آداب السلام 9

آداب السلام 9

الدرس في آداب السلام 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

معنى السلام في الإسلام وتفسير السلام عليكم

يتناول المقطع معنى السلام عليكم وتفسيرها على قولين، الأول أن السلام يعني الله جل في علاه، والثاني أنه يعني السلامة وهو ما عليه أكثر العلماء. يشمل المعنى الدعاء بالسلامة للمسلمين.

صيغة السلام على النبي في التشهد والخلاف حولها

يتناول المقطع صيغة السلام على النبي في التشهد والخلاف حول تغييرها بعد وفاة النبي، حيث اختلف العلماء بين إبقاء الصيغة كما علمها النبي للصحابة وتغييرها لتناسب وفاته.

الرد على شبهة الخرافيين حول خطاب النبي وتوضيح معنى السلام

يتناول المقطع الرد على شبهة الخرافيين حول خطاب النبي في التشهد ويوضح أن المقصود بالسلام عليك أيها النبي هو الدعاء لله بأن يسلم النبي من العيوب والشرور، وأن كاف الخطاب للاستحضار والخشوع.

  • 14 جمادى الأولى 1442هـ - 28/12/2020مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في هذا المبحث من آداب السلام، والمتعلق بصيغ السلام، ومن المباحث المهمة في هذا الباب ما يتعلق بالمعنى العام للسلام، ما معنى السلام عليكم؟ وهذا مبحث مهم، إذ أنه ما منا من أحد، من خلال ما علمه من شأن التسليم وما كان من فضائله، بل ما كان من وقوعه وحصوله، فإنما منا من أحد إلا ويسلم، لكن بقي ما معنى عندما تقول لأخيك السلام عليكم؟ ما معنى السلام عليكم؟ معنى السلام، إخواني في الله، أقوال العلماء تقول وتعود إلى معنيين، وهذا الذي عليه أكثر العلماء. القول الأول: من قال أن معنى السلام عليكم أن السلام هنا هو الله جل في علاه، إذ أن من أسماء الله سبحانه وتعالى السلام، كما في قوله تعالى ﴿الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن﴾، وصح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال «إن الله هو السلام»، فالله من اسمه جل وعلا السلام، فقولك إذن السلام عليكم، معنى الله عليكم. بقي كيف يكون التقدير وكيف يكون التأويل؟ فقال علماء: يحمل هذا القول كذلك على معنيين اثنين. معنى الله عليكم بمعنى اسم الله عليكم، اسم الله عليكم أي بركته وحفظه وكلاءته ورعايته عليكم، هذا معنى السلام عليكم، الله عليكم أي أن اسم الله عليكم هذا المعنى. وقيل: أن الله عليكم أن على هنا بمعنى مع، فالله عليكم بمعنى الله معكم، أي بحفظه ورعايته وعنايته وتدبيره وهدايته، كل ذلك من معاني إذا قلنا أن السلام هنا بمعنى الله جل في علاه، السلام عليكم -بين قوسين- أي الله عليكم، تأويلها إما أن اسم الله عليكم أو على تغيب أن الله معكم، هذا معنى السلام وهو المعنى الأول. المعنى الثاني، وهو الذي عليه أكثر العلماء، لأن القول هذا بأن السلام هنا بمعنى أنه الله جل في علاه، بعض العلماء لم يرتضه، وإنما ارتضوا المعنى الثاني، وهذا عليه أكثر العلماء، بل لا يكادون يختلفون عليه، وهو أن السلام هنا بمعنى السلامة، إذ أنه مصدر من سلم يسلم سلامًا وتسليمًا، فقولك السلام عليكم بمعنى السلام عليكم أو السلام معكم، وهذا دعاء، هذا دعاء بأنك تجعل لأخيك المسلم تدعو له بالسلامة، السلام عليكم بأنك تدعو الله بأن يسلم هذا