الدرس في كتاب الطهارة 50، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف العلماء في جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض أو اقتصاره على التراب الطاهر. استدل كل فريق بآيات وأحاديث مختلفة.
التيمم يكون بكل ما له غبار، مثل التراب والرمل، ولا يشترط أن يكون طيباً أو خصباً. يضرب المسلم التراب ثم يمسح به وجهه وكفيه.
يصح التيمم بالتراب وما شابهه كالرمل والأرض السبخة، ويشترط وجود الغبار. لا يصح التيمم بالطين المسبوك أو الأخضر لعدم وجود غبار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال ولا بد للتيمم من تراب طاهر عند الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز بالتيمم بجميع أجزاء الأرض. فهذه المسألة مسألة التيمم بالتراب، فالله عز وجل يقول: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾. وجاء في حديث عمران بن حسين في البخاري ومسلم في شأن الرجل الذي لم يصل فقال: «أصابتني جنابة ولا ماء»، فقال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك، عليك بالصعيد فإنه يكفيك». وظاهر الصعيد أنه كل ما صعد فوق الأرض من أجزائها. ولهذا قال مالك: يجوز أن يتيمم بكل شيء من أجزاء الأرض، ولو كان مثلا من هذه الأشياء الصلبة. وأما الشافعي وأحمد فقالا: لا يتيمم إلا بتراب. وإنما استدلوا بحديث جابر، قال: أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي، وذكر منها: «وجعلت لي الأرض مسجدا». وجاء في حديث حذيفة: «وجعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا». وهنا ذكر التربة، فحملها الإمام الشافعي رحمه الله على التراب الخصب وما كان نحوه. وما كان نحوه من ما يسمى ترابا، مثل الرمل مثلا، والأرض السبخة، والكثيب الرملي، هذه أيضا تدخل في التراب. وأما ما كان من غير التراب كالكحل مثلا أو الإسمنت أو الزرنيخ أو غيرها من هذه الأشياء التي ليست بتراب، فهذه لا تدخل في هذا. واستدلوا بحديث حذيفة الذي هو حديث صحيح، وزيادته زيادة صحيحة: «وتربتها طهور». ومن حمله على التربة، قول عند الشافعية: أن التربة المراد بها التربة الخصبة التي ينبت فيها الزرع، التراب الطيب. يقولون: هذه يتيمم بها. لكن الصحيح أن كل تراب يدخل في ذلك، الرمل لأن تربة المدينة تربة سبخة مالحة. وأيضا ما بين تبوك والمدينة رمل، أرض سبخة رمل. فلهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأخذ ترابا معه، بل كانوا يتيممون في أي مكان وصلوا، إن لم يجدوا ماء تيمموا وصلوا. فلهذا دل هذا على جواز التيمم ولو كان بتراب رمل. وقد ذهب أيضا الشافعي وأحمد: أن كل ما كان له غبار فيجوز أن يتيمم به، لأن المقصود هو التراب. فكل ما كان له غبار ويخرج منه غبار فيجوز أن يتيمم به. ومما يدل على هذا حديث أبي جهيم الذي خرجه البخاري، لما مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه وهو يبول، فلم يرد عليه السلام حتى انتهى من بوله، ثم جاء إلى الجدار وضرب الجدار وتيمم ثم رد السلام وقال: «كرهت أن أذكر الله على غير طهارة». فدل على أن التيمم هنا طهارة. فلهذا قال العلماء، قال الشافعي وأحمد خاصة: أنه يتيمم بكل تراب أو بكل موضع له غبار. مثلا تحت القطيفة أو في ثوب مثلا فيه غبار أو في وعاء أو في غيره، فكل ما كان فيه غبار فيجوز أن يتيمم به. فلهذا الجدار الذي يكون من طين ومكشوف يتيمم به، إذا كان طينا مكشوفا. أما إن كان طينا مسبوكا أو طينا أخضر، فهذا لا يتيمم به لأنه ليس فيه غبار. ومن قال أنه يتيمم بكل جدار يحتاج إلى دليل، لأن الغالب من ديار الصحابة رضي الله عنهم أنها كانت من طين. ولم تعرف الحجارة إلا في عهد عثمان رضي الله عنه، لما بنى المسجد بالحجارة المنقوشة. وإلا ما كانت تعرف في المدينة، وإنما كانت بيوتهم من الطين. فخلاصة ما يذكر في هذه المسألة: أنه صحيح أنه يتيمم بالتراب وما كان مثله من الرمل والأرض السبخة، وما كان له غبار. كل شيء له غبار من التراب فيتيمم به، يضرب عليه ويمسح على وجهه وكذلك على كفيه، يمسح على وجهه وكفيه. فهذا خلاصة ما يذكر في هذه المسألة. والله تعالى أعلم.