شرح كتاب كشف الشبهات 3

الدرس في شرح كتاب كشف الشبهات 3، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

أقسام التوحيد الثلاثة وبعثة الرسل وخاتميتهم

يشرح الشيخ أقسام التوحيد الثلاثة مبيناً أن توحيد الإلهية يشمل الربوبية والأسماء والصفات، ويستعرض أدلة إرسال الرسل كافة بدعوة توحيد العبادة. ويوضح أن نوحاً أول الرسل ومحمداً خاتمهم، مع تفصيل كسر الأصنام وبقاء قريش على بقايا ملة إبراهيم.

عبادة الجاهلية وبطلانها مع الشرك

يبين المقطع أن أهل الجاهلية أدوا عبادات كالحج والصدقة والنذر لكنها لم تنفعهم لاشتراكهم بالله واتخاذهم وسائط. ويؤكد أن الشرك هو جعل واسطة بين العبد وربه، ومن عبد الله ولم يوحده لم تنفعه عبادته مشبهاً حالهم بحال قريش.

أدلة عبادة الملائكة والصالحين ودين إبراهيم الخالص

يستعرض أدلة قرآنية ونبوية على عبادة المشركين للملائكة وعيسى ومريم والأصنام كود وسواع واللات متخذين إياهم أرباباً. ويوضح أن صرف العبادة لغير الله يجعله إلهاً مشاركاً، مختتماً بتحذير من الاغترار بالعلم وضرورة دراسة التوحيد.

