باب الاستنجاء 9

الدرس في باب الاستنجاء 9، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

آداب قضاء الحاجة: استقبال القبلة واستدبارها والبول في الماء الراكد

يوضح المقطع أحكام استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة مفصلاً بين التحريم في الفلاة والكراهة في البناء، ثم ينتقل لبيان كراهة البول في الماء الراكد قليله وكثيره مع ذكر خلاف الإمام النووي في هذه المسألة.

موقف الإمام النووي وأدلة تحريم البول في الماء الراكد

يخالف الإمام النووي مذهبه الشافعي فيرى تحريم البول في الماء الراكد لا مجرد الكراهة مستدلاً بأحاديث النهي الصريحة وقاعدة أن النهي يقتضي التحريم، ويؤكد أن التغوط فيه أشد تحريماً وأن البول بجانب الماء بحيث يصل إليه يأخذ الحكم نفسه خلافاً للظاهرية.

رد قول الظاهرية وكراهة استقبال الريح ومواضع النهي عن البول

ينتقد المتكلم قول داود الظاهري وابن حزم بجواز صب البول في الماء الراكد معتبراً ذلك زلة تخالف الإجماع ومقاصد الشريعة، ثم يبين كراهة استقبال الريح عند البول لخوف التنجس مستدلاً بضعف الحديث الوارد ويشير إلى مواضع أخرى نهي عن البول فيها.

خاتمة: النظافة والسلامة من الأمراض والأذى

يؤكد المقطع في ختامه أن الأمر المذكور نظيف وخالٍ من الأمراض والأذى، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

