الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 13، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
استعرض المحاضر حديث عوف بن مالك الذي ذكر فيه ست علامات للساعة: موت النبي صلى الله عليه وسلم، والطاعون، وفتح بيت المقدس، وفيضان المال، ومعركة كبرى مع الروم في مرج دابق، وخروج الدجال. أكد وقوع العلامات الأربع الأولى، مبيناً أن معركة الروم الكبرى من أشراط الساعة الكبرى التي لم تقع بعد.
فصل المحاضر في وصف المسيح الدجال بصفاته الخلقية كالحمرة والجعد والعور، وكلمة كافر بين عينيه، وقدرته على إظهار خوارق كإحياء الموتى وإنبات الأرض. بين خروجه من جزيرة في بحر طبرية وتبعه يهود أصفهان، وعجزه عن دخول مكة والمدينة لحمايتهما بالملائكة، وخروجه على المنافقين عند رجفة المدينة.
أكد المحاضر أن الدجال شخص حقيقي من بني آدم وليس رمزاً لحضارة، وبين نزول عيسى بن مريم عليه السلام فيقتله بباب لد، وحكم عيسى بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم. ختم بالتحذير من فتنة الدجال والترغيب في حفظ أول وآخر عشر آيات من سورة الكهف عصمة منها.
اختتم المتحدث بالدعاء لله سبحانه أن يعصمهم بالهدى، والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، مع الإشارة إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لا زلنا في أصول السنة للإمام المبجل، إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل، رحمه الله تعالى وغفر له. قال رحمه الله تعالى وغفر له: والإيمان أن المسيح الدجال خارج، مكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى بن مريم عليه السلام ينزل فيقتله بباب لد. وهذه مسألة من مسائل علامات الساعة قبل قرب القيامة، فإن للساعة علامات، منها علامات كبرى، ومنها أشراط صغرى، ولأهل العلم مصنفات في هذا الباب. والمقصود من هذه الفقرة الإيمان بأشراط الساعة التي تكون بين يدي الساعة. وفي الباب حديث عوف بن مالك، ثم فرد به البخاري في كتاب المغازي، فقال: باب ما جاء في الغدر، أو في غدر الروم. ثم ساق حديثاً عن عوف بن مالك أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غزوة تبوك: أأدخل؟ أي: في خيمتك. وكان نصب صلى الله عليه وسلم خيمة من أدم، أي: من جلد. فقال: ادخل. قال: كلي أو بعضي؟ قال: بل كلك، لأن الخيمة كانت صغيرة. فدخل عوف بن مالك بكامل جسده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي». قال عوف: فبكيت. فهدأ لي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «موتي، هذه العلامة الأولى». ثم قال صلى الله عليه وسلم: «ثم موتان يكون فيكم كقعاص الغنم»، أي: موت جماعي لداء ينتشر كالطواعين، والطاعون معروف. وهذا قعاص الغنم داء يصيب الغنمة، فيبدأ يخرج من أنفها سائل كالماء، ثم تموت، فيشبه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الداء بقعاص الغنم، والمقصود الطاعون، أي: طاعون عمواس، وهذا قد وقع. ثم قال صلى الله عليه وسلم: «ثم فتح بيت المقدس»، وهذا قد وقع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عصر عمر رضي الله عنه. ثم قال صلى الله عليه وسلم: «ثم فيضان المال حتى يأتي الرجل إلى الرجل بمئة دينار فيستقلها»، يعني: يعطيه صدقة، أو يعطيه من السلطان ونحوه مئة دينار ذهباً، فيراها قليلاً، وهذا وقع. قال العلماء: في زمن عثمان رضي الله عنه، يعني ما كانوا يجدون شيئاً. مئة، زمان يفيض المال حتى يؤتى إلى الرجل بمئة دينار فيستقلها، لا يراها شيئاً، وهي مئة دينار ذهبية. والدينار حوالي اثني عشر درهماً، فالمئة كم تكون؟ لا، الدينار باثني عشر درهماً فضة تقريباً، وهو يعطى مئة دينار، الاثنا عشر في مئة: ألف ومئتا درهم تقريباً. ألف ومئتا درهم، مبلغ كبير، يعتبر مبلغاً كبيراً، وهو بسيط، لكن من كثرة المال يستحقرها، يقول: إيش هاي؟ ثم ذكر صلى الله عليه وسلم: ثم معركة تكون بينكم وبين الروم، فيغدرون، فيأتون تحت ثمانين غاية أو راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفاً. اثنا عشر في ثمانين كم تطلع؟ من صاحب الحساب عندك يا إخوان؟ عبات؟ لا، أكثر. نعم، اثنا عشر ألفاً، أي نعم، في ثمانين: تسعمائة، تسعمائة وستون ألفاً. ضبط، رحمة الله عليك، جزاك الله خيراً: تسعمائة وستون ألفاً. وهذا العدد يقول الشراح: لم يسمع بمثله في معركة مع الروم، المعارك كلها التي مرت ما يصل العدد هذا، يصل إلى ثلاثمائة ألف، إلى نحو أربعمائة، إلى مائتين وخمسين. أما تسعمائة وستون ألف مقاتل وفارس يحشدهم الروم عند مرج دابق بدمشق، مرج دابق وادي من وديان سوريا اليوم في دمشق، وادي يحشدون اثني عشر، ثمانين غاية، ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفاً، ويجتمع من المسلمين مثلهم، فتحصل معارك عظيمة في ثلاثة أيام، حتى إذا مر الطير يسقط ويموت من شدة ريح الجثث، يموت الطير بريح الجثث. هذا أيضاً من علامات الساعة. وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أيضاً أن بين يدي الساعة: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، وحتى يخرج الدجال، وحتى يخرج يأجوج ومأجوج، وحتى تخرج دابة من الأرض تسيم الناس، أي: تجعل لهم علامات، وذكر باقي العلامات صلى الله عليه وسلم. قال المصنف رحمه الله: والإيمان أن المسيح الدجال خارج. المسيح الدجال رجل من بني آدم، إلا أن الله عز وجل أعطاه شيئاً من الأمور والخصائص يفتن بها الناس. المسيح الدجال رجل من بني آدم، أحمر، جعد الشعر، قطط. هذا هو المسيح الدجال. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في صفته: أنه كان أحمر، أي: لونه محمر، ومتين البنية، عنده بنية متينة، ويميل إلى القصر أكثر من الطول، وشعره سابغ، ولكن فيه عجاج. إحدى عينيه طافية، والأخرى ناتئة، كأنها عنبة طافية. يعني: إحدى عينيه ممسوحة، مسح ممسوحة، والثانية جاحظة، قال: إلى الخارج. هكذا خلقه الله، هكذا يسمونه العرب: جاحظ، يعني عيونه تكون خارجة إلى بره شوية. كذلك واحدة مطموسة، كذلك داخلة، وواحدة خارجة، هكذا. لا، هذا في وصفه: عوراء، المطموسة عوراء، لا يرى بها، يرى بعين واحدة. مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤها كل مؤمن، قارئ أو أمي، حتى من لا يعرف الكتابة يستطيع أن يقرأ على جبهته مكتوب: كافر. قال الراوي: أي: كافر. هذه علامة يجعلها الله عز وجل يراها الرائي في جبهته: كافر. ويدعي أنه رب العالمين، وهو الآن موجود في بعض الجزر، كما في حديث تميم بن أوس الداري رضي الله عنه، أنهم كانوا في سفينة، فانكسرت السفينة، فدخلوا جزيرة، وإذا برجل في غار مربوط بالسلاسل، فسألهم: أجفت؟ ألا زال في بحيرة طبرية ماء؟ قالوا: نعم. وسألهم عن بعض العلامات، ثم قال: أفلا ترون في جزيرة العرب، وفي العرب نبي؟ قالوا: يذكرون رجلاً يدعي ذلك. قال: أما إنه صادق، أما إنه صادق. وذكر الحديث. فلما وصل تميم بن أوس الداري وحدث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا الخبر، جمع النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة وقال: اسمعوا، حدثهم يا تميم. فحدثهم بهذا الحديث. يقول الإمام أحمد رحمه الله: والإيمان أن المسيح الدجال خارج، ومعه جنة ونار، ناره جنة، وجنته نار. ويقول للأرض: أخرجي كنوزك، فتتفجر وتخرج كنوزها، يتبعه كنوز من الذهب والفضة وأنواع من الأموال. ويأتي إلى الأرض فيقول: احقلي، أي: كوني حقلاً، فتكون حقلاً مزروعاً، فيقول: احصدي، فتحصد الثمار، فيقول: اخبزي، فتخبز خبزاً. هذا مما مكنه الله، فيطعم الناس ذلك الخبز، فيتعجب الناس. وأكثر الناس اتباعاً له: يهود أصفهان، أصفهان اليوم هي إيران، أكثر الناس اتباعاً له يهود أصفهان، يخرج من يهود أصفهان سبعون ألفاً يتبعون المسيح الدجال، نسأل الله العافية والسلام. فإذا جاء إلى المدينة لا يستطيع أن يدخل المدينة، فيقف على ربوة، ثم يقول: أترون ذلك القصر الأبيض؟ إنه قصر محمد، يعني المسجد النبوي. أترون ذلك القصر الأبيض؟ إنه قصر محمد. ففي علامات الساعة أن المسجد سيرى من مكان بعيد، من جهة بعض الحرات البعيدة، سيأتي زمان ويرى الناس المسجد. ولهذا يأتي من خارج المدينة المسيح الدجال، فيقف على بعض الحرات، فيقول: أترون ذلك القصر الأبيض؟ إنه قصر محمد. ولا يستطيع أن يدخل المدينة ولا مكة، لوجود الملائكة التي تمنعه من دخول المدينة ومكة. فيضرب برجله ثلاث رجفات، فتهتز المدينة، فيخرج إليه كل منافق ومنافقة، يخرجون إلى المسيح الدجال ويتبعونه. ويخرج شاب، فيقول المسيح الدجال: إني أحيي الموت. أترون هذا الشاب؟ فيذبحه، حتى إذا رأى الناس أنه ذبحه، يقول: أنا أحييه الآن، فيأمر به فيعود كما كان، فيقول: أمتي، وها أنا قد أحييته. فيقول ذلك الشاب: إنك والله المسيح الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيسلط عليه، يريد أن يذبحه، فلا يستطيع، يعني: يجعل الله عنقه عليه كالنحاس، فلا يستطيع. فيقول: ما ازددت فيك، أي: في المسيح الدجال، إلا بصيرة، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. جاء في وصف هذا الشاب أنه من أفضل الناس في ذلك الزمان إيماناً. هذا كل من علامات الساعة المستقبلية التي نؤمن بها ونصدق. قال الإمام أحمد: والإيمان أن المسيح الدجال خارج، مكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث التي جاءت فيه، كحديث أنس في الصحيحين: «ما من نبي إلا أنذر قومه المسيح الدجال الأعور الدجال، ما من نبي إلا أنذر قومه الأعور الدجال، ألا إنه أعور العين اليمنى، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر» متفق عليه. قال الراوي: أي: كافر. نؤمن بهذه الأحاديث، والإيمان بأن ذلك كائن، أي: موجود. واليوم يقول بعض الناس: المسيح الدجال هو الحضارة الصينية، وظهور الشيوعية، الشيوعية البلشفية. سمعنا هذا في القرن الماضي من بعض أفاضل من أهل العلم، وهي زلة لا يجوز اتباعها. فالمسيح الدجال ليس صفة بل شخص كائن. ولهذا يقول الإمام أحمد: والإيمان بأن ذلك كائن، أي: أن هذا الرجل خارج وكائن وموجود. فدعوى أن الشيوعيين هم المسيح الدجال، أو أن الصينيين هم المسيح الدجال، دعوى خاطئة باطلة، وإن صدرت من بعض أهل العلم، وهي تخالف عقيدة أهل السنة. بل المسيح الدجال رجل من بني آدم، أحمر، قطط، جعد الشعر، كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم. قال: والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى بن مريم عليه السلام ينزل فيقتله بباب لد. باب لد معروف في أرض فلسطين، يقتله المسيح الدجال في ذلك الموضع، وهو يهرب منه حتى يصل إليه المسيح الدجال فيقتله... المسيح الصادق، المسيح عيسى بن مريم، يتتبع المسيح الدجال إلى أن يصل إلى باب لد في أرض فلسطين، فيقتله في ذلك الموضع الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم. وبه تنتهي هذه العلامة من علامات الساعة. وعيسى ينزل في آخر الزمان، هذا أيضاً فيه نزول عيسى بن مريم لأن الله رفعه، قال جل وعلا: ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾، فالله رفع عيسى بن مريم إليه، وسينزل مرة أخرى إلى بيت المقدس، ويصلي مع المسلمين، فيطلب، فيطلب منه في صلاة الفجر أن يصلي، فيقول: لا، إمامكم منكم. وهذا فيه أنه يتبع ملة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنه لم ينزل بشريعة جديدة، وإنما جاء بشريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فعيسى بن مريم هو المسيح الصادق الخارج، وهو الذي سيقتل المسيح الدجال. لا زلنا في أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وغفر له. فأسأل الله عز وجل أن يرزقنا إيماناً لا يرتد، وأن يغفر لنا ذنوبنا، ويعافينا من كل بلاء، ويختم لنا جميعاً بالحسنى، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أي نعم. ومما يعصم من المسيح الدجال ما ثبت أن نقول: إن حفظ أول آيات، عشر آيات من سورة الكهف، وآخر عشر آيات، يعصم حافظها من المسيح الدجال. فينبغي حفظ مثل هذه السورة، فإن من فضائل سورة الكهف أن من حفظ الآيات الأولى منها العشر، وحفظ العشر الأخيرة، عصمه الله من فتنة المسيح الدجال. فتنة المسيح الدجال عظيمة، بعض الناس يقول: أنا ما أصدقه. لا يا عبد الله، الفتن لا يتعرض لها الإنسان، فالإنسان قد يفقد دينه وإيمانه، يظن نفسه من كبار الأولياء ومن أرسخ الناس إيماناً، فإذا تعرض لفتنة انصرف قلبه، وربما زاغ عن سواء السبيل. فالإنسان يحذر الفتن، ويستعيذ بالله. ولهذا ما من نبي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن أنس، إلا أنذر قومه المسيح الدجال، لعظم فتنته، لأن من يظهر فيه هذه الفتنة... هذا، أسأل الله عز وجل أن يعصمنا بهدى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر