الدرس في باب السواك 15، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يبيّن المقطع كراهة الأخذ من جوانب اللحية والعنفقة والحاجبين في المذهب الشافعي مستدلاً بأحاديث الأمر بإعفاء اللحية، ويناقش ضعف حديث الأخذ من طولها وعرضها. كما ينقل إجماع الأئمة الأربعة على تحريم حلق اللحية أو الأخذ منها دون القبضة، موضحاً أن لفظ الكراهة عند المحققين يحمل على التحريم.
ينقل النص إجماع المذاهب الأربعة وعلماء السلف على تحريم حلق اللحية أو الأخذ منها دون القبضة، مستدلين بأوامر النبوي بصيغ متعددة ونهي التشبه بالكفار والمجوس. ويوضح أن ما يفعله بعض المتأخرين من الكراهة لا حجة له، مع تفصيل ضابط القبضة التي يجوز الأخذ مما زاد عنها كما فعل ابن عمر وأبو هريرة.
استعرض المقطع خلاف العلماء في أخذ ما زاد على القبضة، فذهب الشافعية إلى المنع، والحنفية والحنابلة إلى الجواز بل والاستحباب عند الحنفية، بينما قيد الحسن البصري وعطاء وابن حجر الجواز بحالة تشوه اللحية. وخلص المتكلم إلى أن المسألة اجتهادية لا يُنكر على فاعلها ولا تاركها، مستدلاً بسكت الصحابة عن فعل ابن عمر وأبي هريرة.
أشار المتحدث إلى جواز الرأي المذكور لتبنيه من قبل الحنفية وإجازة الحنابلة له، وأعلن أن هناك مسائل أخرى سيكملها لاحقاً. ثم ختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في هذه الألفية النافعة، وهي «صفوة الزبد فيما عليه المعتمد في مذهب الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي» رحمه الله تعالى وغفر له، نظمها العلامة أحمد بن الحسين بن رسلان رحمه الله تعالى المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة للهجرة ببيت المقدس. ونحن في آخر باب السواك وما يتعلق به، قال رحمه الله تعالى: «تنزها والأخذ من جوانبي عنفقة ولحية وحاجبي وحلق شعر امرأة وردي طيب وريحان على من يهدي». هذه جملة من المسائل، تقدم بعضها، وهو الأخذ من شعر العنفقة. والعنفقة: تقدم الكلام عليها، وأنها الشعر النابت ما بين الشفة إلى الذقن، أو هو الشعر النابت تحت الشفة السفلى. تقدم الكلام على هذه المسألة. قال رحمه الله تعالى: «والأخذ من جوانبي عنفقة ولحية وحاجبي». هذا بيان لمذهب الشافعية، وأنه يكره الأخذ من جوانب اللحية. يكره عند الشافعية الأخذ من جوانب اللحية، وهذا مكروه عند الشافعية، وعند غيرهم من أهل العلم يعبرون بلفظ الكراهة. والأخذ من جوانبي عنفقة ولحية وحاجبي: هذه أمور مكروهة يعبر عنها بلفظ الكراهة. هذا هو المنصوص عليه في المذهب: أن الأخذ من اللحية أو جوانب اللحية مكروه. وتقدم في الأحاديث الأمر بإعفاء اللحية والأمر بتوفير اللحية، في ألفاظ معروفة: «أعفوا اللحى»، «وفروا اللحى»، ونحوها من الألفاظ التي تدل على تركها على حالها. ومعلوم أن من زي الأعاجم والمجوس وزي بعض أهل الكتاب حلق اللحى. تقدم في الأدلة بيان شيء من الأحاديث الواردة في هذا الباب في النهي عن أخذ شيء من اللحية، فالأوامر صريحة في ترك اللحية وعدم القص منها أو حلقها، ولهذا كره الشافعية وغيرهم من أهل العلم الأخذ من اللحية لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: «وعفوا اللحى». قال الغزالي: والأمر في هذا قريب إذا لم ينتهي إلى تقصيصها. هذا في مسألة الطول المفرط، سيأتي الكلام على الأخذ من القبضة. نحن الآن في أول المسائل، وهي مسألة إعفاء اللحية وأنها تترك. