الدرس في كتاب الصلاة 56، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع الأول مسألة السجود على الأعضاء السبعة مع التركيز على الجبهة والأنف، حيث اتفق العلماء على وجوب السجود على الجبهة بينما اختلفوا في حكم السجود على الأنف. استعرض آراء مختلف المذاهب الفقهية حول هذه المسألة واستدلالاتها من الأحاديث النبوية.
يناقش المقطع الثاني رواية عند مسلم حول أمر النبي بالسجود على سبعة أعظم، ويشكك في صحة ذكر الأنف في الرواية، ويحلل العلماء احتمال أن تكون الإشارة إلى الأنف من طاوس وليس من النبي أو ابن عباس. تم استعراض آراء العلماء حول صحة الرواية وتفسيرها.
يتناول المقطع الثالث حكم وضع الأنف على الأرض أثناء السجود، حيث يرى جمهور العلماء أنه مستحب وليس واجبًا، واستندوا في ذلك إلى عدم وجود دليل صريح على وجوبه. بينما يرى البعض أنه واجب، وتم مناقشة استدلالات كلا الفريقين.
يتم الإشارة في المقطع الأخير إلى أن الحديث عن أجزاء معينة من الجسم سيتم في دروس لاحقة. يتم اختتام الدرس الحالي والاكتفاء بما تم شرحه حتى الآن، مما يدل على التدرج في تناول المواضيع الفقهية.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، أخذنا في مزيد النعمة في مسألة السجود وحكمه، وحصله أيضا في كيفية السجود. أخذنا أولا السجود على الأعضاء السبعة، وذكرنا مسألة الجبهة، وقلنا إنهم اتفقوا على الجبهة، إلا أن هناك قولا لم نذكره، قول رواية عن أبي حنيفة، أنه قال: يجزي الأنف عن الجبهة؛ لأن عنده الجبهة فرد والأنف كذلك، لكن لو اكتفى بأحدهما أجزأ. وذكر بعض أصحابه أن الجبهة عنده فرد والأنف واجب، وهم يفرقون بين الفرد والواجب، لكن هذه الرواية معناها خطأ؛ قد جاءت لحديث بالأمر بالجبهة، كما في حديث ابن عباس: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم»، وذكر الجبهة، وأشار إلى أنفه. في رواية الصحيحين رواية عبد الله بن طاوس، عن نبيه، عن ابن عباس قال: وأشار إلى أنفه. ومسألة الأنف: هل هو من الفروض أو ليس من الفروض؟ فكما ذكر هنا أبو حنيفة: أنه عنده فرد، والأنف استدلوا بحديث لا يصح، وأن الأنف يجزئ عن الجبهة، لكنه حديث موضوع، واستدلوا أيضا بحديث عن أم عطية: «لا صلاة لمن لم يصب أنفه ما يصيب جبينه»، وهذا الحديث أيضا فيه ضعف، وهو من طريق ابن عقيل وغيره، ولا يصح كذلك. وأما الاستدلال بحديث ابن عباس، فاستدل به هؤلاء الذين يقولون بأن الأنف فرد مثل الجبهة، وهو كما قلنا قول أبي حنيفة، وإلا فأكثر أصحابه يذكرون أنه واجب، ومنهم من يذكر أنه مستحب، كما جاء عن صاحبيه. والإمام أحمد يرى وجوب الأنف كذلك، على أنه داخل في الأعضاء، وأن الجبهة والأنف واحد، عضو واحد، وهذا المشهور عند أحمد. وأما الشافعي ومالك، فيرونه مستحبا، يرون أن الأنف سنة ومستحب. وأعظم دليل استدل به من استدل، أو أصح دليل، هو ما جاء في الصحيحين بنفس هذا الحديث: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم»، وأشار إلى أنفه. وهناك رواية عند مسلم، من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن عبد الله بن طاوس، عن نبيه، عن ابن عباس قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يسجد على سبعة أعظم، ذكر الجبهة والأنف، قال: واليدان والركبتان والقدمان. لكن هذه الرواية لم يأت بها أحد هكذا، إلا ما جاء في هذه