ختام الجلسة وشكر الحضور والمترجمة

يعلن المتحدث انتهاء الجلسة داعياً بالتوفيق للجميع، ويتوجه بالشكر للحضور وللمترجمة نانسي قنقر على جهودها في الترجمة. ويختتم اللقاء بالسلام والدعاء بالخير.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات توحيد الربوبية: ما هو توحيد الربوبية؟ هو إفراد الله سبحانه وتعالى بأفعاله، وأفعال الله سبحانه وتعالى هي: الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والضر، والنفع. فالذي يملك هذه الأمور هو الرب سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، هو الذي بيده كل شيء، يدبر الأمر سبحانه. سيأتي الكلام إن شاء الله من كلام المصنف على هذا. وأما توحيد الأسماء والصفات فهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالكمال المطلق، وذلك أن نثبت له الأسماء الحسنى والصفات العلى أو ما أثبته له رسوله، بلا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، وننفي عنه النقائص. وأما توحيد الإلهية فهو إفراد الله بأفعال العباد، أو هو إفراد الله بالعبادة. من المواضع التي يحتاج أن يتنبه لها القارئ لهذا الكتاب: أن المصنف قال: «اعلم أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة». معلوم أن هذا توحيد الإلهية، فما بالهم لم يذكر توحيد الربوبية والأسماء والصفات؟ الجواب: لأن توحيد الإلهية يتضمن -أي يدخل فيه- توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. فمن أفرَد الله بالعبادة فقد أفرَده بأفعاله، وقد أثبت له ما أثبته لنفسه تضمُّنًا. ومن أخلَّ بتوحيد العبادة فقد أخلَّ ببقية أنواع التوحيد، لأن أنواع التوحيد متلازمة. قال: «وهو دين الرسل». ما الدليل على أن دين جميع الرسل هو توحيد العبادة؟ الدليل: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وأيضًا أدلة كثيرة. عند الآخر: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، فهذا هو الدين. وأيضًا أدلة أخرى: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. فجميع الرسل جاءت بهذا الأصل وهو إفراد الله بالعبادة. هل الرسل مختلفون في باب التوحيد أم متفقون؟ متفقون في باب التوحيد. في باب الشرائع والتحريم والتحليل العملي: هل الرسل اتفقوا أم أنهم قد يختلفون؟ قد يختلفون. لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. فالمناهج والشرائع لكل نبي ورسول شرعة مما تقدم ذكره. أن نوحًا أول الرسل: ما الدليل على هذا؟ الدليل: حديث الشفاعة في الصحيحين، وفيه: «فيأتون نوحًا فيقولون: أنت أول رسول أرسلك الله إلى أهل الأرض». ما هذا دليل على أن نوحًا أول الرسل. وأيضًا هناك دليل آخر: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾. ثم قال بعد آيتين: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾. استدل بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب على أن نوحًا أول الرسل. استدلاله صحيح. آية النساء ذكرت الأنبياء والرسل. وأيضًا بقي دليل ثالث لنا في الباب: إيش الدليل الثالث الأخير لنا في هذا الباب؟ الإجماع. لأنه نُقِل الإجماع على أن نوحًا أول الرسل، وأما آدم فأول الأنبياء. الفرق بين النبي والرسول: اختلف العلماء في ذلك، وهذه المسألة من غوامض المسائل. والمشهور أن الرسول من يوحى إليه بشرع جديد، والنبي قد لا يوحى إليه بشرع جديد ويكون مبلغًا لشريعة من قبله. هذا هو المشهور عند العلماء. طيب، قال: «وآخرهم أرسله إلى قومه لما غلوا في الصالحين: ودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر». ذكرنا دليل على هذا، فما هو الدليل؟ حديث ابن عباس في البخاري، وأيضًا آية سورة نوح. آية سورة نوح أصل في الباب. قال: «وآخر الرسل محمد». دليل على أن آخر الرسل هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ونحن نحرص في هذه القراءة على ذكر أدلة كل أصل، لأن أهل السنة دعوتهم دعوة دليل، فكل كلمة تذكر لا بد أن نستدل لها. قال: «وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وعليه وسلم». دليله: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وأيضًا هناك أدلة أخرى من السنة: حديث جبير بن مطعم: «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي، وأنا الحاشر، وأنا العاقب، الذي ليس بعدي نبي». وأيضًا حديث: «مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا فأحسنها وأجملها إلا موضع لبنة، فكل من دخل عليها دخل الدار، دخل قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة، قال: فأنا تلك اللبنة، خُتِم بي الأنبياء». حديث في الصحيحين. أدلة أن النبي صلى الله عليه وسلم آخر رسل الأنبياء متواترة. من قال هذا من أهل العلم؟ ابن كثير رحمه الله. قال: «وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين». تكرير أن تكسير النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الصور على قسمين: بيده وأمره. فأما الذي بيده: لما دخل الكعبة كان ينكتها بعود وتسقط، وهو يقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. وأيضًا بأمره: دليل على ذلك بأمره أن النبي كان يأمر بكسرها. دليل على ذلك: حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عليًا، وحديث أبي الهياج أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عليًا وأوصاه، وغير ذلك من الأحاديث التي فيها الأمر بكسر الأصنام. وقد ذكرنا قاعدة في هذا الباب: «وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين» يعني وغيرهم. والقاعدة عند العرب: كيف يقول أن النبي كسرها؟ الجواب: أن المعظم إذا أمر بشيء نسب إليه، فيقولون: «بنى الأمير دارًا جميلة». حسنًا، هل بناها لبنة لبنة؟ أم المراد أمر ببنائها؟ أمر ببنائها. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم: هذه الصور لم يباشرها بيده لكنه أمر الناس -بعض الصحابة رضي الله عنهم- بتكسيرها، فكان مكسرًا لها صلى الله عليه وسلم. ولا يقال: لم يباشر، لأن المعظم إذا أمر فالعرب تنزله منزلة المباشرة. فقول الشيخ: «وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين» يعني بأمره. أليس كذلك؟ الجواب: نعم. قال المصنف رحمه الله تعالى: «أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله». في بعض النسخ: «كثيرًا»، ونُظِر فيها نظر، بل هي غلط تحذف. في بعض النسخ: «ويذكرون الله كثيرًا»، وبعضها غير موجود. والمعتمد حذفها في النسخ المقروءة على العلماء. قال المصنف رحمه الله تعالى: «أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون وينذرون لله». يعني أن قريشًا كانوا على شيء من دين إبراهيم الخليل عليه السلام. كانت قريش، وكان العرب على بقايا من دين إبراهيم عليه السلام، فكانوا يعرفون كثيرًا من العبادات. فكانت فيهم بقايا من دين إبراهيم. ففي صحيح الإمام البخاري وغيره في حديث عمر: قال: «نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية». قال عمر رضي الله عنه: «نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام بالجاهلية». فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوفِ بنذرك». فدل هذا على أن عمر رضي الله عنه كان يعرف بالجاهلية عبادتين عظيمتين جاء بهما الإسلام أيضًا، وهما: عبادة الاعتكاف بالمسجد الحرام، وعبادة النذر. وكلاهما من العبادات التي جاءت الأدلة بمدح فاعليها لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. أحاديث كثيرة وآيات كثيرة تدل على هذا الأمر. كانوا يعمرون المسجد الحرام ويحتسبون أجر سقاية الحجيج. قال سبحانه وتعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، لا يستوون عند الله. فيظنون أن هذا يساوي الإيمان بالله سبحانه. إذن هم على عبادة من عمارة المسجد الحرام وإعماره، ومن سقاية الحجيج وإطعامهم. وهكذا أيضًا حديث الحكم بن حزام المشهور، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرأيت أعمالًا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صلة، وعتاقة، وصدقة؟» إذن كانوا بالجاهلية يتحنثون. قال الزهري: التحنث: التعبد. قال ابن إسحاق: التحنث: التبرر. قال مسلم في صحيحه: التحنث: التعبد. إذن ما معنى «أتحنث بها»؟ يعني: أتعبد بها متى؟ في الجاهلية. إذن كانوا يتعبدون في الجاهلية، أو لم يكونوا يتعبدون؟ كانوا يتعبدون. قال: «من صلة» أي: من صلة الأرحام. إذن كانوا يتعبدون الله سبحانه بصلة الأرحام، وصلة الأرحام عبادة، من الذي كان يعملها؟ الجاهليون كانوا يعملون، وجاء الإسلام بإقرار ذلك. قال: «وعتاقة»: كان يعتقون الرقيق، كانوا يعتقون الرقيق ويعتبرون العتق عبادة. قال حكيم: «أتحنث بها» يعني: أتعبد، «وصدقة»: وكانوا أيضًا يتصدقون، متى؟ في الجاهلية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أسلمت على ما أسلفت من خير». يعني أن الأعمال الصالحة تنفع الإنسان إلى الخير وتهديه إلى الخير، لأنه سلك سبيله فيرجى أن يوفق لمشيه في طريق الخير. «أسلمت على ما أسلفت من خير». وآيات كثيرة: كانوا يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله. هذا كله موجود فيهم. وهذا أصل عظيم ينبغي أن يعلم: من لم يعرف الجاهلية وأحوال الجاهلية لا يعرف الإسلام. وفَّق المصنف رحمه الله إلى إثبات هذا الأصل العظيم، وهو أن أهل الجاهلية كانوا أهل عبادة. لأن كثيرًا من المسلمين اليوم يعمل الشركيات، فإذا أنكرت عليه قال: «أنا أصلي وأحج وأتصدق وأذكر الله». يُظن أن هذه العبادات ترفع عنه جرم الشرك الذي وقع فيه. فيقال له: لو كانت العبادة لله سبحانه بلا توحيد تنفع أحدًا، لنفعت كفار قريش. فقد كانوا على بقايا من دين إبراهيم عليه