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقاً. قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع: والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقاً، بل يتركها على حالها كيف كان، للحديث الصحيح: «وعفوا اللحى». قال الإمام النووي رحمه الله: وأما الحديث، وهو حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها، فرواه الترمذي بإسناد ضعيف لا يحتج به. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى. هذا الحديث، بعض القاصرين ممن لا يطلعون على التأكد من صحة الأحاديث... الإمام النووي هنا نص على أن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به. حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من طول اللحية ومن عرضها، هذا الحديث حقه أن يقال: بل هو ضعيف جداً؛ لأنه يدور على حفص بن عمر البلخي أو عمر بن حفص البلخي، وهذا متهم بالكذب. هذا الحديث يدور على عمر البلخي وهو متهم بالكذب، فحديثه ضعيف جداً لا يجوز الاحتجاج به. ومع هذا تجد من لا يبالي من المتأخرين يحتجون به. ويقول الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: «فحصل خمس روايات»، أي في باب اللحية خمس روايات، أي خمسة ألفاظ: «أعفوا»، «أوفوا»، «أرخوا»، «أرجوا»، «وفروا». هذه خمس ألفاظ وردت في أحاديث الأمر بإعفاء اللحية: «أعفوا» هذا اللفظ الأول، «أوفوا» هذا اللفظ الثاني، «أرخوا» هذا اللفظ الثالث، «أرجوا» هذا اللفظ الرابع، «وفروا» هذا اللفظ الخامس. كل هذه الألفاظ تفيد معنى أن تترك. قال النووي رحمه الله: ومعناها كلها تركها على حالها. هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه ألفاظه، وهو الذي قاله جماعة من أصحابنا وغيرهم من العلماء. انتهى كلام. فظاهر هذه الأحاديث ترك اللحية كما هي، وأن لا يؤخذ منها شيء. سيأتي الكلام على مسألة القبضة، هذا بحث آخر. والحديث الذي روي عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من طول اللحية ومن عرضها، قلنا: حديث لا يثبت؛ في سنده عمر بن هارون البلخي متهم بالكذب. في سنده عمر بن هارون البلخي متهم بالكذب، وقد انفرد بهذا الحديث مخالفاً لكل ما جاء في الصحيحين وغيرهما من أحاديث الباب. فأحاديث الباب تعارض حديث عمر بن هارون البلخي: كيف وهو انفرد بحديث الأخذ من الطول والعرض؟ كيف وهو متهم بالكذب؟ فلذلك القول الذي عليه الأئمة في هذا الباب: الكراهة، والمراد بالكراهة هاهنا التحريم. المراد بالكراهة في هذا الموضع التحريم. هذا الذي عليه الأئمة المحققون الناقلون الضابطون لمذاهب الأئمة. فالأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، على تحريم حلق اللحية أو الأخذ منها دون القبضة. المذاهب الأربعة المحققون يقولون: إن الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، كل هؤلاء على تحريم الأخذ من شعر اللحية، لا يجوز عندهم أن يؤخذ من شعر اللحية ما دون القبضة، فضلاً عن الحلق الذي يقول عنه بعض العلماء كمالك: إنه مثلة لا تجوز. هذا الذي هو موافق للنصوص، وهو الذي نص عليه محقق الشافعية. قد يقول قائل: المتأخرون من الشافعية على الكراهة. قلنا: نعم، لكن المتقدمين منهم ومن عرفوا بالتحقيق وبالمكانة العلية في المذهب ينصون على التحريم، وهم أولى بفهم المذهب ممن جاء متأخراً بعدهم. جاء في كتاب «تحفة المنهاج» - تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي - في المجلد التاسع، الصفحة ست وسبعين وثلاثمائة، وكذلك أيضاً