شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 3

الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 3، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

أحاديث افتراق الأمة والفرقة الناجية

يسوق الإمام الآجري أحاديث متعددة بأسانيدها عن افتراق الأمم السابقة وتقسيم هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، الناجية منها هي المتمسكة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم الجماعة. ويؤكد أن أهل السنة كانوا السواد الأعظم ثم قلوا مع كثرة البدع، مع التحذير من اتباع سنن اليهود والنصارى شبراً بشبر.

التحذير من التشبه بالأمم السابقة وبداية الكلام على الخوارج

يورد المصنف أحاديث وآثاراً تحذر من اتباع سنن من قبلنا حذو النعل بالنعل، مبيناً وقوع التشبه باليهود والنصارى والمشركين في الأمة. ثم يفتتح باب ذم الخوارج لكونهم أول الفرق الضالة ظهوراً وأكثرها بياناً في السنة النبوية.

ذم الخوارج وبيان صفاتهم ووجوب قتالهم

يوضح المقطع أن الخوارج قوم سوء وعصاة رغم ظهورهم بالعبادة والزهد، لأنهم يتأولون القرآن على أهوائهم ويخرجون على الأئمة ويستحلون دماء المسلمين. وقد أجمع العلماء على ذمهم ووجوب قتالهم في كل زمان لشرهم وضررهم على الإسلام وأهله منذ فتنة قتل عثمان رضي الله عنه.

حكمة النبي ﷺ في الصبر على الخوارج وعدم قتلهم درءًا للفتنة

يبين المقطع موقف النبي ﷺ عند اعتراض ذي الخويصرة على قسم الغنائم، فرفض قتله مخافة أن يُقال إن محمداً يقتل أصحابه، ووصفهم بأنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم. وتحققت صفة أحدهم بיד كحلمة الثدي عند قتلهم على يد علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

  • 10 جمادى الآخرة 1442هـ - 23/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم مبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في أول كتاب الشريعة للإمام الكبير أبي بكر محمد بن الحسين الآجري المتوفى سنة ستين وثلاثمائة للهجرة رحمه الله تعالى، وهو من الكتب التي قررت عقيدة السلف وطريقتهم ومنهجهم الذي ساروا عليه من زمن الصحابة رضي الله عنهم إلى زمن الأئمة. ونحن في باب ذكر افتراق الأمم في دينهم وعلى كم تفترق هذه الأمة، وهذا الباب تقدم الكلام عليه وأنه من الأبواب المهمة في بيان افتراق الأمة وافتراق الأمم قبلها، وأن هذه سنة كتبها الله عز وجل لا بد أن تقع، فالواجب على المسلم أن يحذر الفرق الضالة الهالكة التي هي من أهل النار وهم مسلمون لكنهم مبتدعون. قال: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدثنا المسيب بن واضح، قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: أصول البدع أربع: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة. ثم تشعبت كل فرقة ثمانية عشرة طائفة، فتلك اثنتان وسبعون فرقة، والثالثة الجماعة التي قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنها الناجية. تقدم الكلام على أن من أول من تكلم في تعيين الفرق الهالكة هو الإمام يوسف بن أسباط والإمام عبد الله بن المبارك رحمهم الله. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري، قال: حدثنا عبدة بن عبد الرحيم المروزي، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تفرق اليهود والنصارى على إحدى واثنتين على إحدى واثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة». وبه قال: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدثنا علي بن خشرم، قال: أخبرنا الفضل، قال: أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تفرقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، واختلفت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة». وسيسوق الطرق التي يحفظها لهذا الحديث أهم الطرق. