الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 30، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك بشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول أهمية المبادرة بالأعمال الصالحة قبل حلول أشراط الساعة، ويوضح معنى الحديث وأهمية الأعمال الصالحة في ذلك السياق.
يتناول المقطع تفاصيل أشراط الساعة الكبرى مثل الدجال والدخان ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها، ويشرح علامات الدجال وفتنته وكيفية النجاة منها.
يفسر المقطع كيف أن أشراط الساعة الكبرى تقطع على الناس الأعمال الصالحة وتشير إلى قرب قيام الساعة، مع التركيز على فتنة العامة والخاصة وانقطاع الأعمال.
يشير المقطع الأخير إلى انتهاء شرح الحديث وتناول خلاصة ما جاء فيه، مع الإشارة إلى الاكتفاء بما تم ذكره والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخنا، غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث الثلاثون. قال الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا أمية بن بسطام العيشي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن زياد بن رياح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال ستة: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم». ذكر الإمام مسلم رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث الفتن وأشراط الساعة، وهو من الأحاديث كذلك الجامعة التي جمعت أكثر أشراط الساعة الكبرى. وهذا الحديث ذكر فيه ثلاثة جمل. أما الجملة الأولى: حث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على المبادرة بالأعمال، أي الاستكثار من الأعمال الصالحة والاستقلال والتقليل من الأعمال السيئة، والحرص كذلك على هذه الأعمال قبل أن يأتي ما حذر منه عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث. «بادروا بالأعمال» والمبادرة معناه المسارعة مع المكاثرة. «بادروا بالأعمال ستا» ومعنى ستا: أي قبل أن يدرككم ستة أشياء. ستة أشياء تقطع عليكم هذه الأعمال. وهذه الستة التي ذكرت في هذا الحديث، وفي غيرها من أحاديث أشراط الساعة: الدجال، وهو من فتن أشراطه وأشراط الساعة الكبرى التي حذر منها النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة. بل قال عليه الصلاة والسلام: «أن فتنته مثل فتنة القبور»، جعلها النبي عليه الصلاة والسلام كفتنة أهل القبور لشدة الفتنة به. وأن من يقابله أو يأتيه يفتن فتنة عظيمة. وقد جاء في ذكر وصفه أنه عليه الصلاة والسلام أحاديث كثيرة، من تلك الأحاديث ما ذكر من وصفه: أن من فتنته يكون عنده جنة ونار، ومن فتنته أنه يكون عنده أكوام من أنواع الأرزاق من الأطعمة والخيرات، ومن فتنته أنه يأمر السماء فتمطر، يأمرها تمطر فتمطر، ومن فتنته أنه يقتل الرجل ثم يأمره فيحيى بعد أن كان ميتا. وهذه فتنة عظيمة تكون مدعاة لتساقط الكثير في فتنته. ولهذا يتبعه كثير، وكثير منهم من يهود أصبهان كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وأنه يطوف البلاد أربعين يوما، منه يوم كسنة، ومنه يوم كشهر، ومنه يوم كأسبوع، ومنه يوم كسائر أيامنا. وأنه كذلك يكون معه جنود كثر، فيغزو البلاد والعباد، فيأتي المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يريد أن يدخلها فيمنعها، وترده الملائكة، وترده قبل الشام، فإنه فيها يقتل كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومع هذه الفتن الكثيرة، بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يلتبس ذلك على المؤمن، فله علامات. يدعي أنه هو الرب تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ولكنه لا يلتبس على المؤمنين. فمن أشد علاماته أنه أعور، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وليس ربكم بأعور». ومن علاماته أنه مكتوب في جبينه كفر أو كافر، يقرأه القارئ وغير القارئ، يعني مصور على جبينه كلمة الكفر، يعرفه من يقرأ ومن لا يقرأ، كل من كان مؤمنا يرى ذلك في جبينه، فلا يسقط في فتنته إلا واهن الإيمان. ومن علاماته كذلك أنه عنده هذه الفتن، وأن جنته نار وناره