نقله الدمياطي في كتابه «إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين» في المجلد الثاني، الصفحة ست وثمانين بعد الثلاثمائة. ونص ما في الكتابين: «فائدة: قال الشيخان يكره حلق». المراد بالشيخين في مذهب الشافعية هما الإمام الرافعي والإمام النووي، يلقبان بالشيخين. قال الشيخان: يعني الرافعي والنووي. قال الشيخان: يكره حلق اللحية. واعترضه ابن الرفعة في حاشيته الكافية بأن الشافعي رضي الله عنه نص في الأم على التحريم. يقول ابن الرفعة معترضاً على ظاهر لفظ الكراهة، وأن الواجب حملها على التحريم. كلام النووي يشير إلى هذا. ومع هذا يقول ابن الرفعة في حاشيته الكافية: بأن الشافعي رضي الله عنه نص في الأم على التحريم. قال الزركشي محمد بن بهادر من علماء الشافعية: وكذا الحليمي في شعب الإيمان. الحليمي يعتبر من كبار محققي مذهب الشافعية في بلاد المشرق، فهو من شيوخ المذهب، يقول في شعب الإيمان: ولا يحل حلق اللحية ولا أخذ شيء منها، أي دون القبض. يقول الزركشي: وكذا الحليمي في شعب الإيمان، وأستاذه القفال الشاشي في محاسن الشريعة. القفال الشاشي أيضاً من علماء المذهب الذين اطلعوا على الخلاف، له كتاب في اختلاف العلماء، أيضاً ينص على أن مذهب الشافعية التحريم: تحريم حلق اللحية أو أخذ شيء منها دون القبضة. وقال الأذرعي أيضاً من علماء المذهب: الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة كما يفعله القلندرية. الصواب تحريم حلقها، وما بعد الصواب إلا الخطأ. قال الأذرعي: الصواب تحريم حلقها يعني اللحية جملة في جميع الصور، لا يجوز لغير علة. إذا وجدت الضرورة هذا باب آخر. يقول: كما يفعله القلندرية. القلندرية: انتهى كلام، قوم من نساك الفرس. القلندرية: قوم من نساك الفرس، من صفاتهم أنهم يدورون ويبحثون عما فيه راحة قلوبهم زعموا. كانوا في أول أمرهم يؤدون الفرائض، هذا في أول أمرهم، ويجتنبون المحرمات، ثم تركوا الواجبات وفعلوا المحرمات. أول أمرهم هذا: القلندرية فعلوا الواجبات، تركوا المحرمات، البحث عن ما يريح القلوب، ثم عاد أمرهم إلى ترك الواجبات وفعل المحرمات. من سيماهم يقول العلماء: أنهم يحلقون اللحى. من سيما القلندرية أنهم يحلقون اللحى، وعندهم أنواع من الكفر والزندقة، حتى قال كثير من العلماء في القلندرية: هم أكفر من اليهود والنصارى. قاله غير واحد من أهل العلم. وينظر فيهم «مجموع الفتاوى» المجلد الخامس والثلاثين، صفحة ثلاث وستين بعد المئة. أيضاً في باب اللحية: نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على وجوب توفير اللحية وتحريم الأخذ منها، أي دون القبضة. لازلت أكرر: دون القبضة. سيأتي الكلام على القبضة والبحث فيها. منهم ابن حزم في كتابه «مراتب الإجماع» يقول: إن عفاء اللحية فرض. كذلك ابن تيمية رحمه الله في الإجماع يقول: اتفقوا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: اتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز. اتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز. نقل هذا غير واحد من أهل العلم. ومن المتأخرين جماعة من علماء الأزهر من كبار علماء الأزهر، منهم الشيخ العلامة علي محفوظ من كبار علماء الأزهر، صاحب كتاب «الإبداع في مضار الابتداع» كتاب مشهور، يقول في هذا الكتاب في الصفحة الخامسة: «وقد اتفقت المذاهب الأربعة». يقول الشيخ علي محفوظ رحمه الله من كبار علماء الأزهر: وقد اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها. ومن المتقدمين أبو شامة أحد علماء الشافعية في بلاد الشام، يقول: قد حدث قوم يحلقون لحاهم. يقول أبو شامة: قد حدث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشد مما نقل عن المجوس. هكذا يقول أبو شامة: وهو أشد مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها. نقله الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» في المجلد العاشر، الصفحة خمسين بعد الثلاثمائة. يقول أبو شامة: وقد حدث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشد مما نقل عن المجوس. أبو شامة يفيدنا أن المجوس كانوا يقصرون اللحى. هذه فائدة من أبي شامة رحمه الله، وهو من محدثي زمانه، معروف، صاحب كتاب «العود إلى الأمر الأول» كتاب جيد، وجد منه قطعة فيه فائدة لطيفة لمن نظر فيه. يقول أبو شامة: قد حدث قوم يحلقون لحاهم، يحلقون لحاهم، وهو أشد مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها. هكذا في «فتح الباري» للحافظ ابن حجر. المعتمد الصحيح عند أهل العلم: أن حلق اللحية أو تقصيرها دون القبضة، أن حلق اللحية أو تقصيرها دون القبضة حرام عند الأئمة المتقدمين، خلافاً لبعض المتأخرين. بعض المتأخرين أخطأ في هذه المسألة، رحمهم الله. المتقدمون أضبطوا في هذه المسألة؛ لأن الأحاديث صريحة في الأمر. قال النووي: جاء الأمر بخمسة ألفاظ: «أعفوا»، وماذا أيضاً؟ ما هي الألفاظ الخمسة التي ذكرها النووي رحمه الله؟ «أعفوا»، ويش أيضاً؟ «أرخوا»، «أرجوا» من الإرجاء أي الترك التخليل، «أرجوا» هذه الثلاث ألفاظ، «وفروا» هذا اللفظ الرابع، «أوفوا» هذا اللفظ الخامس. كل هذه الصيغ دالة على وجوب تركها كما كانت. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. وليس للمتأخرين القائلين بالكراهة أي حجة. ليس لهم أي حجة تصرف هذه الأوامر المتكررة بصيغ مختلفة، مع ذكر التحذير من التشبه بالكفار. وهذا باب آخر: «خالفوا اليهود»، «خالفوا المجوس». هذا باب آخر من الاستدلال، وهو مخالفة، ووجوب مخالفة المجوس والكفار الذين عرفوا بحلق لحاهم. فهذا هو المعتمد في هذه المسألة. بقي الكلام على ضابط اللحية: ما هي اللحية؟ لكن نؤخر هذه المسألة، أحسن إلى مسألة الكلام على أخذ العنفق. أخذ العنفق: أتقدم إلى بعض المسائل الآتية منها: أخذ الخدين، ومنها أخذ ما على الرقبة، ومنها أخذ ما في أسفل الذقن. صور، سيأتي الكلام عليها. إذا فهمنا هذه المسألة، وهي أن المذاهب الأربعة في قول المتقدمين على التحريم: تحريم أخذ شيء من اللحية، حلقاً أو تقصيراً فيما دون القبضة. فلندخل في مسألة القبضة: هل يجوز أخذ ما زاد عن القبضة؟ ما هي القبضة أولاً؟ ما هي القبضة؟ يعني يأخذها هكذا، الزائد الذي يكون في هذه الجهة، يأخذ اللحية هكذا وما زاد يقصه. بعض الناس من أهل الجدل يقول: هذه قبضة، يشير: إبهام وثنين، هذا الإبهام والسبابة، يقول: هذه قبضة. أنا قد شلت، بقيت قبضة. نقول له: هذه قبضة أم لا قبضة؟ تتعرف الفرق بين القبضة والقبصة. القبضة هي أخذ بجميع الأصابع، هذه القبضة. أما هذه فيعني اسمها قبصة، ما اسمها قبضة. ففرق بين المسألتين. بعض الناس همه الجدل، يظن أنه مجرد ما يأخذ هكذا ويبقي مثل طريقة بعض أصحاب الخليج والإمارات: بقي قطة هكذا خفيفة، ويمسك فيها الطرف ويتمسك شوية بين السبابة والإبهام، يقول: هذه قبضة. قلنا: هذه قبصة ما هي قبضة. وفرق بين الأمرين. العوام والناس يعرفون هذا. الذي كان يفعله السلف: القبضة ثبت من فعل جماعة من سلف الأمة، وعلى رأسهم صحابيان جليلان، صح عنهما: وهما عبد الله بن عمر، فيما رواه مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يأخذ ما فوق القبضة، أي منها هنا ومنها هنا من جميع الأماكن، إذا وجد ما هو زائد يقصه. كان يفعل ذلك إذا حلق في حجه. وهذه ينبغي التركيز عليه: كان ابن عمر يأخذ من قبضة لحيته ما زاد على القبضة يقصه، ما زاد على القبضة. القبضة يأخذ يأخذ في حجه أو عمرته. وثبت أيضاً عن أبي هريرة فعل ذلك. كان يقول أبو زرعة بن عمر بن جرير: كان أبو هريرة يقبض على لحيته ثم يأخذ ما فضل عنها. هذا أيضاً ثبت. كذلك عن الحسن البصري أنه قال: كانوا يرخصون فيما زاد على القبضة من اللحية أن يؤخذ منها. كانوا يرخصون: أي أهل ذلك الزمان من الصحابة من حولهم، لا يشددون في هذه المسألة. أخذ ما زاد على القبضة: قبضة اليد في اللحية طولاً وعرضاً، الأمر واحد، ليس في الطول فقط. حتى لو أخذ من هذه الجهة كان كث اللحية يجوز فعله. جماعة من السلف والفقهاء في هذه المسألة اختلفوا: فالشافعية كما تقدم في كلام النووي يرون أن لا يأخذ من لحيته شيئاً، لا من طولها ولا من عرضها، أي بعد القبض. هذا مذهب الشافعية: يرون أن لا يأخذ من اللحية شيء، لا من الطول ولا من العرض إذا كان بعد القبضة؛ لأن الأوامر صريحة. هكذا قال النووي رحمهم. ذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز الأخذ. ذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز الأخذ إذا زادت على القبضة. مذهب الحنفية ومذهب الحنابلة: الجواز. بل إن الحنفية قالوا: هذا سنة من السنن. هذا سنة من السنن. وإلى هذا وبنحوه وقريب منه يفتي أحد علماء السنة المعاصرين. من هو يا حمزة؟ من هو العالم المعاصر الذي كان اشتهرت عنه هذه المسألة؟ يقول: من السنة أن يؤخذ بعد القبضة. نعم، الإمام ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى، مراراً في كتبه يكرر هذا، يرى أن هذا من فهم الصحابي. سئل إن شاء الله يناقش في قوله. الحنفية يرون أن أخذ ما زاد على القبضة سنة من السنة، والحنابلة يقولون: لا يكره، لا يكره أن يؤخذ ما بعد القبضة. ونص الإمام أحمد عليه، وينقل الحنابلة أن الإمام أحمد بن حنبل كان أحياناً يأخذ من لحيته بعد القبضة، رحمه الله. وذهب الحسن وعطاء من التابعين إلى أنه لا يؤخذ منها شيء إلا إذا تشوهت بإفراط في طولها أو عرضها. قالوا: هذا محمول على حال من كان تتشوه لحيته، فتجده مثلاً لحيته هذا الشق طويل وهذا الشق أكثر، أو هذا الشق أطول وهذا الشق أكثر، أو اللحية الشق هذا طويل وهذا اللي بجنبه قصير. فإذا مشى في الناس استغربوا: يقولون ماذا هذا؟ هذا مذهب الحسن البصري ومذهب عطاء بن أبي رباح رحمهم الله وتعالى. وهذا الذي أخذه الحافظ ابن حجر في «فتح الباري». قال الحافظ ابن حجر: فعل ابن عمر محمول على من تتشوه لحيته إما طولاً أو عرضاً، فيقال له: عدلها، عدلها ببعد القبضة. فتأخذ المكان الزائد وتقطع، وتنظر في المكان الآخر إن كان فيه زيادة قطعت حتى تتقارب اللحية. يقول الحافظ ابن حجر: لا ينبغي أن يجعل نفسه في موضع السخرية، أن غالب الناس يستهزئون والأطفال يقولون: إيش هذا؟ اللحية شق طويل وشق صير، ربما صار موضع سخرية. هذا مذهب عطاء بن أبي رباح والحسن البصري. هذا مذهبهم. هذه المسألة من المسائل المهمة. هذه المسألة من المسائل المهمة. الإمام الألباني رحمه الله على جلالته بالسنة يقول بهذا الموضع، رحمه الله: إن هذا هو السنة. وهذا قد يناقش فيه، قد يناقش فيه، يناقش من عدة أوجه: منها أن الراوية لحديث الإعفاء عبد الله بن عمر، وفعله عارض روايته، والعبرة عند العلماء في مثل هذه المواضع بما روى لا بما رأى. هذا وجه يناقش به. وجه آخر: أن يقال: غاية ما ذكرته رحمك الله في الباب عن صحابيين أو عن ثالث أو زد رابعاً، فأين باقي الصحابة من هذه السنة؟ لو كانت سنة أين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة الحريصين على السنة من هذا الفعل؟ لو كان هذا سنة لانتشر فعله عن سائر الصحابة أجمعهم، لكنهم لم يكونوا يفعلون ذلك، ولو كانوا يفعلون ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا فعل عبد الله بن عمر في موطأ مالك، وفعل أبي هريرة رضي الله عنه. لو كان منقولاً لنقل. لكن من باب الإنصاف والعدل في تأصيل مثل هذه المسائل أن نقول: من أخذ من لحيته فلا يثرب عليه ولا ينكر عليه ولا يشنع عليه. لأن سائر الصحابة يوم أن أخذ أبو هريرة وأخذ ابن عمر: هل ثربوا عليهم؟ هل أنكروا عليهم؟ أم سكتوا؟ سكتوا. فنحن نسكت كما سكت أئمتنا وخيارنا في هذه المسألة: نسكت. لكن قد لا نفعل هذا موافقة للأكثر. لكن إذا فعله إنسان سكتنا كما سكت أئمة الصحابة رضي الله عنهم. كالمشايخ الأربعة لم ينقل عنهم شيء في هذا الباب، بل كانوا يرخون لحاهم. فهذه المسألة من مسارات الاجتهاد والنظر، لا يثرب فيها على أحد. فعلها الصحابة الكرام، ونحن لا ننكر إلا ما أنكروا. نظراً إلى أنهم لم ينكروا لا ننكر. لكن ننازع قول من يقول: هذا سنة. ننازع، نقول: لا، هذا ليس بسنة، هذا جائز. فعله جماعة من السلف من الصحابة وسكت الباقون. يسعنا ما وسعهم، ونرضى بما رضوا به، فنسكت كما سكتوا. أمر آخر: هل هذه السنة تفعل في الحج والعمرة خاصة أم تفعل في كل وقت وأوان؟ هذا أيضاً يحتاج إلى نظر. قدمنا أن ابن عمر إنما كان يصنع ذلك متى؟ في النسك، عندما يحلق رأسه يأتي على قبضة لحيته فيقص، ثم يأخذ قبضة فيقص. وكان كث اللحية ويأخذ قبضة فيقص. هذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيحين، في حديث أبي هريرة في دعاء الاستفتاح: كيف عرف أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح ويقرأ شيئاً من الدعاء مع أنه لم يسمعه؟ في الصحيح قال: يا رسول الله، ما بال الطراب لحيتك؟ ما تقول بين التكبير والقراءة؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عظيم اللحية، فكانت اللحية كلما حرك فمه صلى الله عليه وسلم يحصل الطراب، فيراها الرائي من ورائه صلى الله عليه وسلم، ومنهم أبو هريرة. قال: ما بال الطراب لحيتك بين التكبير والقراءة؟ ما تقول؟ قال: أقول: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد». وهذا أصح حديث في دعاء الاستفتاح. الشاهد: عظم لحية النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك علي بن أبي طالب نقل أنه كان عظيم اللحية، رضي الله عنه. الشاهد: هذه المسألة مسألة واسعة، فيها سعة للناس. ومن رأى أخذها للحاجة فلا ينكر عليه. لو جاء في كل جمعة ويقطع ما أنكرنا عليه. لكن نحن من باب المباحثة معه نقول: هؤلاء فعلوه في نسك، فعلوه في نسك. فتأمل في هذا من باب البحث العلمي المجرد. فإن رأى هذا الرأي قلنا: لا بأس، قد ذهب إليه الحنفية وأجازه الحنابلة وغيرهم. طيب، لا زالت هناك مسائل نكملها. هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.