الخطبة بعنوان من أحكام الرضاع، والتي كانت بدار الحديث بمنطقة طيبة 1442هـ ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل أحكام الرضاع في الإسلام، حيث يشير إلى وجوب إرضاع الأم لولدها وعدم الامتناع بغير عذر شرعي، ويحذر من عواقب الامتناع بدون سبب. كما يشرح جواز إرضاع الولد من غير أمه عند الحاجة ويؤكد على أهمية اختيار مرضعة صالحة لتأثير الرضاع على أخلاق الطفل.
هذا الفصل يتناول تفاصيل أحكام الرضاع، حيث يشير إلى أن الرضاع الذي يؤثر هو ما كان في الحولين، وأن التحريم بالرضاع يثبت بخمس رضاعات معلومات، وأن الرضاع يحرم ما يحرم من النسب.
يشرح هذا الفصل تأثير الرضاع على المحرمية، حيث يسري التحريم على أقارب صاحب اللبن والمرضع، ويوضح أن تحريم الرضاع يثبت بشهادة امرأة واحدة، وأن الرضاع يثبت التحريم دون بقية أحكام النسب مثل النسب والنفقة والإرث.
هذا الفصل يتضمن دعاء يطلب فيه العبد من الله إصلاح دينه ودنياه وآخرته، ويطلب زيادة الخير وراحة من الشر عند الموت، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن للرضاع أحكامًا متعددة نذكر ما يتيسر منها في هذا المقام، فمن تلكم الأحكام أنه يجب على الأم إرضاع ولدها وعدم الامتناع من ذلك بغير مسوغ شرعي، قال الله جل وعلا: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، وقوله جل وعلا: «يرضعن» خبر يراد به الأمر، أي ليرضعن أولادهن، فتدل الآية على أنه يجب على الأم إرضاع ولدها. فإن امتنعت من ذلك بغير حجة شرعية، كزعمها أن الرضاعة تؤثر على جمالها وتؤثر على مظهرها وأناقتها، فتمتنع من إرضاع ولدها وتحرم الولد من لبنها، فإنها بذلك قد وقعت في إثم عظيم وهي موعودة بوعيد شديد، أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج النسائي و«ابن خزيمة» من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه في حديث طويل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم انطلق بي فإذا أنا بإناس بنساء تنهش ثديهن الحيات، فقلت: ما بال هؤلاء؟ قال: هؤلاء التي يمنعن أولادهن ألبانهن»، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الوعيد الشديد للتي يمنعن أولادهن ألبانهن بغير عذر، فإن كانت مريضة أو لا تستطيع إرضاع ولدها لكونها لا لبن فيها، أو كذلك يوجد عذر من الأعذار الشرعية، فهي معذورة في ذلك. وقوله جل وعلا: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ أي ذلك إذا حصل نزاع بين الزوجين، فإن الحد المعتبر هو إكمال حولين كاملين، وهو تمام الرضاع وأكمله، ولذلك جاء في صحيح البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه لما مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إن له مرضعة ترضعه في الجنة»، وذلك أنه مات وله سنة وعشرة أشهر. ومنها كذلك أنه إن احتيج إلى إرضاع الولد من غير أمه لحاجة في ذلك، فإنه يجوز ذلك، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فإذا احتيج إلى إرضاع الولد من غير أمه لوجود سبب يقتضي ذلك من الأسباب الشرعية، فذلك جائز، وينبغي اختيار أو اختيار المرأة التقية الصالحة لإرضاع الولد، وذلك أن الرضاع يؤثر في أخلاق المرضع. ولذلك كره الإمام أحمد رحمه الله إرضاع الولد من الفاجرة أو المشركة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعمر بن عبد العزيز رحمه الله: «اللبن اللبن يشتبه، فلا تسترضع من يهودية أو نصرانية»، وهكذا إذا أرضع الولد من لبن فاجرة، فإنه يخشى أن يتأثر هذا المرضع من أخلاق هذه المرضعة، ولذلك كره أهل العلم إرضاع الولد من المرأة الحمقاء خشية أن يتأثر المرضع من أخلاقها وحمقها، ولذلك قيل: «الرضاع يغير الطباع»، «الرضاع يغير الطباع»، فلذلك يختار المرأة الصالحة التقية ذات الأخلاق الحسنة فترضع الولد حتى يأخذ من أخلاقها. ومنها كذلك أن الرضاع الذي يؤثر هو ما كان في الحولين قبل تمامه، قال الله عز وجل: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، فتدل الآية على أن تمام الحولين هو تمام الرضاع، وأن بعد الحولين لا أثر للرضاع، قال إمام الترمذي رحمه الله: «باب ما جاء أن الرضاع لا يحرم إلا في الصغار دون الحولين»، ثم ساق حديث هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام». وجاء كذلك في الصحيحين من حديث مسروق عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انظروا من إخوانكم، فإنما الرضاعة من المجاعة»، وهذا قول جمهور أهل العلم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وقول أئمة الأربعة والفقهاء السبعة: أن الرضاع لا يؤثر إلا في حال الصغر، وما في الكبر فلا تأثير له، فإن الذي ينبت به اللحم وينجز به العظم ويتقوى به البدن هو ما كان في حال احتياج الولد إلى اللبن، فهو غذاؤه وطعامه الذي يتغذى به، وذلك في وقت الحولين قبل تمامهما. ومنها كذلك أن الذي يثبت به الرضاع أو التحريم بالرضاع أن يكون الارتضاع خمس رضاعات معلومات، قال الإمام النووي رحمه الله: «باب التحريم بخمس رضاعات»، ثم ذكر الإمام مسلم رحمه الله حديث عمرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضاعات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يتلى من القرآن»، أي كان في أول الأمر الرضاع لا يثبت التحريم به إلا بعشر رضاعات، ثم نسخ لفظ هذه الآيات وحكمها بخمس رضاعات، أي يثبت التحريم بها، ثم نسخ لفظ هذه الآيات وبقي حكمها، فلا يثبت التحريم بالرضاع إلا بخمس رضاعات معلومات، وهو قول الإمام الشافعي رحمه الله، وهو الصحيح، لهذا الحديث لا بد أن تكون خمس رضاعات، وأن تكون معلومات، أي لا شك فيهن، فإذا شك في الرضاع: خمس رضاعات أو أربع، فالأصل هو عدم الرضاع؛ لأن اليقين لا يزول بالشك. ومنها كذلك أن الرضاع إذا ثبت فإن التحريم يحصل به من جميع جهات أقارب المرضعة، أي إذا رضع الولد من امرأة، فجميع أقارب هذه المرأة أقارب لهذا المرضع، فيحرم بالرضاع ما يحرم من النسب، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وجاء في الصحيحين من حديث عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة»، فكما أن المحرمات من النسب سبع، وهي الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت، فكذلك مثلها يحرم من الرضاع، فتحرم الأم من الرضاع والبنت من الرضاع والأخت من الرضاع والعمة والخالة من الرضاع وبنت الأخ وبنت الأخت من الرضاع، فيسري تحريم الرضاع إلى سائر أقارب هذه المرأة. وهكذا أيضًا كذلك يقع التحريم في لبن هذا الرجل، ولذلك بوب الإمام النووي رحمه الله: «باب ما جاء في تحريم لبن الفحل»، ثم ساق الإمام مسلم حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها أخبرته أن أخا أبي القعيس وهو عمها من الرضاع استأذن عليها بعد نزول الحجاب فلم تأذن له حتى سألت النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «إذني له، فإنه عمك من الرضاع، تربت يمينك»، فبين لها النبي عليه الصلاة والسلام أن الرضاع كذلك يؤثر في لبن الزوج، فكذلك كما أنه يجري التحريم في أقارب المرضعة، فكذلك أيضًا يسري هذا التحريم في أقارب صاحب اللبن وهو الزوج وأقاربه، فيكون زوج المرضعة أبًا للمرضع، وإخوانه أعمامه، وأخواته عماته، وأمه جدته من الرضاع، وأبوه جده من الرضاع إلى آخر ذلك. وأما بالنسبة للمرضع فلا يسري هذا التحريم إلا في فروعه وهم أولاده، فالمرضع يكون ابنًا للمرضعة، وأبناؤه يجري فيهم تحريم الرضاع، وأما حواشيه كإخوته وأخواته وعمامه وعماته، وأصوله كأبيه وأمه وإن علوا، فلا دخل لهم في التحريم، ويقرب هذا المعنى قول القائل: «أقارب بالرضاعة بانتساب أجانب مرضع إلا بنيه، ومرضعة أقاربها جميعًا أقاربه، ولا تخصيص فيه». وينبغي أن نعلم أنه لا فرق في ثبوت التحريم ممن رضع مع هذا المرضع أو من رضع قبله أو من جاء بعده، فما يعتقده بعض الناس أن تحريم الرضاع لا يؤثر على المرضع إلا لمن رضع معه في اللبن الذي رضع منه، وأما من جاء قبله أو من جاء بعده فإنه لا دخل لهم في تحريم الرضاع، فقول لا أصل له ولا دليل عليه، بل إن التحريم يسري على هذا المرضع بمن رضع معه ومن رضع قبله ومن رضع بعده لعموم الأدلة التي لم تفرق في ذلك. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. عباد الله، ومن أحكام الرضاع أنه يثبت الرضاع بشهادة امرأة واحدة، فإن شهدت امرأة أن فلانًا قد رضع من فلانة، فإنه يثبت بذلك ثبوت الرضاع وأحكامه، فقد جاء في الصحيحين من حديث عقبة بن الحارث رضي الله عنه قال: «تزوجت امرأة»، وفي رواية: «أم يحيى بنت أبيها، فجاءت أمة سوداء فقالت: إني قد أرضعتكما»، قال: «فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فقلت: يا رسول الله، إني تزوجت امرأة، فقالت أمة سوداء: إني قد أرضعتكما، فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءه إلى الجانب الآخر فأعاد عليه السؤال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعها عنك»، وفي رواية للبخاري: «قلت: يا رسول الله، إنها كاذبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعها عنك»، وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام: «كيف وقد قيل؟»، «ففارقها عقبة رضي الله تعالى عنه»، فسدل به أهل العلم على أن حكم الرضاع يثبت بشهادة امرأة واحدة، قال الزهري رحمه الله: «فرق بين أهل أبيات في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه بشهادة امرأة واحدة في الرضاع». ومنها كذلك أن الذي يثبت بالرضاع هو ثبوت التحريم، ثبوت المحرمية، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، فالله عز وجل يقول في ذكر المحرمات: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وسمعنا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وأجمع أهل العلم على ذلك، كما ذكر الإمام «النقدامة» رحمه الله. أما بقية أحكام النسب فإنها لا تثبت بالرضاع، وإنما يثبت مطلق التحريم، فيحل للمرضع أن يخلو بالمرضعة وأقاربها، وأن يسافر بهم، أما ثبوت النسب ووجوب النفقة، وهكذا حق الإرث، فذلك لا يثبت بالرضاع. فهذه بعض الأحكام التي أحببت ذكرها والإشارة إليها، فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله وأتوب إليه. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.