الله يربي الصدقات ويضاعفها لصاحبها.
يشرح الدرس شروط التوكل على الله، وهي الإيمان بالله، الاعتماد عليه، والعمل بالأسباب. كما يفسر الحديث الذي يدل على أن الثلث هو الحد الأمثل للتصدق به دون الإضرار بالنفس أو العمل، ويجمع بين هذا الحديث وتصرفات الصحابة مثل أبي بكر وعمر في التصدق بمالهم.
هذا الجزء الأخير يختم الدرس بتلخيص أهم النقاط المذكورة، مع التفريق بين دليلين مهمين. يشير إلى اكتمال الموضوع المطروح والحمد لله على ذلك. يبدو أن هذا الختام يشير إلى نهاية درس أو بحث ديني.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا، غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث السادس والأربعون. قال الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، واللفظ لأبي بكر، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن وهب بن كيسان، عن عبيد بن عمير الليثي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينا رجل بفلات من الأرض، فسمع صوتا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان، للإسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله، لما تسألوني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتا في السحابة الذي هذا ماءه يقول: اسق حديقة فلان لسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثا، وأرد فيها ثلثا». هذا الحديث من الأحاديث العظيمة التي ينبغي أن يعتني بها المسلم، ويجعله نصب عينيه، وطالب العلم على وجه الخصوص. وفيه مسائل كثيرة، من أهم مسائل هذا الحديث فيه إثبات الغيبيات الذي ينكره الكثير من العقلانيين. فإن إثبات ذلك مما تواترت به أدلة الشرع، ليس في دين الإسلام فقط، بل في سائر الأديان السماوية. وهكذا كذلك الحس، فإن إثبات الغيبيات أثبته الحس بالتواتر، وخبر التواتر من العلوم الضرورية التي لا ينفيها العقلاء. فإثبات الغيبيات أثبتته الأدلة الشرعية، وأثبته الحس بالتواتر، وأثبته كذلك العقل بالنظر الصحيح، وتثبته الفطرة بدلالتها الصحيحة. وهو كذلك مما تواتر نقل الأنبياء فيه. وفي هذا الحديث من خبر الغيب أن هناك ملكا موكل بالماء يأمره الله جل وعلا بما شاء، ومن ذلك السقيا وتخصيص بعض الأرض بالسقيا. والله جل وعلا يفعل في خلقه ما يشاء. وفيه كذلك، أي في هذا الحديث، فائدة فلكية أفادها بعض المتأخرين، وهو أن الماء أو أن السحاب ينجذب غالبا إلى مواضع الجبال، ينجذب غالبا إلى مواضع الجبال، وأنه كلما كان الجبل صلبا كان ذلك أدعى لقربه منه. وفيه أن الله جل وعلا يسخر لعباده من الأسباب الشرعية والأسباب الكونية ما يكون لهم به طيب الحياة في هذه الدنيا، وفي الدار الآخرة. فلننظر كيف سخر الله جل وعلا لهذا الرجل انتفاع هذا المكان الذي اجتمعت فيه أسباب حصول الخير له في حديقته. من ذلك ما ذكر، ومن ذلك أن الأراضي التي تكون بجانب الحرات في الغالب يحفظ ماءها، فالحرة هي الحجارة السود، الجبال التي تكون من الحجارة السود، وهي جبال في الغالب صلبة لا تشرب الماء، بل على العكس تحفظ الماء فيما حولها، فيكون في أسفلها وفي بطون تلك الأرض إعان تحفظ المياه لتلك الأراضي، كأنها خزانات للمياه. وهكذا كذلك في هذا الحديث فضيلة الصدقة، فإن هذا الرجل كان يتصدق لله جل وعلا بصدقة يريد وجه الله، فأعطاه الله جل وعلا عطاء عظيما من عنده، وخص بهذا الأمر من دون سائر الناس. وفيه فضيلة الإخلاص. ولهذا أتبعه الإمام مسلم رحمه الله بحديث: «أغنى شركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه». لأن هذا الرجل كان يعمل هذا العمل، ولا يدري به أحد، ما يعلم بصدقته إلا الله جل وعلا، ومع ذلك ما ضيعه الله، بل حفظه ويسر له سبب الرزق. وفيه كذلك أن من أسباب استمرار الرزق الصدقة، أن من أسباب استمرار الرزق الصدقة. فإن الصدقة من أسباب استمرار الرزق، والأمر كما قال الله عز وجل في أمر الصدقة: ﴿يمحق الله