شرح أصول السنة للرازيين 21

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 21، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

طاعة الإمام في أحكام الحج ومشروعية الحج والجهاد

الحج والجهاد مستمران مع أئمة المسلمين إلى قيام الساعة ولا يبطلهما فسق الإمام، ويجب طاعة الإمام في تنظيم شؤون الحج كتعيين وقفة عرفة وفق رؤيته للهلال، وأيد ابن تيمية صحة حج من اتبع قرار الإمام.

وجوب دفع الزكاة لولاة الأمر وبراءة الذمة

يجب طاعة ولاة الأمر في أنظمة الحج ودفع الزكاة إليهم، ودفع الزكاة للإمام يُبرئ الذمة وتسقط المطالبة بها عند الله حتى لو كان ظالماً، استناداً لأقوال علماء أهل السنة.

حكم دفع الزكاة للولاة الظالمين وعدم صرفها في مصارفها

اختلف العلماء في وجوب دفع الزكاة للحاكم الجائر الذي لا يصرفها في مستحقيها، ورأى ابن تيمية والوصابي أن الدفع للظالم قد يجزئ تحت الإكراه، لكن الأحوط إخراجها مباشرة للفقراء لأنها أمانة لهم.

ختام الجلسة والدعاء للنبي

أعلن المتحدث انتهاء الجلسة الحالية على أن تُستكمل غداً، واختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في هذه العقيدة النافعة التي هي إجماع الأئمة، وهي ما أملاه الإمامان الحافظان الجليلان أبو حاتم محمد بن إدريس الحنضلي، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، رحمهم الله تعالى وغفر لهما. وكنا وقفنا عند الكلام على أمر الجهاد، قالا رحمهم الله تعالى: «وأن الجهاد ماض منذ بعث الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة مع أولي الأمر من أئمة المسلمين، لا يبطله شيء». قالا رحمهم الله تعالى: «والحج كذلك، ودفع الصدقات من السوائم إلى أولي الأمر من أئمة المسلمين». وتقدم الكلام على مسألة الحج، وأن الحج يحتاج إلى إمام للمسلمين يعين المفتين، ويرسل الجند في حماية الحجاج، ويقضي بينهم فيما اختلفوا فيه. ولهذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة، وهو مذهب السلف الصالح، طاعة الإمام في الحج فيما يراه من أمور نافعة صالحة للمسلمين فيما يجتهد في ذلك، فموافقته خير من مخالفته، ومتابعته خير من منابذته. هذا الذي جرى عليه أهل السنة والجماعة منذ زمن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. الحج والجهاد ماضيان مع الأئمة، أبرارا كانوا أو فجارا. والحج كذلك أن يكون مع الأئمة إلى قيام الساعة، لا يبطله شيء. فإن كان الإمام فاجرا أو فاسقا أو ظالما، فظلمه لا يبطل الحج معه، ولا يفسد الحج معه؛ ظلمه على نفسه، وفسقه على نفسه. والحج طاعة لله عز وجل، ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾، والله عز وجل يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قال رحمهم الله: «والحج كذلك»، أي مع أئمة المسلمين. لو أفت الإمام مثلا إذا اختلفت رؤية الهلال بين أهل خطر في مكة، فمنهم من يرى أن الهلال كان ليلة الأحد مثلا، ومنهم من يرى أن الهلال لم ير بعد ولم يظهر، ثم قضى ولي الأمر أن الهلال لم يظهر ولم يعتبر رؤية من رآه، فالذي عليه أهل العلم متابعة الإمام في ذلك، حتى الذين رأوه يتابعونه على ما يراه في هذا الأمر، فتكون الوقفة في يوم الثلاثاء. وإن كانوا هم جازمين أنهم رأوا الهلال، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون»، والهلال ما سمي هلالا إلا لإهلاله واشتهاره. وقد وقعت هذه المسألة في زمن العمة، وصنف فيها الحافظ بن رجب رسالة نافعة. هذا مثال لطاعة الإمام في حق من رأى الهلال، فيقال له: اترك رأيك، والوقفة ليست يوم الاثنين كما رأيت الهلال في زعمك في يوم الأحد، وإنما الرؤية، وإنما الوقفة وقفة الثلاثاء. قال أهل العلم، كابن تيمية رحمه الله: «ومن وقف في يوم الثلاثاء فقد صح حجه وقضى تفثه». من وقف في يوم الثلاثاء مع وجود الخلاف في الرؤية، هل الأول من ذي الحجة كان يوم الأحد أم كان في يوم الاثنين كما قدمنا في صورة المسألة؟ فالقول أنه في يوم الاثنين وفاقا للإمام ولما رآه الحاكم. وهذا من باب الطاعة حتى لا يختلف المسلمون ويتشتتون، ويحصل بينهم الفرقة والتنازع. وكما قدمنا أن من أصول أهل السنة والجماعة اجتناب الشذوذ والخلاف والفرقة. هذا مثال للحج مع الأئمة، للحج مع الأئمة أبرارا كانوا أو فجارا. مما يدخل في ذلك اليوم ما يكون من أنظمة الحج، فالأولى فيها موافقة الأئمة إلا في حالات الاضطرار ونحوه، فقد يتغاضى عنها. قالا رحمهم الله تعالى: «والحج كذلك»، أي يكون تحت طاعة ولاة الأمور وتحت سلطان إمام المسلمين في كل زمان. وكل دولة يوجد فيها مسلمون وهم مسلمون، والحج كذلك. «ودفع الصدقات من السوائم إلى أولي الأمر من أئمة المسلمين». دفع الزكاة إذا طلبها إمام المسلمين فإنه يعطاها، يعطى هذه الصدقات سواء كانت حبوبا تخرص، أرسل مندوبين ينظرون النخل ويخرصونه، فيقولون: هذه المزرعة تنتج مثلا كذا وكذا صاعا من التمر، وهذه المزرعة تنتج كذا وكذا صاعا من القمح. فيكتب الزكاة. هذا الخارص، الخارص الذي له خبرة، بمجرد أن ينظر يمينا ويسارا يعرف كم سيكون المنتوج والناتج لهذه المزرعة، مرسول من قبل ولاة الأمور. إذا أعطاه صاحب المزرعة ما طلبه من أمر الخرص، أو أعطاه زكاته، هل تجزئه تلك الزكاة؟ الجواب: نعم تجزئه وتسقط عنه. يقولان رحمهم الله تعالى: «ودفعوا الصدقات من السوائم إلى أولي الأمر من أئمة المسلمين، من أئمة المسلمين إذا طلبوها، إذا طلبوها فإن طلبوها يعطونها». كذلك السوائم، والسوائم هي الأبقار والأغنام والإبل والمعز والشات والضأن، وهذا الرابع نوع واحد، فهذه الأربعة تسمى السوائم لأنها تربى إما بالسوم أو بالعلف. في حديث أنس: «في كل عشرين شاة شاة، في كل أربعين شاة شاة»، أخرجه البخاري في صحيحه. شاهد أن ولي الأمر إذا طلب زكاة أغنامك السائمة، أو زكاة إبلك السائمة، أو زكاة بقرك السائمة، فإنه يعطاها، يعطاها. وهل تجزئك؟ الجواب: نعم تجزئك وتسقط عنك الطلب، وتبرأ ذمتك، ولا تطالب بشيء. تبرأ ذمتك ولا تطالب بشيء عند الله عز وجل. هكذا قرر أهل السنة والجماعة: «ودفع الصدقات من السوائم إلى أولي الأمر من أئمة المسلمين». وقد يقول قائل: فإن ولاة الأمر منهم الصالح ومنهم دون ذلك، ومنهم العادل ومنهم الظالم، فهل تبرأ الذمة لو أعطيها من ليس عادلا ظالما؟ فالذي هو مقرر في هذا الكتاب أنها تبرأ إن شاء الله تعالى، تبرأ الذمة إن شاء الله تعالى، وهذا موضع تأمل. تبرأ الذمة إن شاء الله تعالى، وهذا موضع تأمل. وكنت سألت شيخنا العلامة الفقيه الشافع علي بن يحيى البهكلي حفظه الله تعالى عند قراءة الكتاب عليه عن هذه المسألة، عن أمر انتظام بيت المال وفساد الدول، فسكت حفظه الله وعافاه، ثم قال لي: «إن دفعها لولي الأمر أجزأه، وإن أخرجها بنفسه أجزأه». هكذا قال لي، وأملأ علي في هذا الموضع. ثم يسر الله قراءة هذه الرسالة على شيخنا العلامة الزاهد محمد بن عبدالوهاب الوصابي رحمه الله تعالى، فسألته نفس السؤال: هل ظلم الحاكم يجعل الإنسان في حرج إن أدى الزكاة إليهم، وهل لو أخرجها بنفسه كان أولى؟ فقال لي، وأملأ: «أقول بقول أهل السنة في ذلك». هكذا يقول الشيخ العلامة محمد بن عبدالوهاب العبدالي الوصابي رحمه الله: «أقول بقول أهل السنة في ذلك، إذا طلبها الولاة أعطاهم وأجزأه». هكذا قال لي رحمه الله. ثم سألته فقلت له: قد يأخذون بعضها دون بعض، هذه أيضا موجودة، يحصل رشاوي مع بعضهم، فبدلا من أن يأخذ الزكاة كاملة يقول: خلاص نكتب زكاة كذا ونخرج من كذا، ويدفع لي كذا، يحصل نوع من التلاعب. فقال رحمه الله: «يدفع ما طلبوا ويكمل الباقي للفقراء». انتهى كلامه رحمه الله تعالى وغفر له. وهذه المسألة من المسائل التي سئل عنها شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى، فقد سئل رحمه الله عن زكاة العشر وغيره يأخذها السلطان، يصرفها حيث شاء ولا يعطيها الفقراء والمساكين، هل يسقط الفرض بذلك أم لا؟ فأجاب شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: «أما ما يأخذه ولاة أولاة المسلمين من العشر وزكاة الماشية والتجارة وغير ذلك، فإنه يسقط ذلك، فإنه يسقط ذلك من صاحبه إذا كان الإمام عادلا، إذا كان الإمام عادلا يصرفه في مصارفه الشرعية باتفاق العلماء. فإن كان ظالما لا يصرفه في مصارفه الشرعية، فينبغي لصاحبه ألا يدفع الزكاة إليه». هكذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «فإن كان ظالما لا يصرفه في مصارفه الشرعية، فينبغي لصاحبه ألا يدفع الزكاة إليه، بل يصرفها هو إلى مستحقيها. فإن مكرها على دفعها إلى الظالم، بحيث لو لم يدفعها إليه لحصل له ضرر، فإنها تجزئه في هذه الصورة عند أكثر العلماء، وهم في هذا الحال ظلموا مستحقيها كولي اليتيم وناظر الوقف إذا قبضوا ماله وصرفوه في غير مصارفه». انتهى من مجموع الفتاوى، مجلد الخامس والعشرين، الصفحة الحادية والثمانين. فالحاصل أن هذه المسألة موضع تأمل، ظلم الحاكم وعدم أدائه للزكاة إلى أهلها، هذا موضع تأمل عند أهل العلم. فإن أعطاهم كما أمر بإعطائهم، وامتثال أمرهم في الطاعة، فنحسبه براءة إن شاء الله تعالى. وإن كان أخرجها بنفسه لأن الولي أو نحوه لا يؤديها إلى أهلها المستحقين، فله ذلك، فقد قال به أئمة معتبرون، رحمهم الله تعالى وغفر لهم. هذه مسألة يتجاذبها طرفان: الطرف الأول وجوب الطاعة لولاة الأمر في المعروف، والطرف الثاني أن الزكاة حق للمسكين وللفقير وللمحتاجين كما أمر الله عز وجل بأدائها إليهم. فالمزكي لا يملك زكاة لأنها حق لغيره، فهي فهي كالأمانة عنده، كالأمانة عنده. فمن نظر إلى أمر الطاعة لولاة الأمر وأن لا يشق أمر الجماعة، غلب أمر إعطائه. ومن نظر إلى أنها كالوديعة والأمانة يعطاها المستحق، ليست ملكا لك ولا لغيرك ولا لولي حاكم ولا لغيره، ولكنها ملك هذا المسكين وملك هذا الفقير وملك هؤلاء الأصناف الثمانية، ليست إلا لهم، فهي كالوديعة تعطيها من يوصلها إلى أهلها، فإن لم يوصلها أخرجتها مرة أخرى أو أوصلتها بنفسك. فهذان أصلان يتجاذبان هذه المسألة، وهي من مواضع الاجتهاد. هذه المسألة من مواضع الاجتهاد، هذه المسألة من مواضع الاجتهاد. ونسأل الله عز وجل أن يبصرنا بهداه، وأن يوفقنا لرضاه، وأن يصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. ونكمل إن شاء الله غدا. هذا، وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.