الدرس في التعليق على كشف الشبهات 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الله عز وجل أرسل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ليجدد للناس دين أبيهم إبراهيم عليه السلام. كان العرب قبل الإسلام على بعض دين إبراهيم، لكنهم حرفوه وأدخلوا فيه الشرك.
المشركون كانوا يعبدون الملائكة ظنا منهم أنهم يتوسلون بهم إلى الله، ولكن في الحقيقة كانوا يعبدون الجن. كانت هذه العبادة عن طريق الاعتقادات وليس عن طريق الأصنام فقط، وتطورت لتشمل عبادة الأصنام فيما بعد.
يروي قصة الجنيد مع الشيطان ويبين كيف نشأت عبادة الأصنام من تعظيم الصالحين، كما يشير إلى الفرق بين شرك الأولين وشرك الآخرين، حيث يشير إلى أن شرك الآخرين أعظم.
بسم الله الرحمن الرحيم. صلاة والصلاة على رسول الله وآله وصحبه، ومن والاهما، بعد قال المؤلف رحمه الله تعالى، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، قال: فبعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم عليه السلام. أنا بعد ما ذكر رحمه الله توحيد العبادة، وأن الله عز وجل أرسل الرسل بهذا التوحيد العظيم الذي أشرك فيه، أشركت فيه الأمم، وعبدت غير الله جل وعلا، وذكر أولهم نوح، أرسله الله عز وجل إلى قومه لما غلوا في الصالحين، ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا. وأيضا هكذا الرسل جميعا يدعون الناس إلى توحيد الله جل وعلا وعبادته، وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمر بتكسير هذه الأصنام التي عبدت من دون الله، وعبدها العرب وغيرهم. فلهذا أرسل الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم ليجدد ما كان عليه العرب عندما بعث إليهم إبراهيم، وإنما غير دينهم، وغير أو غير بعضهم بعض ما كانوا عليه من دين الله جل وعلا. ولهذا بقيت عندهم عبادات، بقيت عندهم عبادات كالصلاة والصيام والحج وغيرهم العبادات. بل جاء في صحيح مسلم أن أبا ذر الغفاري قال لعبد الله بن الصامت: قال يا ابن أخي، قد صليت قبل أن ألتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنوات. يقول أبو ذر: قد صليت قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث سنوات عن الصلاة التي كان عليها العرب، التي كان عليها على دين إبراهيم. فكانت عندهم صلاة، وعندهم زكاة، وعندهم كذلك غسل من جنابة، كما جاء في بعض الآثار، وعندهم أيضا غسل من الحيض، وغيرها من الأمور التي كانت عندهم من العبادات. وهذا يدل على أنهم ليسوا من الملحدين، وليسوا من ينكر وجود الله، بل أنهم يقرون بربوبيته، يعلمون أن الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي والمميت. لكن الذي عندهم أنهم يجعلون وسائط بينهم وبين الله، وهذه الوسائط مثل ما اتخذ هؤلاء كالمشركين، إما كما قلنا وسائط روحانية، أو على أشكال مثل الكواكب وغيرها، إما عبادة أرواح، وهذا عبادة الأرواح إما تتمثل في الأصنام أو أوثان، أو أيضا كذلك الملائكة. تجد أنهم في بعض كما جاء في الآيات: ﴿ويوم يحشرهم جميعا فيقول للملائكة هؤلاء كانوا إياكم يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾. فهذه الآية تدل على أنه كانوا يعبدون الملائكة، كانوا يعبدون الملائكة من دون الله جل وعلا، يعني كانوا يظنون ويعتقدون أن الملائكة في كل مكان، فإذا أرادوا شيئا طلبوا من الملائكة، إذا أرادوا شيئا طلبوا من الملائكة لأجل أن يوفروا لهم هذا. لكن الأصل أنهم ما كانت الملائكة تجيبهم، وإنما كان الشياطين، الجن كان الشياطين الذين يستجيبون لهم، فظنوا أنهم ملائكة، أنهم ملائكة الله. مع أنهم أكثر العرب كانوا ينسبون الملائكة إلى بنات الله، كما يقولون تعالى الله عز وجل عن ذلك أن يتخذ ولدا أو شريكا سبحانه جل وعلا. لكن بعض العرب كان يعتقد في الملائكة، يظن أن الملائكة كما قلنا عند العرب دائما، وعند أيضا في كل مكان، فيدعونهم من دون الله جل وعلا. لكن الذي يستجيب لهم وينفذ طلباتهم هم الجن، كما أخبر الله عز وجل في هذه الآية. ولهذا كما قلنا أن هؤلاء كانوا يعبدون هذه الأرواح، سواء كان عن طريق الأصنام والأوثان، أو عن طريق الاعتقادات التي كانوا يعتقدونها. فلهذا تجد أنهم يعتقدون في الجن، يعتقدون في الملائكة، وليست هناك صور لهم، لم يستطيعوا أن يجعلوا للملائكة صورا لأنهم لا يعرفون أشكال الملائكة. فلهذا فإن ربنا سبحانه وتعالى حكى عنهم أنهم كانوا يعبدون الملائكة، لكن كما قلنا الأصل أنهم كانوا يعبدون الجن، لأن الملائكة ملائكة الله لا يطيعونهم في ذلك، وإنما كانوا يفعلون ذلك الجن. مثل ما حصل لكثير من المشركين في هذه الأمة، تجد الرجل يأتي إلى قبري من يعتقد أنه ولي، فيناديه، فيسمع صوتا، ويسمع إجابة، بل ويسمع وعدا، وغيرها من هذه الأشياء. وهذا حاصل، قد حكى جماعة من العلماء أن كثيرا من هؤلاء كانوا يسمعون أصواتا عند القبور. بل كما ذكرنا قبل في قصة الجنيد، وهذا يدل على أن الجن كانوا يخاطبونهم، الشياطين كانوا يخاطبونهم، لأن الشياطين، شيطان إبليس قد أقسم على أنه يغوي بني آدم. وهذه فرصة وجدها في هؤلاء الجهال حتى يتلبس بما أراده، وأيضا كذلك يصور نفسه بما أراده. فتجد أن الرجل يأتي إلى القبر، فيقول: يا فلان نريد كذا وكذا، فيقول: نعم سأعطيك وكذا. أو مثلا ما يضحك، ما يفعله هؤلاء الجن بالضحك على هؤلاء الذين يظنون أنفسهم قد بلغوا مبلغا ومرتبة عظيمة عند الله. ولهذا يضحك على كثير من هؤلاء بجهلهم. ولما جاء للجنيد، جاء الشيطان للجنيد، فقال: يا جنيد إني راض عنك، وقد أحللت لك ما قد حرمته على الناس. قال: إني راض عنك خلاص، قد أحللت لك كل شيء الذي تفعله حلالا، ما في حرام عليك. فقال الجنيد: اخسأ يا عدو الله، اخسأ يا عدو الله. عرف أنه شيطان وليس الله، مع أنه كان في سياق الدعوة، مع أنه يدعو الله، فجاءه الشيطان يظن يريد أن يلبس عليه، فقال: اخسأ يا عدو الله. فقال له: كيف عرفت أنه الشيطان؟ فقال: لو أن الله عز وجل أراد أن يحل هذا الحرام لأحد، لا حله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. نفعه اتباعه للنبي عليه الصلاة والسلام، وتعظيمه لرسول الله. فقال: لو أراد الله عز وجل أن يحل الحرام لأحد، لا حله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فعرف بفقهه وباتباعه للنبي عليه الصلاة والسلام أن هذا لا يكون أبدا، لا يعطى لأحد أنه يقال له قد حل لك الحرام. كما يفعل بعض المتصوفة، حتى أن بعضهم يترك الصلاة، يترك الصلاة، كمن تعثر بالباطنية من الصوفية. فهذه كما قلنا بعبادة الأغواح، وكذلك أيضا بعبادة الأصنام، ما يجعلون صنما يذكرهم بهذا. وهذا الذي وقع فيه قوم نوح، وكذلك وقع فيه العرب لما جاء عمرو بن لحي الخزاعي من الشام، وجاء لهم بأصنام فيذكرونها. وأيضا الله عز وجل لما قال: ﴿فرأيتم اللات والعزة ومناة الثالثة الأخرى﴾. قال ابن عباس، كما جاء في رواية عنه: اللات كان رجل يلت السويق للحجاج، يلت ويفتت السويق، الخبز والسمن، يفت لهم حتى يأكلون، أنا رجل صالح، أو رجل معاون للناس. فكان الناس يحبونه، فلما مات عكفوا على قبره، ثم صوروا له هذه الصورة من الصنم، فعبدت من دون الله عز وجل. وكانت اللات في الطائف، وقيل أن اللات إنما كان يجلس عند صخرة، يعني يلت السويق ويجلس عند صخرة، فلما مات عبدوا هذه الصخرة، وجعلوها صنما له، جعلوها صنما له. وهذا كله راجع إلى تعظيم هؤلاء الصالحين، حتى يجعلون أو يعبدون من دون الله جل وعلا. وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر المؤلف أن هناك فرق بين شرك الأولين وشرك الآخرين، حتى بيّن الشيخ رحمه الله أن شرك الآخرين أعظم من شرك الأولين. ثم ذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء ليجدد لهم دينهم. إن شاء الله تعالى في درس لاحق نذكر ما ذكره الشيخ، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.