الدرس في شرح تعجيل الندى بشرح قطر الندى 54، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ شرط التنازع وهو تسلط عاملين على معمول واحد دون فساد المعنى، مستدلاً ببيت امرئ القيس حيث "قليل" معمول لـ "كفاني" فقط لا لـ "لم أطلب" لأن المعنى يقتضي طلب الملك لا المال. ثم ينتقل إلى باب منصوبات الأسماء معرفاً المفعول به ويذكر المفاعيل الخمسة كأصل للمنصوبات.
يبيّن المقطع أن المنادى يُعد من أنواع المفعول به لتقديره بفعل محذوف (أدعو)، ويوضح حالات نصب المنادى لفظاً وهي: كونه مضافاً، أو شبيهاً بالمضاف لاتصال ما يتمم معناه به، أو نكرة غير مقصودة. ويمثل لكل حالة بإعرابها المناسب.
يتناول القسم الثاني من أقسام المنادى وهو المنادى المبني، ويشمل المفرد المعرفة والنكرة المقصودة، ويبين بناؤه على ما يرفع به في الإعراب (ضمة، ألف، واو) مع أمثلة للمفرد والمثنى والجمع. ثم يستعرض حكم المنادى المضاف لياء المتكلم موضحاً اللغات الثلاث: إثبات الياء ساكنة، أو مفتوحة، أو قلبها ألفاً، مستشهداً بآيات قرآنية لكل لغة.
يستعرض المقطع ست لغات عربية في إعراب المنادى المضاف إلى ياء المتكلم، مبيناً قواعد كل لغة بأمثلة مثل (يا عبادي، يا غلام، يا غلامة، يا غلامو). ثم يرتبها حسب درجة الفصاحة والاستعمال، حيث جاءت لغة حذف الياء والاكتفاء بالكسرة في المرتبة الأولى، تليها إثبات الياء ساكنة ثم مفتوحة، ثم قلبها ألفاً، ثم حذف الألف، وأخيراً لغة البناء على الضم وهي الأضعف.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد. قال: قوله "وليس منه كفاني ولم أطلب قليل من المال" لفساد المعنى. نحن ذكرنا أن شرط التنازع أن يصح تسليط العامل الأول والثاني على المعمول الواحد، فإذا لم يتسلط العاملان على المعمول الواحد، هذا لا يكون من باب التنازع. ومنه هذا البيت، هذا البيت لامرئ القيس، يقول فيه: «ولو أنما أسعى لأدنى معيشة * كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنما أسعى لمجد مؤثل * وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي» معنى هذين البيتين: يقول امرؤ القيس: أنا أسعى لأدنى معيشة، يعني لو كان سعيي لأدنى معيشة، يعني معيشة دنيئة قليلة، كفاني قليل من المال. لكن أنا ما أطلب قليل من المال، أنا أطلب الملك، ولذلك قال بعده: «ولكنما أسعى لمجد مؤثل». فمعنى البيتين: يقول: لو كنت أسعى لمعيشة دنيئة، كفاني قليل من المال، لكن أنا لم أطلب قليلا من المال، هل يصح هذا المعنى؟ ما يصح، ما يصح أن يقول: "أنا لم أطلب قليل من المال". بمعنى آخر: أن المال هنا، أن "قليل" هنا تسلط عليه "كفاني" فقط، تسلط عليه ماذا؟ "كفاني". يحتاجه ماذا؟ يحتاجه فاعل "كفاني": "قليل من المال" لأدنى معيشة. طيب، ولم يتسلط "لم أطلب" على "قليل"، لأنه ما يطلب قليل من المال، هو يطلب الملك. الآن فهمتم المعنى؟ هذا وما فهمتم لا، نمر. امرؤ القيس يقول: أنا لو كنت أسعى لأدنى معيشة، يكفيني قليل من المال، لكن أنا لم أطلب قليل من المال، لم أطلب إلا الملك. طيب، ليس مع أنه ما يطلب قليل من المال، لا يقول: "أنا لم أطلب إلا الملك ولم أطلب قليل من المال". فهمتم هذا؟ الآن يبغى كثير، يبغى ملكهم، يعني الملك يشمل المال والجاه والسلطان. فـ "القليل" هذا المعمول تسلط على عامل واحد فقط، وهو ماذا؟ وهو "كفاني"، ولم يتسلط على "قليل" العامل الثاني "ولم أطلب". لا، هو لم يطلب قليل من المال، هو يطلب الملك. فهمتم؟ هو يطلب ماذا؟ الملك. فكأنه يقول في هذا البيت: كأنه يقول: لو كان سعيي لأدنى معيشة، كفاني قليل من المال، ولم أطلب الملك. واضح، وليس معنى: "ولم أطلب قليل من المال"، لا، "ولم أطلب الملك". فهمتم هذا الآن؟ فنظرا لأن العامل هنا ما توجه، العاملان ما توجها إلى معمول واحد، إنما كل عامل توجه لمعمول آخر، واضح، ويدل عليه المعنى. فشرط التنازع: شرط التنازع أن يتسلط العاملان على معمول واحد، كل واحد يحتاجه. لكن هنا "قليل" ما يحتاجه إلا الفعل "كفاني"، أما "لم أطلب" فلم يحتجه، وهو لم يطلب قليل من المال، فهو لم يطلب الملك. يعني لو سعى لأدنى معيشة، معادي يحتاج أن يطلب الملك. فهمتم؟ لو سعى لأدنى معيشة، ما يحتاج إلى أن يطلب الملك. ولا يصح أن نقول: "لو سعى لأدنى معيشة، لم يطلب قليل من المال". لا، ما يصح، ما يصح، ما يصح أن نقول: "لو سعى لأدنى معيشة، لم يطلب قليل من المال". لا، بل يطلب قليل من المال، لأنه سعى لأدنى معيشة. فهمتم؟ لكن هنا: لم يطلب الملك. لو كان يكفي قليل من المال، لم يسعى للملك. فهمتم هذا؟ لم يطلب الملك. فالمعنى هنا يفسد إذا جعلنا "قليل" المعمول يتسلط عليه العامل "كفاني" و"أطلب" لفسد المعنى. فلذلك هذا ليس منه. قال: أليس من باب التنازع قول امرئ القيس: «ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة * كفاني ولم أطلب قليل من المال»؟ لأن من شرط التنازع توجه كل واحد من العاملين إلى ذلك المعمول من غير فساد في اللفظ ولا في المعنى. وفي هذا البيت تقدما عاملان، وهما: "كفاني" و"لم أطلب"، وتأخر معمول واحد، وهو: "قليل من المال". ولو توجه إليه العاملان لفسد المعنى المراد، إذ يصير التقدير: "كفاني قليل من المال، ولم أطلب قليل من المال"، وهذا معنى فاسد. صح. ولكن المعنى: "كفاني قليل من المال، ولم أطلب الملك". لو كان هو يسعى للمال قليل، ما عاد يطلب، لو كفاه مال قليل، ما عاد يطلب الملك، هو يريد مال كثير. طيب، هو يريد مال كثير. فلو قلنا: "لو كان المعنى يعني إذا كنت أسعى لقليل من المال، لم أطلب قليل من المال"، ما يصلح. كيف هو الآن يسعى لقليل من المال؟ لم يطلب كثير من المال، لم يطلب الملك، مش قليل من المال. فهمتم هذا الآن؟ قالوا: هذا كلام غير مستقيم، فيتعين أن يكون مفعول "أطلب" محذوفا، وتقدير الكلام: "لو كان سعيي لأدنى معيشة، كفاني قليل من المال، ولم أطلب الملك". لم يكن المعنى: "ولم أطلب قليل من المال"، لا، "ولم أطلب الملك". ومقتضى ذلك أنه طالب للملك، وهذا هو المراد، بدليل قوله بعده: «ولكنما أسعى لمجد مؤثل * وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي». ومجد مؤثل: أي قديم. قال: باب في ذكر منصوبات الأسماء. انتهى المؤلف من ذكر باب مرفوعات الأسماء، وقلنا: ذكر باب الاشتغال وباب التنازع في المرفوعات، لأنه يوجد فيهما ما هو مرفوع، كما تقدم معنا في باب التنازع، وفي باب كذلك الاشتغال قد يكون مرفوعا، قد يكون مبتدأ، والمبتدأ من قسم المرفوع. وهذا نفس الشيء: التنازع قد يكون المتنازع فيه فاعلا، والفاعل مرفوع. فنظرا لأنه يأتي فيه المرفوع، ذكره في المرفوعات. فلما انتهى منها، انتقل الآن إلى منصوبات الأسماء. فقال: باب في ذكر منصوبات الأسماء. قوله: المفعول منصوب، وهو خمسة: المفعول به، وما وقع عليه فعل الفاعل، كضربت زيدا. وهذا نقول فيه مثل ما قلنا في الفاعل، مثل ما قلنا في ماذا؟ في الفاعل. فقلنا في الفاعل في تعريفه كما ذكر هنا الشارح، هنا في باب الفاعل في تعريفه قال: "نعم، ما قام به الفعل التام، وشوهد عليه، وأسند إليه جهد قيامه به أو وقوعه عنه". وهذا نقول: هو ما وقع عليه فعل الفاعل، هو كما عرفه هنا المفعول به. نعم، هو ما وقع عليه فعل الفاعل، أو قام به، أو قام به، يعني وقوعه عليه أو قيامه به، حتى نخرج قولنا: "لم يضرب زيد عمرا"، فعمرا هنا، عمرا هنا لم يقع عليه فعل الفاعل، هنا لم يقع عليه الضرر، لكن الفعل هنا قام به، بمعنى: له علاقة بالمفعول، له علاقة بالمفعول. قال: الشاهد. ذكر ابن عاصم رحمه الله في هذا الباب المفاعيل الخمسة، وهي: المفعول به، المفعول المطلق، المفعول له، المفعول فيه، والمفعول معه. وقدمها على غيرها من المنصوبات الأخرى لأنها الأصل، وغيرها محمول عليها ومشبه بها. وكلها منصوبة، يعني المنصوبات كثيرة، منها الخمسة المفاعيل، ومنها التمييز والحال، وكذلك المصدر ونحو ذلك مما سيأتي معنا من المنصوبات. لكن ذكر هنا المفاعيل الخمسة لأنها هي الأصل في المنصوبات، وأما ما سيأتي بعدها من المنصوبات فهي محمول عليها ومشبه بها، كما سيأتي. قال: وبدأ بالمفعول به، فقال: "وما وقع عليه فعل الفاعل كضربت زيدا". فزيدا مفعول به، وقع فعل الفاعل عليه، يعني وقوع الضرب عليه، وهو الضرب. وهذا بخلاف بقية المفاعيل، فإن المفعول المطلق نفس فعل الفاعل، يعني تقول: ضربت ضربا، ضربا هو نفس الفعل، لكن أكد الفعل فقط، أكد الفعل. والمفعول له: وقع لأجله، وقع لأجل هذا المفعول، جئتك ابتغاء معروفك، يعني من أجل ابتغاء معروفك. والمفعول فيه: وقع فيه، فتقول مثلا: صمت يوما. والمفعول معه: وقع معه، سرت والجبل، كما سيأتي إن شاء الله. فسمي مفعول به لأنه وقع عليه فعل الفعل، فهو مفعول به. إذا رأيتم من يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به، يعني الذي وقع عليه الفعل. وهذا المفعول به الذي وقع عليه الفعل. قال: قول: "ومنها المنادى". وإنما ينصب مضافا، كيا عبد الله، أو شبيها بالمضاف، كيا حسنا وجهه، ويا طالعا جبلا، ويا رفيقا بالعباد، أو نكرة غير مقصودة، كقول الأعمى: «يا رجلا خذ بيدي». يعني من المفعول به المنادى، لأن قولك: "يا عبد الله" في تقدير: "أدعو عبد الله"، فحذف العامل، وحل حرف النداء محله. وليس المراد المراد تعلق به من غير واصل الذي ذكرنا. نعم، هذا ما هو موجود عندنا، هذا ما هو موجود في أصل الكتاب ولا في الشرح، فهو بمعنى: لا يتقدم، يعني يخرج قولنا: "لم يضرب زيد عمرا"، فعمرا هنا ما وقع عليه فعل الفعل، لكن ماذا؟ تعلق به، واضح. فقلنا: النداء جعل من المنصوبات لأنه في تقدير: "أدعو زيدا" أو "أدعو عبد الله". لما تقول: "يا عبد الله"، فحذف العامل، وحل حرف النداء محله، فهو في الحقيقة مفعول به، ولذلك يكون الأصل أنه منصوب، وإنما يبنى في بعض المواضع، لكن يكون في محل نصب منادى. فالمنادى الأصل فيه النصب لأنه مفعول به في الحقيقة، مفعول به في الحقيقة. وذكر هنا أحوال المنادى بالنسبة للإعراب، فالمنادى منهما هو معرب، ومنهما هو مبني. فذكر هنا المعرب من المنادى. فذكر في قولي: "وإنما ينصب مضافا"، يعني إذا كان المنادى مضافا فإنه يعرب بالفتحة أو ما ناب عنها، كيا عبد الله. عبد الله هنا ماذا؟ مضاف. فتقول: يا حرف نداء، وعبد منادى منصوب على ما ينصب به الفتحة، ومضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه. وكذلك من مواضع نصب المنادى أن يكون شبيها بالمضاف، والشبيه بالمضاف هو ما تعلق به شيء من تمام معناه، كأن يكون هذا المنادى يعمل عمل الفعل، فيحتاج إلى فاعل، أو يحتاج إلى مفعول، أو يحتاج إلى أن يتعلق به جار ومجرور، أو ظرف. فهنا يسمى شبيها بالمضاف. مثل ما مثل: "يا حسنا وجهه"، حسنا هنا صفة، صفة مشبهة، فحسنا هنا منادى منصوب على ما ينصب به الفتحة، ووجهه فاعل لحسن. فإذا هنا المنادى تعلق به شيء من تمام معناه. لو قلنا: "يا حسنا" وسكت، المعنى لم يكتمل، لم يكتمل المعنى، فيحتاج إلى ما يكمل معناه، فتأتي بذلك المرفوع. ومثله: "يا طالعا جبلا"، طالعا اسم فاعل، وجبلا مفعول به لطالع. فلو قلنا: "يا طالعا" وسكتنا، لصار المعنى قاصر، يحتاج إلى زيادة بيان. ومثله: "يا رفيقا بالعباد"، رفيق على وزن فعيل، وهي من صيغ المبالغة، فـ "بالعباد" تعلق برفيق، وهو من تمام معناه. فلو قلنا: "يا رفيقا" وسكتنا، لأكثي صار المعنى قاصرا ناقصا. فهذا أيضا كلها تكون منصوبة لأنها شبيهة بالمضافة. أو نكرة غير مقصودة، والنكرة غير المقصودة إما أنها نكرة لا يعني يختص فرد من أفرادها بل يشمل كل ما يدخل تحتها، أو المراد به كذلك، يعني: ما فيه معنى رجل واحد، معنى رجل واحد، لكن أتى بصيغة النكرة، مثل الآن الأعمى سمع صوت رجل ولا يعرف اسمه، فيقول له: "يا رجلا"، يقول له: "يا رجلا"، فهذا يسمى نكرة، نعم، هو ما يدري، ما يدري من أمامه، من أمامه، من أمامه، أهو زيد أو عمر أو فلان أو فلان، فيقول: "يا رجلا"، يريد ماذا؟ أي رجل، يريد أي رجل. فهنا تسمى نكرة ماذا؟ نكرة غير مقصودة، ما يقصد رجل بعينه. لكن لو سمع صوت رجل لكن ما يعرف اسمه، فقال: "يا رجلا"، هذا الأعمى قال: "يا رجلا"، فهذا يسمى نكرة ماذا؟ مقصودة، مع أن لفظها نكرة لكن قصد شخصا بعينه، قصد شخصا بماذا؟ بعينه. فقول الخطيم مثلا في القطبة: «يا غافلا»، فهو يريد أن يغافل، فهذا نكرة غير مقصودة. لكن لو رأى إنسان ينام، ينعس، فقال: "يا ناعسا انتبه"، فهنا تسمى نكرة ماذا؟ مقصودة، لأن لفظها نكرة لكن يريد رجل بعينه. فالنكرة منه ما هو مقصودة، ومنه ما هو غير مقصود. فغير المقصودة الذي لا يقصد به يعني واحد بعينه من هذه النكرة، بل يقصد كل من يدخل تحت لفظ هذه النكرة، كقول لعمة، كقول لعمة: «يا رجلا خذ بيدي». فرجلا هنا مناد منصوب. هنا ذكر المناد المنصوبة، وسيذكر المناد المبنية فيما بعد. قال: من أنواع المفعول به المنادى، وله أحكام تخصه، فلهذا أفرده بالذكر. وبيان كوني مفعولا به: أن قولك "يا عبد الله" أصله "أدعو عبد الله"، فحدث الفعل، وأغني بيا عنه، والمنادى هو المطلوب إقباله بحرف نائب مناب "أدعو"، وهو قسمان. وأحرف النداء كثيرة، الأصل فيها الياء، وهو أم