الرواية. إما أن يكون حذف منها في النسخ، أن بعض النساخ الذين نسخوا صحيح مسلم لعله حذف منه وأشار إلى أنفه، أنه أشار إلى حدفها، أو أنها رؤيت كذلك، لكنها مفردة بهذا السياق. والذي جاء في رواية عبد الله بن طاوس أنه قال: وأشار إلى أنفه. وإلا فقد روى عمر بن دينار، وروى مجاهد هذا الحديث عن ابن عباس، ولم يذكروا وأشار إلى أنفه، وإنما ذكرها عبد الله بن طاوس عن أبيه. ولهذا قال بعض العلماء: لعل الذي أشار إلى أنفه هو طاوس، وليس ابن عباس ولا النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنها جاءت مبهما معنى وأشار إلى أنفه، من الذي أشار إلى أنفه؟ فلم يذكر من الذي أشار إلى أنفه، هل هو النبي عليه الصلاة والسلام أم ابن عباس أم أنه طاوس؟ فاستظهر بعض العلماء أن الذي أشار إلى أنفه طاوس؛ لأن هذه الرواية أو هذا اللفظ لم يأت في رواية عمر بن دينار، ولا في رواية مجاهد، وغيره ممن رواه عن طاوس، وإنما جاءت في رواية ابنه عبد الله، وهو ثقة. لكن كما قلنا: قد يكون لأنه أبهم الإشارة، فقال: وأشار إلى أنفه، من الذي أشار؟ الغالب أن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن الذي جعل بعض العلماء يتشكك أنها لم تذكر في غير رواية عبد الله بن طاوس، بل إنه قد روى بعضهم عن عبد الله بن طاوس ولم يذكر الأنف، فذكر الأنف مختلف فيه على عبد الله بن طاوس. وإن كان لا شك أن الرواية في الصحيحين التي رواها جماعة عن عبد الله من البصريين هي الصحيحة، لكن كما قلنا: الإشارة جاءت مبهمة. فلو صحت مثلا، قلنا بصحتها، وأن النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي أشار إلى أنفه، فليس فيها دليل على وجوب وضع الأنف، وإنما فيها أن الجبهة والأنف عضو واحد. وما دام أنه عضو واحد، فإذا اكتفى بالجبهة التي جاءت الأحاديث بالصراحة بها أجزأ. وهذا الذي ذكره الإمام النووي وغيره، وقال الشافعي رحمه الله: «أحب أن الإنسان أن المصلي يسجد على الجبهة والأنف، فإن لم يسجد على أنفه كرهت له ذلك، وإلا فصلاته صحيحة»، أو كما قال رحمه الله. فخلاصة ما يذكر في هذا أن الأنف لم يصح في حديث صريح في وجوبه، إلا هذا كما قلنا حديث طاوس، وفيه أيضا كما ذكرناه من الاحتمال. وأما حديث أم عطية فهو مما لا يثبت. وأما حديث أبي حميد السعدي في وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه سجد على جبهته وأنفه، هذا من فعله عليه الصلاة والسلام. وكذلك حديث أبي سعيد في صحيح البخاري، لما سجد النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر، وكانت بـ 21، فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم يسجد على ماء وطين، قال أبو سعيد: «فرأينا على جبهته وأنفه ماء وطين»، فهذا من فعله صلى الله عليه وسلم. لهذا كما قلنا: قال جمهور العلماء: فهو قول الشافعي ومالك، ورواية عن أحمد كذلك، أنه مستحب. والمشهور في مذهب أحمد أنه واجب، وهو خلاف أيضا، لكن المشهور في مذهبهم أنه واجب. والصحيح عدم الوجوب، لكن السنة أنه يسجد على جبهته وأنفه، لكن لو رفع أنفه ما في شيء، لكن الجبهة لا يرفعها. لكن لو رفع أنفه فإن شاء الله تعالى يجئ ذلك. فهذا إن شاء الله تعالى ما يقال في الأنف. وأما الكلام على اليدين والركبتين والأطراف القدمين، إن شاء الله تعالى يكون في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.