  • 22 جمادى الآخرة 1442هـ - 04/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في هذه المنظومة النافعة في فقه السادة الفقهاء الشافعية، رحمه الله تعالى، ورحم الله أبا عبد الله الشافعي وسائر علمائنا المسلمين. يقول الناظم أحمد بن الحسين بن رسلان، متوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة للهجرة: «والندب في البناء لا مستقبل أو مدبرا وحرموه في الفلأ ولا بماء راكد ولا مهب وتحت مثمر وثقب وسرب والظل والطريق واليبعد ولا يحمل ذكر الله أو من أرسل ومن سهى ضم عليه باليد ويستعيد وبعكس المسجد قدم فقدم اليمنى خروجا واسألي مغفرة واحمد وباليسر دخلي» إلى آخره. لازلنا في باب الاستطابة وباب الاستجمار وباب الاستنجاء، والمصنف رحمه الله سماه باب الاستنجاء. يقول رحمه الله: «أتهينا من الكلام على استقبال القبلة واستدبارها، وقلنا: أعدل الأقوال في هذه المسألة عندك يا أخ محفور، أعدل الأقوال في هذه المسألة في استقبال واستدبار القبلة عند قضاء الحاجة أنه يحرم استقبالها واستدبارها في الصحراء وفي الفلاء. نعم، وأما في البناء فهيجوز، والأولى والأفضل أن لا يستقبل، هذا أعدل الأقوال». تقدم الكلام عن المسألة بأدلتها، وهذا أعدل الأقوال الذي به تجتمع أدلة المسألة، تجتمع أدلة المسألة لا سيما أحاديث النهي، كحديث سلمان وحديث أبي هريرة إلى آخر في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو ببول، وحديث ابن عمر وحديث جابر أن النبي... أن ابن عمر يقول: «رقي رقيت يوما على بيت حفصة، أو رقيت على بيت حفصة، رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم على لبنتين يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة». هذا دليل علمائنا في قولهم: «والندب في البناء لا مستقبل أو مدبرا وحرموه في الفلأ». ثم قال رحمه الله: «ولا بماء راكد»، يعني رحمه الله أنه يكره البول في الماء الراكد عند الشافعية. يكره البول في الماء الراكد عند الشافعية. الماء الراكد ضد الجاري، وهو الأحواض والغدران، الغدير وأماكن تجمع المياه في الأمطار ونحوها، فيأتي المواشي تشرب أو يأتي الإنسان أحيانا ويشرب، معروفة، فهذه تسمى مياها راكدة، قطع دوائر من الماء في بعض الفلوات والصحاري وبعض الوديان بعد نزول الأمطار، هذا معنى الماء الراكد. ضده الماء الجاري، مثل ماء الأنهار، هذا ماء جاري، يدخل في الماء الجاري أيضا مياه البحار، مياه السيول، هذه مياه جارية. «ولا بماء راكد»، أي ويكره البول في الماء الراكد، قليلا كان الماء أو كثيرا، قليلا كان الماء أو كثيرا، ينهى ويكره البول في الماء الراكد قليلا كان الماء أو كثيرا. وذلك لما جاء في صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الماء الراكد، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبال في الماء الراكد. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه»، منه لفضان، ثم يغتسل منه أو فيه. فيه نهيان: نهي عن البول، ونهي عن الاغتسال في الماء الذي حصل فيه البول. هذا مذهب الشافعي في هذا الباب، وهو أن البول في الماء الراكد مكروه، هذا مذهب الشافعية، ولهذا يقول الناظم رحمه الله: «ولا بماء راكد»، أي ويكره البول بالماء في الماء الراكد. وهذه المسألة خالف المذهب فيها الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله، هذه المسألة خالف فيها المذهب الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله، أحد شيخي المذهب عند المتأخرين. فمن الشيخ الآخر الذي يقال لهم الشيخان؟ عندك أبا حمزة، تفضل. من الرافعي، أبو القاسم عبد الكريم الرافعي. وقال الشيخان عند المتأخرين: من الشيخان؟ قلنا: الرافعي والنووي. النووي يخالف المذهب في هذه المسألة، يخالف المذهب في هذه المسألة، ويرى أن الصواب لو قيل بالتحريم، وأن البول في الماء الراكد حرام، هكذا يرى النووي رحمه الله وغفر إن شاء الله. تدونون المسائل. قلنا: النووي رحمه الله له نحو اثنين وعشرين مسألة خرج فيها عن المذهب، وهذا يدعو على التجرد لله سبحانه وتعالى، تجرد لله عز وجل، لا التعصب للأشخاص ولا للمذاهب ولا للآراء ولا للأقوال. إنسان ينظر للحجة والدليل. يقول النووي رحمه الله: «قال أصحابنا: يكره، ولو قيل يحرم لم يكن بعيدا، فإن النهي يقتضي التحريم على المختار عند المحققين والأكثرين من أهل الأصول، وفيه من المعنى أنه يقذر الماء، إذا بال فيه الإنسان يصير قدرا يقذره». يقول رحمه الله تعالى: «وربما أدى إلى تنجيسه بالإجماع لتغيره، أو تنجيسه عند أبي حنيفة ومن وافقه». أبو حنيفة تقدم في كتاب المياه سنة الماضية أن أبا حنيفة يرى التنجيس في مثل هذا، يقول: «تضرب أول الماء إذا اضطرب آخره فإنه يتنجس، وإذا لم يضطرب فإنه مستبحر»، مذهب عندهم لا دليل عليه، عبارة عن رأي واستحسان. لكن النووي يقول: على مذهبهم هذا الماء الراكد يحصن إذا ضربت أوله، اهتزاز الماء حتى يصل إلى آخره، ومثله يصير نجسا على مذهب أبي حنيفة. يقول النووي رحمه الله: «وأما الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه يكره، حتى في الراكد القليل لو بال فيه، يقول بعض علمائنا في المذهب: يكره». يقول النووي رحمه الله: «والصواب المختار»، يكثر أبو زكريا رحمه الله من هذه العبارة: «الصواب المختار»، والناظم ذكره واختير فيه مشمس، تقدم معنى في كتاب المياه، لا يحرم، تقدم معنى فيها. يقول: «والصواب المختار أنه يحرم البول فيه لأنه ينجسه ويتلف ما فيه ويغيره باستعماله، والله أعلم». وهذا هو الصواب، هذا هو الصواب في المسألة، لأن