الربى ويربي الصدقات﴾، يعني يضاعف ويكثر الصدقات، الربى يمحقه ويضيعه ويذهب أثره وبركته، أما الصدقة فإن الله جل وعلا يربيها وينميها لصاحبها. وذلك من أوجه، أولا أن يسر له أسباب حصول المال وكثرته، وأن يحفظ له أصل هذا المال من الآفات، ومن كذلك ما يضرها، وكذلك يبارك له في القليل الذي ينفع به نفعا كثيرا. وهكذا كذلك يبقيه له إلى خلفه، يعني ليس فقط يبقى له، بل كذلك يبقى لذريته. ومن ذلك أمر الغلامين الذين كان أبوهما صالحا، فحفظ الله عز وجل كنزهما بصلاح أبويهما، وهذا من فضل الصلاح، ومن ذلك الصلاح الصدقة. وفي هذا الحديث كذلك أصل ينبغي أن يجعله المسلم له في هذه الحياة الدنيا، أصل في هذا المال أنه إذا أراد أحسن ما يتقرب به إلى الله جل وعلا أن يقسمه إلى ثلاثة أقسام: ثلث يجعله في نفقته وأهله، وثلث يجعله سببا في إبقاء أصل تجارته وكسب رزقه، وثلث يجعله في الصدقة. وفي هذا الحديث كذلك أن التوكل على الله من شروطه العمل بالأسباب. أن التوكل على الله من شروطه العمل بالأسباب. ومر معنا أن للتوكل شروط ثلاثة. نعم، شروط التوكل الثلاثة: أولا: الإيمان بالله بربوبيته وإلوهيته وأسمائه وصفاته. ثانيا: الاعتماد على الله لا على السبب. ثالثا: العمل بالأسباب. نعم، العمل بالأسباب. فهذه ثلاثة شروط للتوكل، ودلت عليها الأدلة الكثيرة، ومنها هذا الدليل. فهذا الدليل دليل من أدلة كثيرة تدل أن من شروط التوكل العمل بالأسباب. فإنه لا يصح توكل صحيح على الله جل وعلا إلا بالعمل بالأسباب. هذا الرجل عمل بالسبب، فكان بذلك بقاء هذا الخير له، حصوله له. وفيه كذلك أن أعدل العدل أن يبقي للأهل الثلث، وأن يخرج الثلث، وأن يجعل في أصل تجارته الثلث. وسبحان الله على حكمة الله جل وعلا وإتقان شرعه. انظر إلى هذا الحديث، وانظر إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام حين أراد سعد أن يتصدق بكل ماله، فنهاه النبي عليه الصلاة والسلام، فما زال به حتى قال: الثلث. قال: والثلث كثير. قال: الثلث، والثلث كثير. ففيه دليل على أن أكثر ما يتصدق به الإنسان وأفضله وأعدله هو الثلث، لا يزيد على ذلك. فهذا هو الحد الذي لا يحصل به الضرر على نفسه، ولا على أصل عمله وتجارته، وهو أعدل ما ينبغي أن يفعله الإنسان. وبه نعرف كذلك أن الإنسان لن يصل إلى الكمال بعقله، ولا بعاطفته، ولكنه يصل إلى ذلك بشرع الله جل وعلا. فإن المرء قد تأخذه العاطفة فيجعل كل ماله في الصدقة، ويخرجه. وقد كذلك يمنعه حبه لأهله وولده أن لا يخرج شيئا. والعدل في ذلك ما في هذا الحديث. فإن قال قائل: كيف يجتمع هذا الحديث مع فعل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؟ فهذا أبو بكر يقول حين يقول له النبي عليه الصلاة والسلام: ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله. وقال عمر: ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم شطر مالي. فما الجواب على ذلك؟ قال العلماء: الجواب على ذلك أن هذه قضية عين، ليست في أصل المال، وكله من أول إلى آخر. إنما هذا في قضية عين. لأن النبي عليه الصلاة والسلام حثهم مرة على الصدقة، يعني في غزو أو غيره، ففي تلك المرة جمع ما عنده من مال كله. لكن ليس معناه أنه لم يبق لأهله أصل يرد عليهم فيه المال، لا. وليس معناه أنه انقطع عن أهله أصل المال، لكن فيه جواز التصدق بالمال كله في المرة الواحدة، ليس على كل الحال، ليس على كل الحال، لأنه عنده أسباب أخرى للاكتساب والارتزاق الذي به يعيد لأهله ما ينفق عليهم. هذا هو وجه الجمع بين فعل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ومع هذا الحديث. فهذا الحديث فيه الأصل الدائم، مثل حديث سعد رضي الله عنه أرضاه. فنفرق بين هذين الدليلين. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وفيه كما سمعنا هذه وغيرها. وهذا أهم ما ذكر. وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.