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، قال: حدثنا الهيثم بن خارجة، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الرحيم بن زياد بن أنعم عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، تفرق بني إسرائيل على ثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، على ثلاث وسبعين تزيد عليهم، كلها في النار إلا ملة واحدة». قالوا: من هذه الملة الواحدة؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». الحديث له شواهد تدل على صحة معناه فهو حسن بشواهده. هذا حديث حسن بشواهده. «ما أنا عليه وأصحابي» هذا من الأوصاف الجلية في الفرقة الناجية، وهم يكونون ملتزمين قائمين معتقدين على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه الكرام. هذا وصف من الأوصاف العظيمة. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي، قال: حدثنا أبو بكر بن زنجويه، قال: حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، قال: حدثنا سفيان يعني الثوري، قال: عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، مثلا بمثل، حذوا النعل بالنعل، وإن بني إسرائيل تفرقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا ملة واحدة». قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي». هذا طريق آخر. وبه قال: حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، قال: حدثنا عاصم بن علي، قال: حدثنا أبو معشر، حاء يعني تحويل الإسناد، أي طريق آخر ومخرجهما واحد، مخرجهما واحد وهو يعقوب بن زيد. قال حاء: وأخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، قال: حدثنا محمد بن بكار، قال: حدثنا أبو معشر عن يعقوب بن زيد بن طلحة عن زيد بن أسلم عن أنس بن مالك، ذكر حديثا طويلا قال فيه: وحدثهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الأمم، فقال: «تفرقت أمة موسى عليه السلام على إحدى وسبعين ملة، سبعون في النار وواحدة في الجنة، وتفرقت أمة عيسى عليه السلام على ثنتين وسبعين ملة، إحدى وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة، وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وتعلوا أمتي على الفرقتين جميعا بملة واحدة، ثنتان وسبعون منها في النار وواحدة منهم في الجنة». قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «الجماعة». هذا لفظ آخر أيضا في وصف الفرقة الناجية وهم الجماعة، هذا وصف مهم أيضا. قال يعقوب بن زيد: وكان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا فيه قرآنا: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، ثم ذكر أمة عيسى عليه السلام فقرأ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾، ثم ذكر أمتنا فقرأ: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. هذا من تفسير الصحابي استدلاله بالقرآن على أحوال الفرق، ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ يفيد أنه يوجد غيرهم ممن لا يهدي بالحق، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ يدل على أنهم قد زاغوا إلا من رحم الله. قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب بن القاضي، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، قال: حدثنا شبابة يعني بن سوار، قال: حدثنا سليمان بن طريف عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يا ابن سلام، على كم تفرقت بنو إسرائيل؟» قال: على واحدة وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، كلهم يشهد على بعض بالضلالة. قالوا: أفلا تخبرنا لو قد خرجت من الدنيا فتفترق أمتك على ما يصير أمرهم؟ قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «بلى، إن بني إسرائيل تفرقوا على ما قلت، وستفترق أمتي على ما افترقت عليه بنو إسرائيل، وستزيد فرقة واحدة لم تكن في بني إسرائيل». وذكر الحديث. وبه قال: حدثنا، وحدثنا أبو عبد الله أحمد بن أبي عوف البزوري المعلق، يقول: الحديث ضعيف. قال رحمه الله: وبه قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن أبي عوف البزوري، قال: حدثنا سويد بن سعيد، قال: حدثنا مبارك بن سحيم عن عبد العزيز بن سحيم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا السواد الأعظم». هذا وصف جديد بأنهم السواد الأعظم، هذا وصف جديد لهم. قال رحمه الله تعالى: وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا زهير بن محمد المروزي، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن موسى بن عبيدة عن ابنة سعد عن أبيها سعد عن أبيها سعد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين ملة، ولن تذهب الأيام والليالي حتى تفترق أمتي على مثلها، أو قال: على مثل ذلك، وكل فرقة منها في النار إلا واحدة وهي الجماعة». هذا الوصف السابع. وفيه قال: أخبرنا إبراهيم بن موسى الجوزي، قال: حدثنا محمد بن هارون أبو نشيط أو أبو نشيط، وإبراهيم بن هاني النيسابوري، قال: حدثنا أبو المغيرة، قال: حدثنا صفوان، قال: حدثني أزهر بن عبد الله الحرازي عن أبي عامر الهوزني عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام حين صلى الظهر بالناس في مكة، فقال: «ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة». قال محمد بن الحسين رحمه الله: هذه عادته يعلق على ما يسوقه من الطرق التي يؤكد بها صحة تلك الأحاديث وقوتها، فهو يسوقها لك طريقا طريقا وينتقي لك ما يعينك عليها. قال رحمه الله تعالى: قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى: لعلها زائد من الناسخ، رحمه الله تعالى، لعلها زائد من الناسخ زادها. قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى: «رحم الله عبدا حذر هذه الفرقة وجانب البدع واتبع ولم يبتدع ولزم الأثر فطلب الطريق المستقيم واستعان بمولاه الكريم»، هذا عبد قد رحمه الله عز وجل ونجاه في دينه ونجاه في دنياه. الحاصل في هذه الصفات أنها الجماعة، وأنهم ما كانوا على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأكثر الناس اتباعا للسنة وتعظيما لها هم هؤلاء، وأكثر الناس تمسكا بهدي الصحابة الكرام هم هؤلاء، وأكثر الناس لزوما لجماعة المسلمين سواء كان إمام البلد أو عقيدة أهل السنة، أكثر الناس تمسكا بها هم أهل السنة والجماعة، وهم يقلون. كانوا في زمن السواد الأعظم في زمن الصحابة وزمن التابعين وزمن أتباع التابعين وزمن الأئمة المهديين إلى نحو القرن الخامس الهجري إلى السادس الهجري كانوا كثرة عظيمة، ثم كثر أهل البدع الأهواء: كثرة المعتزلة، وكثرة الأشاعرة، وكثرة الجهمية، وكثرة الخوارج، وظهرت الفرق الشيعية والرافضية وكانت ضعيفة، فنسأل الله العافية والسلام إلى زماننا هذا حتى صار أهل السنة غرباء كما هو في زماننا هذا، ومن أزماء أهل السنة غرباء قليلون بالنسبة إلى أهل البدع والأهواء. قال محمد بن الحسين رحمه الله: «رحم الله عبدا حذر هذه الفرق»، حذرها في نفسه، في أبنائه، وحذر المسلمين منها، وجانب البدع، كل أمر محدث يجتنبه يتركه يبتعد عنه لا يقربه، إن كان هذا الأمر مما جاء بعد زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد زمن الصحابة الكرام فهو يجتنب هذه الفتن ما استطاع إلى ذلك سبيلا، واتبع، أي اتبع السنة الواردة في سنة السلف وقبلها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وليتة ذكر حديث اختلاف الأمة الآخر وهو حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، وفيه: «وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعد، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ»، الحديث، فإنه مناسب أيضا لهذا الباب لكنه يذكر ما يراه أهم من غيره رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ، معاذ بن معاذ العنبري المعروف، قال: حدثنا ابن عون، قال: حدثنا ابن عون عبد الله بن عون عن محمد يعني ابن سيرين، قال: كانوا يقولون: «إذا كان الرجل على الأثر فهو على الطريق، إذا كان الرجل على الأثر فهو على الطريق». أي طريق الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، إذا كان الرجل على الأثر أي معظما للأثر باحثا عن الأثر عاملا بالأثر فهذا على طريق أهل السنة والجماعة على طريق الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. قال رحمه الله تعالى: باب ذكر خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وتحذيره إياهم سنن من قبلهم من الأمم. باب ذكر خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وتحذيره إياهم سنن من قبلهم من الأمم. