الدرس في كتاب الصلاة 70، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع الدعاء بعد التشهد في الصلاة، حيث يرى جمهور العلماء أنه يشرع بعد التشهد الأخير. كما ذكر الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستعاذة من أربع بعد التشهد الأخير.
اختلف أصحاب أبي هريرة في رواية حديث الاستعاذة من أربع، وجاءت روايات متعددة تدعم كلا الرأيين. يرى بعض العلماء أن الجمع بين الروايتين ممكن بافتراض أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ويأمر به.
الاستعاذة من الأربع واجبة عند بعض العلماء، وتاركها مذموم، لكنها لا تبطل الصلاة عند المشهور في مذهب أحمد. وقد رجح الشيخ الألباني هذا الرأي في كتابه صفة الصلاة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، ومنه الآن ما بعد. فذكرنا مسألة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد، في آخر درس ذكرنا مسألة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد الأول، وقلنا أنها لم يثبت شيء في ذلك، والأصل أنها بالتشهد الأخير، وأنها واجبة. وليس تركنا هناك مسألة قبل أن نأتي إلى التسليم، وهي مسألة الدعاء، مسألة الدعاء بعد التشهد. فقد جاء في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين أنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام «فإذا فعلت ذلك -أي بعد التشهد- فادعوا بما شئتم أو قال: فليدعوا بما شاء، فليدعوا بما شاء»، فدل على أن بعد التشهد وقت دعاء. وكما ذكرنا أن جمهور العلماء يرون أن الدعاء هذا بعد التشهد الأخير، وهناك قول لأحمد، وهو قول أيضا لابن حزم، يرى أنه أيضا يشرع في التشهد الأول، يشرع في التشهد الأول، لكن حتى لو قلنا بمشروعية في التشهد الأول، فيكون خفيفا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخفف في التشهد الأول. كما تقدم أيضا مسألة الاستعاذة من أربع، وهي من الدعاء، الاستعاذة من أربع هذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد خاصة تشهد الأخير. وقد جاء في الصحيحين عن عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام «كان إذا تشهد استعاذ من أربع»، أو قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من أربع: من عذاب القبر، وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال». فهذا حديث عائشة من فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وأما حديث أبي هريرة فقد اختلف فيه على أبي هريرة، أن من أصحاب أبي هريرة من رواه من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وهم الأكثر، أبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، والعرج، وجماعة من أصحاب أبي هريرة رووه من فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وهناك جماعة أيضا من أصحاب أبي هريرة رووه من أمره. فقد جاء في صحيح مسلم حديث من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا تشهد أحدكم فليستعذ من أربع: من عذاب القبر، وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال». فهذا رواه أبو صالح، ورواه أيضا جماعة من أصحاب أبي هريرة على ثلاثة: الظاهر عن أبي هريرة فذكروه بالأمر. وأكثر أصحاب أبي هريرة ذكروه على أنه من فعل النبي عليه الصلاة والسلام. ولم يذكر عن أحد من أهل العلم أنه ضعف رواية الأمر، لكن هناك إشارة من كلام الإمام أحمد مما يدل على ذلك. وقد جاء عن طاوس اليماني أيضا في رواية عن أبي هريرة أيضا بالأمر. وجاء عنه أنه سمع ابنه كان يصلي ولم يستعذ من أربع، فقال له: أعد صلاتك؛ فإني سمعت أبا هريرة وذكر له الحديث. فهذا يدل على أنه أيضا سمعه بالأمر. وطاوس اليماني من الثقات الأثبات من أصحاب أبي هريرة. فلهذا قال بعض العلماء: لعل الحديث عن أبي هريرة بالأمر والفعل أنه اجتمعا. من قال بالأمر ليس بصحيح. لو قلنا أنه واحد ممكن يخطأ، مثلا جاء عن أبي صالح فقط، لكن قد جاء عن أبي صالح وعن طاوس وعن جماعة أيضا آخرون. وهذا يدل على أنهم سمعوا هذا الحديث من أبي هريرة. فالظاهر والله أعلم أن الحديث عند أبي هريرة من بطريق الأمر، وكذلك بطريق الفعل؛ يعني كان أبي هريرة يحكي أحيانا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يفعله، وأحيانا يحكي أمره. وكل الحديثين في صحيح مسلم. فلهذا كما قلنا: الصحيح أنه أمر به النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا في رواية عن أحمد، وكذلك هو قول طاوس اليماني، وقول أيضا للأحناف من الحنابلة، وكذلك بعض الشافعية، وابن حزم يرون وجوب الاستعاذة من أربع. وجوب الاستعاذة من أربع، إلا أن ابن حزم يراها فرضا، ابن حزم يقول: فرض، من لم يأت بها صلاة غير صحيحة. وهذا ليس صحيحا، فالأقوال التي قيلت في هذا أنها واجبة، فمن لم يأت بها فهو مذموم لعدم الاتيان بها. فهي على رواية إسحاق بن راهويه أنها تبطل الصلاة. وكذلك جاء عن طاوس اليماني، ورواية أيضا عن أحمد أنها تبطل الصلاة. والقول العام بأن تارك الواجب يبطل، والمشهور في مذهب أحمد أنه لا يبطل. ولعل هذا أقرب، وعلى هذا: إذا لم يأت بها فلا تبطل الصلاة، لكن يكون آثما؛ لأنه ترك واجب من الواجبات، إن كان يعلم أنه واجب، وترك، فهذا آثم. وأما إن تركه لعذر؛ لأن الإمام الآن أحيانا يسلم، ويبقى بعض المصلين مثلا، تجده يتأخر عن سلام الإمام، فإذا قلت له: لم تتأخر؟ يقول لك: أنا سأتي بالدعاء وكذا. ففي مثل هذه المسألة: هل يترك هذه الاستعاذة من الأربع ويتبع الإمام؟ إن كان سيتأخر في التسليم، فالأفضل أن لا يأت بها ويسلم مع الإمام؛ لأنه أوجب. وإن كان لا يتأخر، وإنما يسلم بعد تسليم الإمام، فهنا يأتي بها، يأتي بهذه الأربع الاستعاذة من الأربع. وخلاصة هذه المسألة أن الاستعاذة من الأربع واجب من واجبات الصلاة. وهذا الذي رجحه الشيخ الألباني رحمة الله عليه في صفة الصلاة.