جنة. ولذلك يعترض له شاب فينشره بالمنشار فيفرقه فيقتله، يريده أن يؤمن به ويكفر بالله عز وجل، فيمشي بين فلقتي القتيل، ثم يرده حيا، فيقول: مزددت بك إلا إيمانا، أو مزددت إلا إيمانا بما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي هذا دليل على أن من أعظم ما ينجي من فتنة الدجال العلم النافع المورود عن النبي عليه الصلاة والسلام. عندهم من العلم ما يعلمون من خبر الدجال. وأما أهل الكفر فإنهم يذهب عنهم العلم، فيفتتنون بالدجال لعدم العلم الذي حذر به النبي عليه الصلاة والسلام من فتنة الدجال. ومنه كذلك أي من أمر فتنة الدجال، أي مما ينجي منها العمل الصالح، فإن الأعمال الصالحة تنجي من فتنة المسيح الدجال، حتى أن الله جل وعلا ينجي أقوام بإماتتهم، ينجي أقوام بإماتتهم وعدم تعريضهم لفتنة هذا الدجال. ومن أشراط الساعة الكبرى كذلك والتي هي تمنع الأعمال الصالحة وتقطعها وتفوت الفرصة على صاحبها: خروج الدخان. والدخان من أشراط الساعة، وكما مر معنا قريبا في تفسير سورة الدخان: أن الدخان الذي يأتي في يوم القيامة أو ما قبل يوم القيامة من أشراط الساعة الكبرى، هو أحد قولي أهل التفسير في قول الله جل وعلا: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَأْشِي النَّاسَ﴾، وهذا عذاب أليم. وأن المراد بهذا الدخان بأحد قولي المفسرين -وكلاهما صحيح ولا مانع منهما جميعا- أنه الدخان الذي يكون في آخر الزمان من أشراط الساعة الكبرى. وهذا الحديث أيده ويؤكده. وهذا لكذلك. وهذا الدخان دخان يعذب الله عز وجل به الناس. وكما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن أشراط الساعة الكبرى كحبات الخرز إذا سقطت واحدة تتابعت أخواتها، يعني أنها متصلات بعضها ببعض، وهي أشراط الكبرى. ومن هذه كذلك الأشراط والتي تقطع على الناس الأعمال الصالحة كذلك: فتنة الدابة التي هي من علامات وأشراط الساعة، وهي من علامات الكبرى. وظهورها كذلك به تنقطع على الناس أعمالهم وتفوت عليهم الفرصة. وتخرج الدابة تحدث الناس بما كان منهم وما يكون كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، بل ما جاء في كتاب الله سبحانه. وقد جاء في حديث تميم بن أوس الداري في صحيح مسلم: أنه رضي الله عنه أرضاه رمته ومن معه ممن كان في تلك السفينة إلى جزيرة في البحر لا يعرفها. وأنهم حين نزلوا فيها رأوا الدابة، وأنهم مما وصفوه فيها أنها ذات شعر كثيف، لا يعرف قبلها من دبورها، يعني مقدمتها من مؤخرتها. وأنها تتكلم بحديث الناس، وأنها خبرتهم بالدجال. وأنهم ذهبوا فرأوه رجلا مغلغلا كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وحدث بحديث الناس وصدقه النبي عليه الصلاة والسلام، أو حدث بحديث تصديقا له. وهكذا من أشراط الساعة ومما تقطع الأعمال والمبادرة فيها والاستكثار منها: طلوع الشمس من مغربها، فإنه بطلوع الشمس من مغربها تنقطع على الناس أعمالهم، وعند ذلك لا تقبل التوبة كما مر معنا قريبا. أن النبي عليه الصلاة والسلام وهكذا كذلك من الأعمال: فتنة العامة. والمراد بفتنة العامة: أي قيام القيامة، كما قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾، حين يختل نظام الكون وتقوم القيامة، هذه هي فتنة العامة كما فسر بذلكم هذا الحديث. فإنه إذا وقعت القيامة انقطعت على الناس أعمالهم وفاتتهم الفرصة. وهكذا خويصة أحدكم، يعني فتنة الخاصة، كما جاء برواية أخرى: «فتنة الخاصة». والمراد بها الموت، فإن قيامة الإنسان بأحد شيئين: إما بموته، فمن مات فقد قامت قيامته، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث عائشة وغيرها. والثانية: تقوم القيامة الكبرى، فإذا قامت القيامة الكبرى فإنه عند ذلك كذلك تنقطع أعماله. وأعلمنا بهذا أن هذا الحديث أولا فيه الحث والحرص على المبادرة بالأعمال الصالحة، وثانيا التعريف بأشراط الساعة الكبرى والحذر منها والاستعداد لها، وثالثا الاستعداد للموت والحذر منه والاستعداد كذلك بالأعمال الصالحة قبل أن يأتي هذا الموت فيفجأ الإنسان. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وبه نكتفي، الحمد لله رب العالمين.