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لتأخذن أمتي بأخذ القرون، بأخذ الأمم والقرون قبلها، شبرا بشبر وذراعا بذراع». قيل: يا رسول الله، كما فعلت فارس والروم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن الناس إلا أولئك». حديث في الصحيحين، شاهد اتباع الأمة سنن من كان قبلها شبرا بشبر، هذا يدل على شدة الاتباع للأمم لليهود والنصارى، شدة الاتباع لليهود والنصارى حتى إن الرجل يتبعهم شبرا بشبر وذراعا بذراع. سيأتي الطرق الأخرى وفيها النعل بالنعل وفيها كذا وكذا، وهذا يدل على شدة اتباعهم وتأثرهم بهم. وبه قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا زهير بن محمد المروزي، قال: أخبرنا سنيد بن داود، قال: حدثني حجاج، قال: ابن جريج، أخبرنا، أخبرني زياد بن سعد عن محمد بن زيد عن محمد بن زيد بن المهاجر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع وباعا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». وهذا يدل على شدة الاتباع بسنن اليهود والنصارى، نسأل الله العافية والسلام، حتى لو دخلوا جحر ضب، وجحر الضب صغير، كناية عن شدة المتابعة، لو أنه يستطيع أن يدخل جحر ضب بصعوبة فدخل أو دخلوا لكان في أمة الإسلام من يدخل جحور الضب، جحور الضباء، نسأل الله العافية، وهذا موجود اليوم في التشبه بهم الظاهر، وكذلك يدخل فيه التشبه العقائدي وغيره، نسأل الله السلام والعافية. قالوا: به قال: حدثنا، قالوا: حدثنا ابن حميد أيضا، قال: حدثنا زهير بن محمد، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثنا كثير بن عبد الله بن عمر بن عوف المزني عن أبيه عن جده، قال: كنا قعودا حول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مسجده بالمدينة، فجاءه جبريل عليه السلام بالوحي، فذكر حديثا طويلا قال فيه: «جاءكم جبريل عليه السلام يتعاهد دينكم، لتسلكن سنن الذين من قبلكم، حذوا النعل بالنعل، ولتأخذن بمثل أخذهم، إن شبرا بشبر وإن ذراعا بذراع وإن باعا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتم فيه». كل معلق ضعيف جدا، ونقلت ضعفه عن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى وغفر له. قال: أخبرنا، قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا عبد الحميد بن بهرام، قال: حدثنا شهر يعني ابن حوشب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن غنم، عبد الرحمن بن غنم أن شداد بن أوس حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين، ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم، حدو القذة بالقذة». وهذا فيه وصف الأشرار بأن من يفعلون ذلك هم الأشرار وليسوا بالأخيار، ولا شك أن من يتبع اليهود والنصارى لم يوفر، هذا أمر معلوم أن من اتبعهم ليس من الأخيار فهو من الأشرار، لا شك ولا ريب، لأنه لا يتبعهم الأخيار بل الأخيار يجتنبون هديهم ويلزمون هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي، قال: حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، قال: حدثنا عبد الحميد بن حبيب، بن حبيب، بن حبيب، بن أبي العشرين، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا يونس بن يزيد عن الزهري، عن الزهري، عن الصنابحي، عن حذيفة بن اليمان، قال: «لتتبعن أثر من كان قبلكم، حذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقهم، ولا تخطئنكم، لا تخطئون طريقهم ولا تخطئنكم، أي تخفى عليكم الطريق خطأ منكم بل تظهر لكم بوضوح وجلاء، ولا تخطئون طريقهم ولا تخطئن، ولا