حديث جابر صريح: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبال في الماء الراكد، فإما أن يكون قليلا أو كثيرا، الكثير يستقذر، وهذا فيه مضرة للناس، وهذا فيه أذية للمؤمنين، والله عز وجل يقول: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾، فيه أذى للناس في مصالحهم، ربما يحتاجه الرعاة ويحتاجه المارون، وهذا يأتي يبول فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يبولن»، هذه جملة تفيد التحريم على الراجح عند المحققين وعند أكثر الأصوليين، أن النهي الأصل فيه التحريم. وحديث جابر هذا، حديث أبي هريرة: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري»، في حديث جابر: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبال في الماء الراكد». هذا لا ينبغي، هذا لا ينبغي، كما قدمنا، والأظهر أنه لا يجوز، الأظهر أنه لا يجوز كما يقول الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى وغفر له. طيب، التغوط في الماء الراكد، لا، نحن ذكرنا مسألة البول، والتغوط أشد، إذا كان البول الأظهر أنه يحرم فالتغوط من باب أولى. طيب، لو بال بجانب الماء لا في الماء، أو تغوط بجانب الماء لا في الماء، فنزل البول إلى الماء، هل عرفنا هذه الصورة؟ بال بجانب الماء أو تغوط بجانب الماء ثم سال إلى أن وصل إلى الماء، هل هذا داخل في النهي عن البول في الماء الراكد أم ليس داخلا؟ عندما نسأل، عندك آخر محمد فضل، نعم، هذا داخل في الحكم، سواء باشر البول أو بال بجانبه نزل إلى الماء، الحكم واحد، الحكم واحد، إلا عند داود الظاهري وابن حزم رحمهم الله وغفر لهم، فقد زل في هذا الموضع زلة منكرة، وقال بمقالة هي أقبح مقالة في مذهب الظاهري. يقول ابن حزم: «لو بال في إناء ثم صب لم يدخل في النهي، لو بال في إناء ثم صب أو في قصعة لم يدخل في النهي، ولو بال بجواره فسال إليه لا يدخل في النهي». هذا المذهب قاله داود الظاهري غفر الله له، وهذا قول شنيع، أن تقول يجوز أن يصب البول في إناء ثم يصبه في الماء الراكد ولا يكون داخلا في نهي النبي صلى الله عليه وسلم، هذا ظاهرية جامدة، وهذا من زلات العلماء، هذا من زلات العلماء، هذا من زلات العلماء، وهذا خلاف إجماع العلماء أن هذا كهذا سواء بسواء، هذا خلاف إجماع العلماء كما يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى. فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد يشمل كل وسيلة يصل بها البول إلى الماء الراكد، يشمل كل وسيلة يصل بها البول إلى الماء الراكد. ومن له علم بحكمة الشريعة وأسرار الشرع ومقاصد الشرع ومراعاة الشريعة لمصالح العباد، الشريعة الإسلامية شريعة عظيمة تراعي، تراعي مصالح العباد أعظم من مراعاة العباد لمصالحه. قلت سابقا كلمة لإخواني وهي أن الفرق بين القانون وبين الشريعة الغراء أن القانون لا يحمي المغفلين، هكذا يقولون في كتب القانون، قوانين وضعية، القانون لا يحمي المغفل، أو المغفلين، لكن الشريعة، لمن عرض معانيها وفهم مقاصدها، تحمي المغفل، تحمي المغفل، وهذا والله شيء عجيب رأيته في كتاب الربا في بعض المسائل، سبحان الله، كيف لو حاكمناه إلى القانون لخسر، ولو حاكمناه إلى الشرع لأنصف له غاية الإنصاف، فالشريعة تحمي المغفل والقانون لا يحمي المغفل، هكذا يقولون، وليس هذا موضع تفصيل هذا الكلام. الشاهد: الشريعة قائمة على مراعاة مصالح العباد والنصح لعباد الله عز وجل، شريعة قائمة على أصل النصيحة لعباد الله. أما أن يقال: من بال في إناء فصب بوله في ماء راكد لم يدخل في النهي، هذه ظاهرية بحتة تتنزه عنها مقاصد الشريعة الغراء وأسرارها العظيمة، وأسرارها العظيمة، فإن الشريعة قائمة على الرحمة، قائمة على العدل، قائمة على رعاية الحكم ورعاية المصالح ورعاية ما يصلح العباد سواء فهموا أو لم يفهموا، قائمة على رعاية المصالح وتكثيرها وتقليل المفاسد وإلغائها. فهذا من الزلات في هذا الموضع، هذا من الزلات في هذا الموضع، ينبه على أنه زلة قدم. يقول رحمه الله: «ولا بماء راكد ولا مهب»، المراد بالمهب أن يستقبل الريح عند بوله وقضاء حاجته، فتأتي الريح التي استقبلها فتنثر على ثوبه أو فخذيه أو نحو ذلك من النجاسة، هذا مكروه. قال الفقهاء، فقهاؤنا الشافعية: يقولون يكره استقبال الريح بالبول ونحوه، يكره استقبال الريح بالبول لأجل أن لا يرده إليه فيتنجس. في الباب حديث لا يثبت، في الباب حديث في النهي عن استقبال الريح بالبول، لكن هذا لا يثبت كما يقول النووي رحمه الله، إنما العلة هي خوف التنجس أو تنجيس الثياب، خوف التنجس أو تنجيس الثياب. أما حديث: «نهى عن البول في الهواء» فهو حديث ضعيف جدا، بل قال الحافظ ابن عدي: هذا حديث موضوع، أي مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم. «ولا بماء راكد ولا مهب وتحت مثمر وثقب وسرب»، الوقت دخل علينا، ونرجع الكلام على بقية البيت فيما يأتي إن شاء الله تعالى. وكذلك القول بالتحريم ينصره أن الشريعة تنزل المظنة منزلة الموجود، أصول الشريعة تدل على إنزال المظنة منزلة الموجود، فإذا كان البول في الماء الراكد مظنة أو مئنة لتنجيسه فإنه ينهى عنه حتى لا نفتح الأسباب للناس، لا سيما إن شعروا أن الأمر عبارة عن كراهة تنزيهية فيتجرأ المتجرؤون ويفسدون مصالح العباد، يفسدون مصالح العباد، فاللائق في هذا الباب سده، حفاظا على موارد الناس، الموارد جمع مورد، أي مكان الماء الذي يرده الناس، نريدها أن تكون نظيفة بعيدة من الأمراض بعيدة من الأذى ونحوه، هذا والله أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.