الباب، وهناك أدوات أخرى كالهاء: "أيا زيد"، أو "أزيد"، وأيضا "آ" و"أيا" أيضا من أدوات النداء. قال: وهو قسمان، أي المنادى: مناد معرب، وهو ما يظهر فيه النصب، وهو المراد هنا، يعني في هذه الفقرة التي ذكرها صاحب المتن. والثاني: مناد مبني، وهو الذي لا يظهر فيه النصب، ويأتي إن شاء الله، يعني يكون مبنيا في محل نصب. قال: سينصب المنادى لفظا في ثلاث مسائل. الأولى: أن يكون مضافا، نحو: "يا عبد الله"، فيا حرف نداء، وعبد الله مناد منصوب على ما ينصب به الفتحة الظاهرة، وهو مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه. الثانية: أن يكون شبيها بالمضاف، وهو ما اتصل به شيء من تمام معناه، كما يتصل المضاف بالمضاف إليه، نحو: «يا مسافرا إلى مكة استفد من وقتك»، فمسافرا مناد منصوب، وقد اتصل به شيء من تمام معناه، لأننا إذا قلنا: "يا مسافرا"، لم يتبين للسامع المراد كاملا، لأن السفر يكون إلى بقاع شتى، يا مسافر إلى أين؟ فإذا قلنا: "إلى مكة"، أتممنا المعنى وخصصناه، كما يخصص المضاف بالمضاف إليه، فإن من إضافة النكرة إلى النكرة تفيد الخصوص، وهكذا في هذا الموضع. وهذا الذي به التمام مما أن يكون اسما مرفوعا بالابتداء، نحو: "يا ضائعا كتابه"، هنا كتاب مرفوع بالابتداء لأنه فاعل لاسم الفاعل "ضائع". فيا حرف نداء، ضائعا منادى منصوب، وكتابه فاعل لاسم الفاعل مرفوع، والهاء مضاف إليه. ومثلوا: "يا حسنا وجهه"، فوجهه فاعل للصفة المشبهة "حسنا". قال: وإما أن يكون منصوبا، نحو: "يا طالعا جبلا"، فطالعا منادى منصوب، وفيه ضمير مستتر هو فاعله، طالعا هو لأنه اسم فاعل، وجبلا مفعول به منصوب لاسم الفاعل، جبلا مفعول به منصوب، فهو شبيه بالمضاف. وإما أن يكون مجرورا، كما تقدم في المثال: "يا مسافر إلى مكة"، ومثلوا: "يا رفيقا بالعباد"، فالعباد جار مجرور متعلق برفيقا. المسألة الثالثة: أن يكون المنادى نكرة غير مقصودة، كقول لعمة: «يا رجلا خذ بيدي»، فرجلا منادى منصوب لأنه نكرة غير مقصودة. أما أنه نكرة، فلأنه لا يدل على معين. وأما أنه غير مقصودة، فلأن لعمة حين يقول: "يا رجلا"، لا يوجه الخطاب إلى إنسان خاص، ولا يقصد به شخصا دون آخر، فيريد أي رجل من الرجال. قال: قول: "والمفرد المعرفة يبنى على ما يرفع به، كيا زيدو، ويا زيدان، ويا زيدون، ويا رجل لمعين". فهذا القسم الثاني من أقسام المنادى، وهو المنادى المبني، ويكون في مسألتين: المسألة الأولى في المفرد العلم، وهو عبر عنه بالمفرد المعرفة، أن ما يُتنادى إلا العلم وهو معرفة. والثاني: النكرة المقصودة، كما تقدم، يقول الأعمى: "يا رجل" إذا علم أن أمامه رجل واحد ويريد نداءه، ليس أي رجل، أو قول الخطيب لما رأى واحد من الجالسين ناعسا فيقول: "يا ناعسا"، فهو يريد رجل واحد، فهذا تسمى نكرة ماذا؟ مقصودة، فيقول: "يا ناعس". طيب، يقول: "يا ناعس انتبه" إذا أراد ماذا؟ إذا أراد واحد بعينه. لكن إذا في كثير نعوس، كثير عندهم نوم، فقال: "يا ناعسا"، فهنا يكون نكرة غير مقصودة، فتنصب. وإذا أراد واحد يقول: "يا ناعس"، واضح، "يا ناعس"، لأنه أراد واحد، نكرة مقصودة، فالنكرة المقصودة تبنى، والنكرة غير المقصودة تنصب، واضح. قال: هذا القسم الثاني من أقسام المنادى، والمنادى المبني، يبنى بشرطين: الأول: أن يكون مفردا، والمراد فيه هنا ما ليس مضافا ولا شبيها به، فيدخل فيه المفرد، المثنى، والجمع. فالمفرد في باب المنادى كالمفرد في باب اسم لا النكرة الجنس، فالمراد به ما ليس مضافا ولا شبيها بالمضاف، فقد يكون مثنى في باب الإعراب: "يا رجلين"، ها، وقد يكون كذلك مجموعا، وقد يكون جمعا في باب المنادى، في باب الإعراب، في باب الإعراب. قال: الثاني: يكون معرفة، أي معينا، سواء كان معرفة قبل النداء وهو العلم كخالد، أو معرفة بعد النداء بسبب الإقبال عليه وهو النكرة المقصودة. وقبل النداء لأنه معرفة في الأصل، وأما بعد النداء لأنه يعلم أنه فرد واحد وإن كان لفظه نكرة. قالوا: المنادى في هذا القسم يبنى على ما كان يرفع به قبل النداء، حالة الإعراب، يعني في باب الإعراب، ويكون في محل نصب. فإن كان يرفع بالضم، بني على الضم من غير تنوين، نحو: "يا هشام تمهل"، لأنه هشام مفرد، وهو هنا علم مفرد، علم، والمفرد في باب الإعراب يرفع بالضمة، فهنا يبنى بالضمة، وتقول: "يا هشام". قال: "يا رجال وأتقنوا أعمالكم"، رجال هنا في باب الإعراب جمع تكسير صحيح، يرفع بماذا؟ بالضمة، فيبنى في باب النداء بماذا؟ بالضمة، فتقول: "الرجال"، منادى مبني على الضم في محل نصب. و"يا فاطمات تركنا الغيبة"، فاطمات جمع مؤنث سالم، في باب الإعراب، وجمع المؤنث السالم بماذا يرفع؟ بالضمة، ففي باب النداء يبنى على الضمة. قال: وإن كان يرفع بالألف، بني على الألف، نحو: "يا علياني قوما بالواجب"، علياني جمع مثنى علي، فالمثنى في باب الإعراب يرفع بماذا؟ بالألف، فهنا تقول: "عليان"، منادى مبني على الألف في محل نصب، مبني على الألف في محل نصب. "يا فتياني لا تعبثا بالأزهار"، فتيان مثنى فتى، والمثنى يرفع بماذا في باب الإعراب؟ بالألف، فيبنى هنا بالألف، تقول: مبني على الألف في محل نصب. وإن كان يرفع بالواو، بني على الواو، نحو: "يا محمدون صلوا أرحامكم"، فجمع المذكر السالم يرفعوا بماذا في باب الإعراب؟ يرفعوا بالواو، صح، ففي باب النداء يبنى على الواو، فتقول: "محمدون"، منادى مبني على الواو في محل نصب. منادى: "خذوا جوائزكم يا فائزون"، هنا جمع مذكر سالم في باب الإعراب، ففي باب النداء يرفع بماذا؟ أو يبنى بماذا؟ بالواو. قال: تشان في المثال لو المنادى مبني على الضم في محل نصب، لأن المنادى أصله مفعول به كما تقدم. قال: وهكذا في بقية الأمثلة، فمبني على ما يرفع به كما تقدم. قال: قوله: "فصل، وتقول يا غلام بالثلاث، وبالياء فتحا وإسكانا، وبالألف". هذا الآن حكم المنادى المضاف لياء المتكلم، ففيه لغات عدة، كلها جائزة. فاللغة الأولى: الفتح، يعني ماذا؟ فتح الياء. طيب، فتح الياء، وكذلك كسرها وضمها، كل ذلك يجوز. وسنكتفي بقراءة، بقراءتنا لكلام المؤلف. قال: ذكر ابن عاصم رحمه الله في هذا الفصل حكم المنادى المضاف لياء المتكلم. والمنادى المضاف لياء المتكلم، أولا: لياء المتكلم، فأما الأول وهو المنادى المضاف لياء المتكلم، فلا يخلو إما أن يكون المنادى كلمة "أب" أو "أم" أو غيرهما. فإن كان غيرهما، نحو: "يا غلامي"، يعني غير الأب والأم، جاز فيه ست لغات، ثلاث منها بإثبات الياء، وثلاث بحذفها، وهي كما يلي: الأولى: إثبات الياء ساكنة، فتقول: "يا غلامي"، بإثبات الياء، "يا غلامي". وكيف تعرف؟ تقول: الياء حرف نداء، وغلامي مناد منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل الياء، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة. قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾، في قراءة من أثبت الياء ساكنة: "يا عبادي"، وهم نافع وأبو عمر وابن عامر من السبعة، فعبادي مناد منصوب، علامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة المناسبة، وهو مضاف، وياء المتكلم ضمير مبني على السكون في محل جر مضاف إليه. هذه اللغة الأولى: إثبات ماذا؟ الياء، "يا غلامي"، "يا عبادي". قال: الثانية: إثبات الياء مفتوحة، فتقول: "يا غلامي"، تفتح الياء. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، فعبادي مناد منصوب كما تقدم، وياء المتكلم ضمير مبني على الفتح في محل جر مضاف إليه. الأولى: الياء مبني على السكون، وهذا مبني على إيش؟ على الفتح. إذن معنا الآن: "يا عبادي" و"يا عبادي" بالسكون وبالفتح. قال: الثالثة: قلب الكسرة التي قبل الياء المفتوحة فتحة، فتقلب الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فتقول: "يا غلاما". قلب الكسرة التي قبل الياء المفتوحة فتحة، أصلا "يا غلامي" أو "يا عبادي"، الدال هنا مكسور، تقلبه ماذا؟ فتحة، فإذا قلبته فتحة، الفتحة لا يناسبها الياء، وإنما يناسبها ماذا؟ الألف، فتقلب الياء ماذا؟ ألفا، فيكون "يا عبادة"، صح، يكون "يا عبادة". قال: لتحرك المفتحة ما قبل، فتقول: "يا غلامة". قال تعالى عن يعقوب عليه السلام: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾، فأسفا منادى منصوب على ما ينصب به الفتحة الظاهرة، وياء المتكلم منقلبة ألفا، ضمير مبني على السكون في محل جر مضاف إليه. قالوا: إلى هذه اللغات الثلاثة أشار ابن عاصم رحمه الله بقوله: "أو باليا فتحا وإسكانا وبالألف"، هذا في المتن. قال: وتقول: "يا غلام" بالياء فتحا وإسكانا وبالألف، فتحا وإسكانا يعني: فتحا "يا عبادي"، وإسكانا "يا عبادي"، وفتحا أو بالألف "يا عبادة"، مثل "يا أسفا"، واضح. قال: اللغة الرابعة: حذف الياء الساكنة وإبقاء الكسر دليلا عليها، فتقول: "يا غلامي" بدون ياء، تحذف الياء تماما، واضح. قال: وحذف، قال: فتقول: "يا غلامي". قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾، فعبادي منادى مضاف منصوب، علام تنصب؟ الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، ولياء المحذوفة ضمير مبني على السكون في محل جر مضاف إليه. قال: اللغة الخامسة: قلب الياء ألفا كما تقدم، وحذف الألف وإبقاء الفتحة دليلا عليها. نحن قلنا تقول: "يا أسفا"، صح، تقلب الكسر فتحة، فتحول الياء إلى ألف، هذا الآن نفس الخطوات، لكن أيش الفارق بين هذه اللغة واللغة التي قبلها؟ أنك تحتفظ بالألف، تقول: "يا أسفا"، تقل "يا أسفا"، خلاص، تقطعها، تحتفظ بها. طيب، فهذا معنى قوله: "قلب الياء ألفا كما تقول، وحذف الألف وإبقاء الفتحة دليلا عليها"، فتقول: "يا غلامة"، ذلك اللغة، "يا غلامة"، هذا تقول: "يا غلامة"، فغلامة منادى مضاف منصوب على ما ينصب به الفتحة الظاهرة، وياء المتكلم المنقلبة ألفا محذوفة، مضاف إليه. قال: اللغة السادسة: حذف الياء مع ملاحظتها في المعنى، وبناء المنادى على الضم. ومعنى ملاحظتها في المعنى: يعني لا تنظر في ضم الحرف، لأن هذه الضمة ليست ضمة بناء، ليست ضمة بناء، لأن هنا مضاف، أصلا المضاف ما يبنى على الضم، فأنت لا تلاحظ اللفظ، وإنما تلاحظ المعنى. فهذا معنى قولي: "حذف الياء مع ملاحظتها في المعنى، وبناء المنادى على الضم"، فيضم الحرف الذي كان مكسورا لأجل الياء، فتقول: "يا غلامو"، أصلا "يا غلامي"، فتحذف الياء، طيب، وإذا حذفت الياء تجعل الميم مضمومة، ليست مكسورة، لا تقول: "غلامي"، لا، "غلام" بالضم، فغلام منادى مبني على الضم في محل نصب، لانقطاع عن الإضافة لفظا لا معنى، فمعناه الإضافة، لكن لفظه ماذا؟ البناء، لأن الياء هنا أصلا موجود لكنه حذف، واضح. قال: وإلى هذه اللغات الثلاثة أشار ابن عاصم رحمه الله بقوله: "وتقول يا غلام، يا غلامي، ويا غلامة، ويا غلامو"، هذا كلها لغات موجودة. "يا غلامة" عندما تقلب الياء ألفا، صح، و"يا غلامي" عندما تثبت الياء، و"يا غلامو" عندما تثبت كذلك الياء مع بناء على الضم. فإذن يجوز: "يا غلامة"، و"يا غلامي"، و"يا غلامو"، و"يا غلامي"، و"يا غلامية"، و"يا غلاما"، هذه كم؟ ست لغات، كلها يجوز في هذا المضاف لياء المتكلم، أي بالحركات الثلاثة على الميم، وهي الكسر والفتح والضم، من غير ياء، على ما تقدم بيانه. قال: وهذه اللغات الست متفاوتة، فبعضها أقوى وأكثر استعمالا من بعض، فأفصحها وأكثر استعمالا: حذف الياء، اكتفاء بالكسرة، تقول: "يا عبادي" بدون مد، بدون ياء، هذا أفصحها وأكثرها. ثم إثبات الياء ساكنة ومفتوحة، يعني: "يا عبادي" بعد، "يا عبادي" بعد، "يا عبادي" في الفتح. ثم قلبها ألفا، يعني: "يا عباداء"، تمام، هذه الرابعة في الترتيب. ثم حذف الألف، اكتفاء بالفتحة: "يا عبادة"، هذه الخامسة في الترتيب. وأما اللغة السادسة فيضعفها، يعني: "يا عبادو" بالبناء على الضم، ولذا أهملها بعض النحاة، لم يذكرها بين اللغات الجائزة، لأنها لا تخلو من لبس في تبين نوعها، واضطراب في إعرابها، لأنها شبهوها بالمفرد العلم، وهي ليست مفردا، إنما هي مضاف، فلذلك بعضهم لم يعدها. إذن الآن الترتيب في الأفصح في هذه اللغات الست الآن، معنى لغات ست، معنى لغات ست: بإثبات الياء "يا عبادي"، وبحذف الياء والاكتفاء بالكسرة "يا عبادي"، وبحذف الياء وبفتح الياء "يا عبادي"، واضح: "يا عبادي" و"يا عبادي" و"يا عبادي"، ومعنى ثلاث لغات بالفتح والكسر والضم: "يا عبادي" و"يا عبادي" أو "يا عبادي" و"يا عبادي". ففي الترتيب: أيهم الأفصح؟ أيهم الأفصح؟ بحذف الياء والاكتفاء بالكسرة، هذه الأفصح: "يا عبادي". وبعدها مع الياء ساكنة: "يا عبادي". وبعدها لا، هذا أضعفها مع الألف: "يا عباد" مع الفتح، نعم، مع الفتح: "يا عباد". ثم بحذف ماذا؟ ثم إثبات الياء مع الفتح: "يا عباد". أولا: حذف الياء والاكتفاء بالكسرة، ثم تسكين الياء، ثم فتح الياء. أولها: "يا عبادي"، والثانية: "يا عبادي"، والثالثة: "يا عبادي"، والرابعة: "يا عباد"، الخامسة: "يا عباد"، والسادسة: "يا عبادو". هذا هو الترتيب. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا بكرة إن شاء الله، إضافة إلى الأب أو الأم، وفيها لغات أكثر، الستة المتقدمة مع بعض اللغات الأخرى. وأشهد أن.