السلام، مع هذا ما نفعتهم العبادة، والحج، والصدقة، والصلة، والعتاقة، والاعتكاف، والنذر. لم ينفعهم إلا بأن يوحدوا الله سبحانه وتعالى. فمن عبد الله ولم يوحده لا تنفعه العبادة. هذا أصل من الأصول يقرره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب هنا. قال: «أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله». هذا هو سبب تكفير هؤلاء الناس الذين كانوا على شيء من دين إبراهيم: أنهم جعلوا بينهم وبين ربهم سبحانه في باب العبادة واسطة، يصرفون لها العبادة، ظانين أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم. إذن سبب تكفير المشركين من قريش وغيرهم: أنهم جعلوا واسطة بينهم وبين الله في باب العبادة، أنهم جعلوا واسطة بينهم وبين الله عز وجل في باب العبادة. قال رحمه الله: «يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله». إذا قيل لهم: لا تعبدوا إلا الله وحده، قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. فهم يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى بالشرك. يقولون: إن الله سبحانه كالملك له وسائط، له حجاب، وزراء. فنحن نرفع أمورنا إلى الوزراء وإلى الحجاب، فيرفعون أمورنا إلى الله سبحانه. وكلما تقربنا إلى هذا الوزير والحاجب، وأحسنَّا بمدحه والثناء عليه وذكره الحسن، أحبنا، فإذا رفع أمورنا إلى الملك تسرَّع لنا شفاعًا ومقربًا لنا إلى هذا الملك واسطة. هذا ظن الجاهليين. والله سبحانه نهى عن ذلك، قال سبحانه: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. فالشفاعة لا تنفع عنده إلا بإذنه سبحانه. ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. وهكذا نفى الله الشفاعة. ثم سيأتي بحث الشفاعة معنا، كلام عليها، وعلى شفاعة المشركين وما وقعوا به من الشرك. وهكذا: يستقربون إلى الله سبحانه وتعالى، تقرب إليهم ليتقربوا إلى الله. هذا عين الشرك: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. هذا عين الشرك. وللأسف أن تجد أناسًا يأتون في الأزمان المتأخرة فيقولون: «نحن لا نشرك بالله شيئًا». فتسألهم: قبر فلان لماذا حلفتم عند عتبته؟ ولماذا دعوتموه من دون الله عز وجل؟ وقلتم: «يا فلان»! قالوا: «لا، يا فلان، هذا له منزلة عند الله، هذا له جاه عند الله، هذا معظم عند الله». وهذا بعينه هو الذي قاله المشركون. وتجد هؤلاء الناس ينكرون أنهم جعلوا وسائط لله، لكن يثبتون هذا في أشعارهم. جاء عن بعض المشركين من المتأخرين أنه قال: «ما أنزل الله أو ينزل من نعمة تصعد أو تنزل في ملكوت الله أو في ملكه، من كل ما يختص أو يشمله، إلا وطاها المصطفى، عبده، نبيه، مختاره، المرسل، واسطة فيها، وأصل لها، يعلم هذا كل من يعقل. فلذلك في كل ما ترتجي فإنه المأمن والموئل، وعذبه من كل ما تشتكي فإنه المفزع والموئل، وحط أحمال الرجاء عنده». إلى آخر هذا. موجود في مولد الديباعي، يُقرأ في أكثر البلدان الشافعية. هذا موجود في مولد الديباعي، يصرحون بالوسيلة كما صرح الأوائل بالقرية والزلفى. فالكلام واحد، حتى في الألفاظ: «حط أحمال الرجاء عنده»، إلى أن يقول: «يا أكرم الخلق على ربه، ومن به عمَّا غدًا يُسأل، قد مسني الكرب، وكم مرة فرجت كربًا عظيمًا». وهو يذِلُّ، هكذا يقول. إلى أن يقول: «من لي أرجع إلى من إن أنت أعرضت عن جوابي، يا رسول الله». هكذا يقول، وينسى من؟ يا إخوان، ينسى رب العالمين سبحانه. إذن الأصل: الشرك هو جعل الواسطة في العبادة مع الله سبحانه وتعالى. قال: «مثل الملائكة وعيسى ومريم». أما دليل على أنهم عبدوا الملائكة: قوله سبحانه: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾، أي: معبودين، تذبحون لهم، وتندرون، وتستغيثون بهم، وتخافونهم، وترجونهم. هذا هو التحليل لغير الله سبحانه. ﴿أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ﴾. هكذا قال الله سبحانه وتعالى. إذن هل عبدوا الملائكة؟ الجواب: نعم. ما الدليل؟ آية: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾. قال: «مثل الملائكة وعيسى ومريم». أيضًا هم عبدوا عيسى ومريم. إذا ذبحوا قالوا: «باسم المسيح وأمه الطاهرة البتول». ويقولون: «يا عيسى» يدعونه، و«يا مريم»، و«يا روح القدس». هذا من شرك النصارى. ويدعون عيسى ومريم مع الله سبحانه وتعالى، ويستغيثون بعيسى ومريم من دون الله عز وجل، ويذبحون لعيسى ومريم من دون الله سبحانه. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾، يعني: من؟ يعني: من النصارى. ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾؟ لماذا؟ لماذا يقول الله سبحانه: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾؟ لأنهم عبدوهم من دون الله. عبدوا مريم وعيسى عليهما السلام، وصرفوا لهم العبادة. ويقول الرب سبحانه يوم القيامة لعيسى: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾؟ قال: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾. الآية شاهد أنهم عبدوا عيسى وأمه، ومع هذا يتبرأ عيسى عليه السلام من ذلك يوم القيامة. وأن من صرف عبادة واحدة لغير الله فقد جعله إلهًا مع الله. من صرف عبادة واحدة لغير الله عز وجل فقد جعله إلهًا مع الله. دليل على هذا: هذه الآية. ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. إذن من ذبح لغير الله فقد جعله إلهًا. من سأل غير الله فقد جعله إلهًا. من نذر لغير الله فقد جعله إلهًا. من سمى غير الله في الذبيحة فقد جعله إلهًا. وهكذا. قال: «مثل الملائكة وعيسى، وأناس غيرهم من الصالحين». وأناس غيرهم من الصالحين: مثل: ودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر. واللات. اللات أيضًا: من رجل صالح كان يَلُك السويق للحاج. عندنا سقط: «مثل الملائكة وعيسى ومريم، وأناس صالحين، مثل: ودّ... واللات». أيضًا رجل صالح. دليله: حديث ابن عباس في صحيح البخاري، من طريق أبي الجوزاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه: «كان رجلًا صالحًا يَلُك سويق الحاج». قالوا: هذا الرجل كان يصنع الخبزة، الدقيق مع السمن، فيلقمها. فإذا جاء حجاج بيت الله أطعمهم هذا الخبز. كان رجلًا صالحًا. قال ابن جبير، قال مجاهد وغيره من السلف: «فلما مات عكفوا على قبره، وبنوا عليه غرفة، بنوا على قبره أربع جدران، وصار يعبد من دون الله عز وجل». إذن هذا في صحيح الإمام البخاري. «وأناس غيرهم من الصالحين». فبعث الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دينهم: دين أبيهم إبراهيم. دين إبراهيم والحنيفية. دين إبراهيم والحنيفية: هي التبرؤ من الشرك وإفراد الله بالعبادة. هذا دين إبراهيم الخليل عليه السلام. ولهذا يقال: إمام الموحدين إبراهيم عليه السلام. قال المصنف رحمه الله في «ثلاثة الأصول»: «اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم، وهي أن تعبد الله مخلصًا له الدين». وذلك أمر الله جميع الناس، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. وهكذا قال رحمه الله في «القواعد الأربع»: «اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم». إذن ملة إبراهيم هي الحنيفية. وإبراهيم كان يخاف الشرك وعبادة الأصنام. هذا دين إبراهيم. قال سبحانه عن إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾. إبراهيم يخاف من إيه؟ من عبادة الأصنام على نفسه، وهو إمام الموحدين، وعلى أبنائه، وفيهم الأنبياء والمرسلون، مع هذا يخاف عليه السلام: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾ أن نعبد الأصنام. فشأن التوحيد عظيم، لا يغتر الإنسان بنفسه ويقول: «أنا قد درست التوحيد وتعلمت التوحيد». قد تقع في الشرك وأنت لا تشعر، بكلمة واحدة تخرج بها عن الدين. فما سيأتي بيان. ولذلك التوحيد يحتاج إلى دوام القراءة، ودوام الدراسة، والنظر. لعلم شهد التوحيد الله سبحانه وتعالى. هذا إبراهيم قال: ﴿إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ فَمَن يُمْنِ الْبَلَاءَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ﴾. قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. يخاف أن يرجع إلى عبادة الأصنام. ربما أحدنا اليوم لو قيل له: «ربما ترجع إلى عبادة القبر الفلاني أو الصنم الفلاني»، قال: «هذا والله ما يكون، أنا أرجع إلى عبادة الصنم الفلاني والقبر الفلاني؟» يأمن على نفسه. وهذا من ضعف التوحيد. لكن من كمل توحيده يخاف على نفسه. كان إبراهيم يكفر المشركين، ويعبد الله بتكفيرهم بأعيانهم وأوصافهم وشركهم. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾. هذا دين إبراهيم: البراءة. الولاء والبراء هذا دين إبراهيم. ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾. الآية. قال سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِم مَّا قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾؟ ماذا قالوا لقومهم؟ ﴿إِنَّا بُرَاءُ مِنكُم وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾. هذه الحنيفية: الولاء، البراء، التكفير، المعاداة، البغضاء. هذا دين من؟ يا إخوان؟ هذا دين الخليل إبراهيم عليه السلام. هذا الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دينهم: دين أبيهم إبراهيم. دين إبراهيم: عبادة الله وحده، توحيد الله، والكفر بالشرك، وتكفير المشركين، والكفر بدينهم، والإعلان بعداوتهم، والإعلان ببغضائهم. الولاء والبراء هذا دين إبراهيم الخليل عليه السلام. يجدد لهم دينهم دين أبيهم إبراهيم. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي. إذا كان لكم شيء قلنا. وقفنا هنا إن شاء الله تعالى. شكرًا. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.