الذي سلمت، يعني يسلمه في نفسه وفي بدنه وفي أهله وفي بيته وفي حاله وفي كل حركاته وسكناته. ومن هنا، إخواني في الله، كان السلام لا يشرع للكافر، لا يشرع للكافر أنك تأتي بهذا المعنى الجليل لكافر وعدو لله ورسوله، أن تدعو له بالسلام. وقد مر معنى أن الكافر لا يبتدأ بالسلام لهذا المعنى، وإنما هذا الدعاء تعطيه لإخوانك المسلمين. ومن أثر هذا الاسم، إخواني في الله، قال علماء: إذن لا بد أنك عندما تسلم على إخوانك تستحضر هذا المعنى فقهًا وتستحضره كذلك تطبيقًا وتنفيذًا، فلا يشرع ولا يكون أنك تضمر لأخيك الأذى وتسلم عليه السلام عليكم، ثم تطعنه أو تضربه أو تسفك دمه، كيف تعطيه السلام؟ لأنك قولك السلام عليكم كأنك تعطيه الأمن والأمان، لأنك تدعو له بالسلام أن الشر لا يأتيه، فكيف أنت تأتي له بالشر؟ ولهذا، من أراد أن يسلم على إخوانه فلينفذ هذا في نفسه، فلتعطيه السلام بلسانك وبحالك، فلا تؤذه، فلا تؤذه، فهذا معنى إخواني في الله، وهو المعنى الثاني من معنى السلام عليكم بمعنى السلام معكم أو السلام عليكم. فعند هذان القولان في تعريف السلام عليكم، إن إما أن السلام بمعنى الله عليكم بمعنى الله معكم، أو أن السلام عليكم بمعنى السلام معكم. ومن ذهب إلى هذا القول؟ ومن ذهب إلى هذا القول؟ ومن أهل العلم من جمع بين القولين، ويرى أن السلام عليكم يجمع على هذا وعلى ذاك، وهذا الذي قرره ابن القيم رحمه الله تعالى، إذ أنه قعد قاعدة عظيمة بأن من الإيمان بأسماء الله جل وعلا أن تؤمن بأثر هذا الاسم، فالله هو السلام، وبما أن الله جل وعلا هو السلام، إذن من مقتضى هذا الاسم أن الله سبحانه وتعالى يسلم خلقه من الشرور، يسلم خلقه من الشرور. وهذا يؤيد هذا المعنى هو الجمع بين الأمرين في قوله عليه الصلاة والسلام «اللهم أنت السلام ومنك السلام»، اللهم أنت السلام وهو اسمه، ومنك السلام أي السلامة، فتم الجمع بين الأمرين. ولهذا، ابن القيم رحمه الله تعالى، أنك عندما تسلم على المسلم تسلم عليه وأنت بقصد هذين المعنيين، بأن الله هو السلام، وأن الذي يأتي من جهته السلام بعباده، فهذا إخواني في الله ما يتلخص بمعنى السلام عليكم. ومن المفيد في هذا المقام، ونحن في تعريف معنى السلام، أن تطرق كذلك إلى سلام يستعملونه الناس في صلاتهم، وهو السلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذ أنه ما من أحد يصلي إلا وقال في تشهده السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فهذا سلام لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وهنا مسائل، إخواني في الله، أولاها ما يتعلق بهذه اللفظة وبهذه الصيغة السلام عليك أيها النبي. من أهل العلم من يرى أن هذه الصيغة تغير، لا نجعلها كما سمعت، لا نقول السلام عليك أيها النبي، وإنما نقول السلام على النبي. ووجه العلّة في هذا التغيير، قال العلماء: أن اللفظ الأولى السلام عليك أيها النبي لما كان في حياته ولما كان متواجدًا بين ظهراني الصحابة رضي الله تعالى عنه، فكانوا يخاطبونه السلام عليك أيها النبي، فلما قبض عليه الصلاة والسلام، فما كان هناك مقام الخطاب معه، ولهذا غير إلى السلام على النبي، السلام على النبي. وهذا قد جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود، جاء في البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «فلما قبض قلنا السلام على النبي». وصح ذلك كذلك عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وجاء كذلك عن بعض السلف أنهم كانوا إذا تشهدوا قالوا السلام على النبي، وما قالوا السلام عليك أيها النبي لهذه العلة. وذهب طائفة من العلماء إلى أن الصيغة تبقى كما هي، ما تغير، وأن الأصل في التشهد أن تقول السلام عليك أيها النبي، تبقيها كما هي. قال: وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علم الصحابة التشهد، وتعليمه لهم هو التعليم لسائر أبناء الأمة، لم يخبرهم أو لم يشر عليهم بأن يغيروا إلى تلك الصيغة، ما أشار عليه، وإنما علمهم هذه الصيغة «قولوا السلام عليك أيها النبي»، فالخطاب للصحابة هو خطاب لمن سار ولمن سيكون إلى أن تقوم الساعة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وما نقل عن الصحابة، فهذا اجتهاد منهم، هذا اجتهاد منهم. زد على ذلك، قالوا: أن ابن مسعود والذي صح ذلك عنه أنه غير الصيغة إلى السلام على النبي، عارضه من هو أعلم منه، وهو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، إذ أنه قد صح، وكما يحسن ذلك جماعة من العلماء في موطأ الإمام مالك، أن عمر صعد على المنبر في خلافته، ثم علم الناس التشهد، وكان من قوله «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»، فأبقى عمر رضي الله تعالى عنه الصيغة كما هي، الصيغة كما هي. ولهذا، إخواني في الله، فالمسألة كما تجد ترجيحًا على هذين القولين، إما أنك تبقي اللفظ على ما هي السلام عليك أيها النبي، وإما تذهب إلى ما ذهب إليه جماعة من الصحابة وهو أن تقول السلام على النبي. وقد نصر ذلك الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في صفة الصلاة، وذكر الأقوال جماعة من المحققين ومن السلف ومن التابعين في أن الصيغة تغير. إذن، هذا معنى السلام عليك أيها النبي. بقي مسألة، وهي إشكال يبقى مع من تمسك بالصيغة الأولى. قالوا: نحن نقول السلام عليك أيها النبي، وهذه شائبة عند الخرافيين ومن تعلقت قلوبهم بالقبور بالأولياء وبالأنبياء، قالوا: أنتم في تشهدكم تقولون السلام عليك أيها النبي، وعليك هنا كاف خطاب، تخاطبون رسول الله، وأنتم تعلمون أن رسول الله قد مات، صلوات ربي وسلام عليه، لكنكم تخاطبونه لأنكم تعلمون بأنه حاضر وأنه موجود. وماذا أرادوا بهذا؟ إذن لا عتب علينا في أننا نطلب من رسول الله، نطلب منه كأنه حي، نتكلم معه، نطلب منه ما نريد، لماذا؟ لأنكم أنتم كذلك في صلاتكم تقولون السلام عليك، تخاطبون رسول الله كأنه حي، ونحن بالمثل. وهذه الشبهة القبورية وأهل الوثنية والخرافيين ممن يستمسكون بهذه الصيغة إلى هذا المعنى الشركي بأن الرسول حاضر موجود، بدليل أنكم تخاطبونه، فنحن نخاطبه ونطلب منه. فكيف الرد؟ الرد قال العلماء: لا، ليس هذا الفهم الصحيح، إذ أننا في تشهدنا لما نقول السلام عليك أيها النبي، هل نحن نخاطب رسول الله؟ الجواب: لا، ما نخاطبه، فليس الكاف كاف خطاب هنا المعهود عند الناس، لا كما يقول يا فلان أنا سأكلمك أو سأخاطبك، الكاف هنا ليست خطابًا، هنا السلام عليك ليست خطابًا. بدليل أن الصحابة الذين كانوا في زمنه وكانوا يصلون خلف رسول الله وكانوا يسلمون على رسول الله، هل كانوا يخاطبونه؟ الجواب: لا يخاطبونه، بدليل أنهم ما كانوا يرفعون أصواتهم، الرسول في المقدمة يصلي بالناس وهم صفوف ويقوم ويسلمون عليه بالسر بالسر، فهم ما أسمعوا رسول الله. ولأن النبي سمعهم، فهنا الكاف ليست للخطاب. كذلك من كان في زمنه وهو في عوالي المدينة في قباء وفي غيرها من المساجد حول المدينة، يسلمون على رسول الله السلام عليك أيها النبي، ما كانوا يخاطبونه لأنه بعيد عنهم أصلا. وهكذا قل من كان في مكة ونبينا في المدينة، كانوا أقوامًا يصلون ويقولون في تشهدهم السلام عليك أيها النبي، هل كانوا يخاطبونه؟ الجواب: لا ما يخاطبونه لأنهم ما أسمعوا وله يسمعهم أصلا. إذن فما ظنك بعد موته؟ يبقى الأمر هكذا، فالكاف هنا في قول السلام عليك ليست للخطاب، فليفهم هذا. إذن من مقصود بالكاف هنا؟ ومن مراد أن المصلي عندما يصلي يقول في تشهده السلام عليك أيها النبي مع أنه يعرف أن رسول الله ما كان يسمعهم في حياته وما سيسمعهم حتى بعد وفاته؟ إذن ما الفائدة من الخطاب هنا؟ ذكر فائدة هنا، وهو شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في اقتضاء الصراط المستقيم، وقد بيّن رحمه الله تعالى أن الكاف هنا ليست للخطاب، وإنما فائدتها أن المصلي إذا صلى وفي تشهده وإذا سلم على رسول الله كأنه يستحضر أن رسول الله عنده، فكأنه يخاطبه، فيقول السلام عليك أيها النبي، هو غير موجود لكن تستحضر أنت في قلبك، لأن هذه اللفظة تستدعي كأنه موجود، كأنه قد مثل أمامك فتخاطب، فتستحضر مقام النبوة ومقام الرسالة، ومن ثم تستحضر الخشوع والخضوع الذي ينبغي أن يكون عليه المصلي في كل صلاة من أوله عند التكبير إلى نهاية عند التشهد، ويستحضر هذه المعاني العظيمة. فهذا الشاهد، إخواني في الله، على قول من يقول بأن التشهد يبقى على لفظه، فتقول السلام عليك أيها النبي، ليس أنك تظن أن النبي حاضر أو أنه موجود، لا، بل هو صلوات ربي والسلام عليه في قبره في حياة برزخية أعظم من هذه الحياة الدنيا، لكن هذه الكاف كما قال شيخ الإسلام إنما جيء بها لقوة استحضار مصلي، كأنه يستحضر رسول الله أمامه فيسمعه هذا الخطاب. إذن ومعنى السلام عليك أيها النبي أو السلام على النبي، كأنك تدعو الله جل وعلا بأن يجعل السلام مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، بأن الله يسلمه من العيوب ومن الشرور ومن الفتن، وأن يحميه من الكفار. قد يقول قائل: هذا الدعاء إنما يكون في حياته، نقول: وكذلك بعد موته تدعو الله بأن يسلم رسول الله عليه الصلاة والسلام. فمن العلماء من قال: أن السلام ندعو الله بأن يسلمه من أهوال القيامة. ومن أهل العلم من قال: أن السلام يكون الذي يقصد به سلامة الدين والشريعة الذي أتى بها عليه الصلاة والسلام، فالسلام على النبي فهو سلامة لدينه وسلامة لشريعته وسلامة لمنهاجه الذي أتى به، فتدعو الله له بالسلامة. فهذا، إخواني في الله، ما يذكر في تعريف ومعنى السلام، سواء كان في سلامنا الذي بيننا فيما بين، أو في سلامنا على رسول الله عليه الصلاة والسلام. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.