تنقضن، ولتنقضن عرى الإسلام عروة فعروة، ويكون أول نقضها الخشوع، حتى لا ترى خاشعا، وحتى يقول أقوام: ذهب النفاق من أمة محمد، فما بال الصلوات الخمس، لقد ضل من كان قبلنا حتى ما يصلون، بصلاة بينهم أولئك المكذبون بالقدر، وهم أسباب الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال». هذا الأثر من الآثار التي نقلها المصنف رحمه الله بسند صحيح عن حذيفة بن اليمان، وفيه حذيفة، وحذيفة صاحب علم بالفتن وما يكون في الغيب من ذلك مما أخبره رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان الصحابة يأتون إلى حذيفة فيقولون: هل سمانا رسول الله، هل كذا، كما فعل عمر رضي الله عنه، فيدل على علمه بهذا الأمر وعلم الصحابة بعلم حذيفة بهذه الفتن، شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد أن أهل البدع، شهد أن أهل البدع كما قال السلف: آخر أمرهم الدجال، هم أتباع الدجال، وهم نهاية أمرهم السيوف، كما سيأتي، عامة أهل البدع نهاية أمرهم سفك الدماء، يبدأون بأعمال حسنة ويخالفون السنة والشريعة ويفارقون هدي الصحابة فينتهي أمرهم إلى سفك الدماء، نسأل الله العافية. قال الإمام محمد بن الآجري: قال محمد بن الحسين: من تصفح أمر هذه الأمة من عالم عاقل علم أن أكثرهم، العام منهم تجري أمورهم على سنن أهل الكتابين كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى سنن كسرى وقيصر، وعلى سنن أهل الجاهلية، وذلك مثل السلطنة وأحكامهم وأحكام العمال والأمراء وغيرهم، وأمر المصائب والأفراح والمساكن واللباس والحلية والأكل والشرب والولائم والمراكب والخدم والمجالس والمجالسة والبيع والشراء والمكاسب من جهات كثيرة، وأشبه لما ذكرت يطول شرحها، تجري بينهم على خلاف الكتاب والسنة، نسأل الله العافية والسلام. هكذا يقول الآجري رحمه الله، يقول: كثير من هدي أهل الكتاب موجود في الأمة يجري بينهم، يعرفه العلماء ويفهمه العقلاء من أهل العلم، تراه في حياتهم في بيعهم في شرائهم في تعاملاتهم في أفراحهم في أحزانهم، أشياء كثيرة مما أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم، قد تركوا كتاب الله وسنة رسوله وعملوا بها على غير هدي أهل الكتاب، وهذا من تلبيس الشيطان لهم، نسأل الله العافية والسلام. هذا في زمنه رحمه الله، فكيف لو رأى زماننا هذا ورأى أحوال كثير من المسلمين في هذا الزمان، ما عسى أن يقول؟ إذا كان زمنه في القرن الرابع والثالث وهو يقول هذا الكلام، فكيف بقروننا نحن في القرن الخامس عشر؟ الأمر أعظم وأشد، تجري بينهم على خلاف الكتاب والسنة، وإنما تجري بينهم على سنن من قبلنا كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والله المستعان. أي لا يعين إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله عز وجل وفق، والأمر كله بيد الله سبحانه، والله المستعان. ما أقل من يتخلص من البلاء الذي قد عم الناس، ولن يميز هذا إلا عاقل عالم قد أدبه العلم، والله الموفق لكل رشاد والمعين عليه. هذه الكلمات العظيمة التي يعلق بها الإمام الآجري على ما يراه في زمانه في الأكل والشرب والولائم والحلى والأفراح والمصائب والأحكام السلطانية وغيرها، ويرى أن أمر التشبه باليهود والنصارى فيها موجود، وأنهم لجهلهم وبعدهم عن الكتاب والسنة يخفى عليهم حكم الله عز وجل وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم فيقعون في أحكام غير هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: باب ذم الخوارج وسوء مذاهبهم وإباحة قتالهم وثواب من قتلهم أو قتلوا. بدأ بالخوارج بعد أن ذكر الفرق الضالة الهالكة على وجه الإجمال، لأن الخوارج أول من خرج، أول الفرق ظهورا في الأمة فرقة الخوارج، أول الفرق ظهورا في هذه الأمة هم فرقة الخوارج، وأول بدعة حدثت افترق فيها الناس هي بدعة الخوارج، هي بدعة الخوارج، وسيعقد المصنف أبوابا في كشف مذاهبهم وأقوالهم وبيان تاريخهم وما ورد فيهم، فهذا الكتاب من المراجع المهمة لمن أراد أن يعرف الخوارج فكرا عقيدة سلوكا نشأة تاريخا وغير ذلك، من المصادر المهمة التي تكلمت عن الخوارج بكلام قد لا تجده في غيره من المصادر، هذا الكتاب الذي بين أيدينا. لماذا بدأ المصنف بالخوارج ولم يبدأ مثلا بالروافض؟ لأنهم أول من خرج، لأنهم أول من خرج من الفرق الضالة، فهم أول الفرق الضالة التي خرجت على هذه الأمة، وأخبر عنها نبي الله صلى الله عليه وسلم، أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم وبين أمرها بما لم يبين أمر فرقة أخرى، لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم أمر فرقة بمثل ما بين أمر الخوارج، نسأل الله السلام والعافية. يقول الإمام أحمد فيهم عشرة أحاديث كلها في صحيح الإمام مسلم، وسيوردها الآجري الإمام أبو بكر رحمه الله تعالى في هذا الكتاب النافع. قال: باب ذم الخوارج وسوء مذاهبهم وإباحة قتالهم وثواب من قتلهم أو قتلوا، هذه خمس مسائل: ذم الخوارج، وسوء مذاهبهم، وإباحة قتالهم، وثواب من قتلهم أو قتلوهم، خمس مسائل. قال محمد بن الحسين: لم يختلف العلماء قديما وحديثا أن الخوارج قوم سوء، يعني وإن أظهروا ما أظهروا، لم يختلف العلماء قديما وحديثا أن الخوارج قوم سوء، عصاة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإن صلوا وصاموا واجتهدوا في العبادة فليس ذلك بنافع لهم. هذا أمر مهم بدأنا فهم، وإن أظهروا العبادة وأظهروا الزهد فإنهم عصاة، انظروا إلى تعابير السلف ما أقواها، ما أقواها، هم عصاة لله تعالى وعصاة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سبحان الله، مع أنهم يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: «تحقرون صلاتكم عند صلاتهم وقراءتكم مع قراءتهم»، لكنهم كما يقول الإمام الآجري وينقل إجماع أهل العلم على ذلك: قوم سوء، عصاة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وإن صاموا وصلوا واجتهدوا في العبادة فليس ذلك بنافع لهم. نعم، ويظهرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا أيضا مما يتغنى به الخوارج في كل زمان، أنهم أهل أمر بمعروف وأنهم ينكرون المنكرات وأنهم يأمرون بالأمر بالخير والمعروف، قال: وليس ذلك بنافع لهم، لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون، يموهون على المسلمين، وقد حذر الله تعالى منهم، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم، وحذرهم الخلفاء الراشدون بعده، وحذرهم الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان. والخوارج هم الشراة، الأنجاس، الأرجاس، عبارات يقولها هذا الإمام لأنه يعلم أنهم من شرار الناس. قال: والخوارج هم الشراة، فرقة ظهرت من الخوارج يقولون: نحن اشترينا أنفسنا لله، اشترينا أنفسنا لله، فسموا بالشراة، وهم من شرار الخوارج، أي بعنا أنفسنا لله. قال: والخوارج هم الشراة الأنجاس الأرجاس، ومن كان على مذهبهم من سائر الخوارج يتوارثون هذا المذهب قديما وحديثا، ويخرجون على الأئمة والأمراء، ويستحلون قتل المسلمين. هذه من أهم خصال الخوارج: يخرجون على الأئمة والأمراء، هذه الصفة الأولى، ويستحلون قتل المسلمين، هذه الصفة من الصفات التي اجتمع عليها الخوارج، يخرجون على الأئمة والأمراء في كل زمان، ويستحلون قتل المسلمين أن يرونه حلالا بشبهات لهم. اليوم تجدون من ينتمي إلى أفكار الخوارج المعاصرين، ومنهم السرورية، ومنهم القاعدة، ومنهم داعش، يتأولون سفك الدماء، ربما يقتلون رجلا سنيا كجميل الرحمن رحمه الله عالم ورجل صالح، يقتلونه ويتأولون في ذلك، وربما يقتلون أئمة المساجد والخطباء، نسأل الله، هذا شيء نراه بأعيننا، فإذا كان هؤلاء عندكم يشك في سلامتهم، كيف بالعوام؟ إذا كان هؤلاء أئمة المساجد السلفيون الذين يقومون بالسنة أكثر من غيرهم يجوز قتلهم، كيف بالعوام الآخرين؟ ماذا تفعلون إذا تمكنتم؟ قال رحمه الله: يخرجون على الأئمة والأمراء ويستحلون قتل المسلمين. هذه قلنا هي الصفة التي تجمع الخوارج. أما أن يقال يكفرون بالكبيرة، فهذه قالها بعضهم وخالفها آخرون. تقدم ذكر هذه المسألة مفصلة في شرح أصول السنة للإمامين الرازيين أبي حاتم وأبي زرعة رحمهم الله تعالى، وأن التكفير بالكبيرة لم يقل به عدد من فرق الخوارج، ومنهم الإباضية، ومنهم بعض الصفرية وغيرهم. قال رحمه الله: فأول قرن طلع منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رجل طعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الغنائم، فقال: اعدل يا محمد، فما أراك تعدل. فقال: «ويلك، فمن يعدل إن لم أكن أعدل؟» فأراد عمر رضي الله عنه قتله، فمنعه، فمنعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قتله، وأخبر أن هذا وأصحابا له يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين، وأمر في غير حديث بقتالهم، وبين فضل من قتلهم أو قتلوا. ثم إنهم خرجوا بعد ذلك من بلدان شتى واجتمعوا، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه صفة الخوارج في كل زمان يظهرون إحياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى قدموا المدينة فقتلوا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد اجتهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كان بالمدينة في أن لا يقتل عثمان، فما أطاقوا على ذلك رضي الله عنه. سيأتي بيان هذه المسألة جلية بنقول جميلة. والآن جري من أفضل من تكلم على فتنة قتل أمير المؤمنين عثمان وبين عذر الصحابة وما جرى في الواقعة كما حصل. أما أن يقول أهل الناس: خذل عثمان، فهذا من كلام رافضة، لعنهم الله، هذا من كلام الروافض وليس من كلام أهل السنة والجماعة، وهو من قبيح الكلام، والصحابة اجتهدوا، وعثمان منع أحدا أن يقتل أحدا أو يدافع عنه في ذلك الموقع، وما كانوا يظنون أن يجترئوا على سفك دمه. قال رحمه الله: ثم خرجوا بعد ذلك على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولم يرضوا لحكمه، وأظهروا قولهم وقالوا: لا حكم إلا لله. فقال علي رضي الله عنه: كلمة حق أرادوا بها الباطل، فقاتلهم علي رضي الله عنه، فأكرمه الله تعالى بقتلهم، وأخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بفضل من قتلهم أو قتلوه، وقاتل معهم وقاتل معه الصحابة، فصار سيف علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الخوارج سيف حق إلى أن تقوم الساعة، قاتلهم كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم، ولهذا يجب قتال الخوارج في كل زمان، فإنهم شر الطوائف ضررا على الإسلام وأهله. قال: باب ذكر السنن والآثار فيما ذكرناه، سيذكر أدلة هذا الباب وهي كثيرة. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدثنا عيسى بن حمد زغبة، قال: حدثنا، قال: أخبرنا ليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند منصرفه من حنين، وفي ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة، ورسول الله يقبض منها فيعطي منها، فقال: يا محمد، اعدل. قال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟» قال: لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال عمر، قال عمر بن الخطاب، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، دعني فأقتل هذا المنافق. فقال: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي». فهذا رعاية للمصالح الكبرى ودرء للمفاسد الكبرى، فإن حديث الناس أن محمدا صلى الله عليه وسلم قتل أصحابه يمنع أقواما من الدخول في الدين، يخافون أن يقتلوا فيصدهم ذلك عن الدين، فكلما أراد رجل أن يهتدي ويتوب ويرجع إلى الدين قيل: انظر ماذا فعلوا بفلان، قد قتلوا فلانا وفلانا وذبحوهما، أفتذهب ليذبحوك؟ فيقول: لا. فكانت المصلحة في الصبر، كانت المصلحة في الصبر، وهذا أصل عظيم، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، هذا أصل عظيم يجب على الداعي إلى الله وعلى صاحب السنة أن يجعله نصب عينيه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إن هذا وأصحابه يقرؤون». فقال: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية». وبه قال: وحدثنا أحمد بن هارون بن يوسف، قال: حدثنا أبي، عمر يعني محمدا العدني، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر، قال: قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم بالجعرانة أو بالجعرانة، غنائم حنين، والتراب في حجر بلال، فقال له رجل: يا رسول الله، اعدل، فإنك لم تعدل. قال: «ويلك، فمن يعدل إذا لم أكن أعدل؟» فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال: «لا، دعه، فإن هذا في أصحاب له يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». وبه قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا ابن المقرئ، ابن المقرئ، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم بالجعرانة، فقام إليه، فقام رجل فقال: اعدل، فإنك لم تعدل. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويحك، فمن يعدل إذا لم أكن أعدل؟» فقال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: «دعه، فإن من بقايا أصحاب، فإن مع هذا أصحابا له، أو في أصحاب له، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». وبه قال: حدثنا أبو حفص عمر بن أيوب السختي، قال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، قال: حدثنا يزيد بن يوسف عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن والضحاك الهمداني، والضحاك الهمداني عن أبي سعيد الخدري، قال: بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ذات يوم قسما، إذ قال ذو الخويصرة التميمي: يا رسول الله، اعدل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويحك، فمن يعدل إذا لم أعدل؟» فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، إذن لي، أضرب، أضرب، أضرب عنقه. قال: «لا، إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يرى، فلا ينظر إلى نصله، إلى نصله فلا يوجد منه شيء، ثم ينظر إلى رصافه، الرصاف، قال: رصف السهم إذا شده بالرصاف وهو عقب يلوى على مدخل النصل فيه، لعله آخر ما يثبت في السهم مما يعين السهم على استواء السير حينما ينطل كالريش ونحوه، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه، قال: السهم بلا نصل ولا ريش، فلا يوجد منه فيه شيء، ثم ينظر إلى قذبه، إلى قذبه، نعم، قال: ريش السهم، ثم ينظر إلى قذبه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم». هذا الحديث من الأحاديث التي استدل بها من يرى كفر الخوارج، وأنهم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يخرجون من الدين كما دخلوا فيه ولا يبقى لهم من أمر الدين شيء، فإذا نظرت إلى السهم في نصلته الحديدة لا تجد فيها قطرة دم، إذا نظرت في عموده وصلبه لا تجد فيه قطرة دم، إذا نظرت في قذبه الريش لا تجد فيها أثر الدم، وقد مر في هذه الرمية التي رمي بها واخترقها، مر ما بين اللحم وما بين الفرث، أي بقايا الكرش نحوه، ومع هذا خرج كما دخل، سبحان الله. يستدل به من يرى كفر الخوارج، والراجح أنهم مسلمون بغاة خارجون ظالمون، هذا الذي عليه الأكثر كما سيأتي. قال صلى الله عليه وسلم: «يخرجون على حين فرقة من الناس»، وهكذا جرى في زمن الصحابة، لما اختلف، لما اختلف علي بن أبي طالب ومعاوية، خرج الخوارج، «يخرجون على حين فرقة من الناس، آيتهم رجل أدعج، إحدى يديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة، تدر در». قال أبو سعيد: «أشهد لسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أني كنت مع علي بن أبي طالب حين قتلهم، والتمس في القتلى، فأتي به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وعلى رسوله». هذا من دلائل النبوة، إذا به مثل حلمة الثدي، مثل حلمة ثدي المرأة في كتفه، في إحدى يديه، فلما فتش وإذا بها تدردر، أي تتحرك، سبحان الله، فعرفوا أنه الذي نعته النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون فيهم رجل في إحدى يديه مثل حلمة المرأة تدردر، أي تتحرك، سبحان الله. قال أبو