الدرس في كتاب الصلاة 57، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع خلاف الفقهاء في جواز السجود على كور العمامة أو الثوب الملاصق للبدن، حيث منع الشافعية ذلك استدلالاً بحديث البراء في حر الرمضاء، بينما أجازه الحنفية والمالكية والحنابلة. رد العلماء على استدلال الشافعية بأن الحديث وارد في تأخير الصلاة لا في وضع الحائل، وأن لفظ الحديث معلول.
يجوز السجود على الثوب أو العمامة المتصلة بالمصلي، لكن الأفضل تمكين الجبهة والأنف على الأرض مباشرة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. يشترط جمهور العلماء أن يكون موضع السجود ثابتاً غير متحرك لتمكين الجبهة، وألا يكون أعلى الجسد أعلى من أسفله عند السجود.
يناقش المقطع خلاف الفقهاء في الأعضاء التي يجب تمكينها في السجود غير الجبهة، حيث يرى المالكية وجوب اليدين فقط بينما يرى أحمد وأحد قولي الشافعي وجوب الأعضاء السبعة. ويرجح المقطع وجوب السجود على الأعظم السبعة مع جواز رفع بعضها لعذر، وبطلان السجود عند القائلين بالوجوب إذا رفع العضو عمداً طوال السجود.
يجب على المسلم أن يسجد على الأعضاء السبعة، وإذا ترك شيئاً منها بغير عذر بطل سجوده وبطلت صلاته. وسيتم ذكر بعض المسائل الفرعية المتعلقة بهذا الموضوع في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، فكما ذكرنا بقية بعض المسائل في السجود على الأعظم السبعة أو الأعضاء السبعة، ذكرنا مسائل الجبهة والأنف، وهناك مسألة أيضًا مهمة وهي ما ذكرها بعض الشافعية، وذكرها أيضًا الشافعي رحمه الله في «الأم»، وهي مسألة السجود على كور العمامة أو على خرقة أو على ثوب. فعند الشافعية أولًا يفرقون بين الثوب الذي يكون متصلًا بالمصلي، وبين الثوب الذي لا يتصل بالمصلي، فيقولون: إن الثوب الذي لا يتصل بالمصلي يجوز السجود عليه، وأما الثوب الذي يكون متصلًا بالمصلي فيقولون: لا يجوز أن يسجد عليه، مثل كور العمامة، فلا يجعل العمامة ويسجد عليها. واستدلوا بحديث البراء في صحيح مسلم: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا»، وجاء الحديث عند أبي داود بزيادة: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء على أكفنا وجباهنا»، قال: «فلم يشكنا»، أي لم يفعل شيئًا لشكايتهما. وحر الرمضاء معنا في صلاة الظهر، عندما تكون حجارة المسجد حارة جدًا بسبب الشمس، وكانت الشمس تدخل إلى المسجد لأن سقف المسجد كان بالجريد النخر، فلذلك شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء. ففهم الإمام الشافعي من هذا الحديث أن المراد أنهم شكوا لأجل أن يضعوا شيئًا عند سجودهم، فأدخل هذا في مفهوم الحديث، فلذلك قال الشافعي رحمه الله: إنه لا يجوز للإنسان أن يسجد على كور العمامة، أو على ثوب متصل ببدنه. وهذا الظاهر أنها من أفراد نُسبت إلى الشافعي، وإلا فعند أبي حنيفة، وعند مالك، وعند أحمد أنه يجوز. وهذا الاستدلال الذي ذكروه رد عليه العلماء بأن هذا الحديث ليس في هذا الباب، وإنما شكوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام حتى يؤخر الصلاة لشدة الحر، وإلا فمسألة وضع الثوب فقد قال أنس رضي الله عنه: «كنا نتقي حر الرمضاء بأثوابنا»، وقال جابر، وهذا الحديث في الصحيحين، حديث جابر قال: «كان أحدنا يأخذ الحجر فيبرده في يده ثم يسجد عليه»، فكانوا يفعلون شيئًا من الاتقاء، لكن هم أرادوا أن تؤخر الصلاة حتى يبرد الوقت، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالتأخير في شدة الحر، ثم جاء في الصحيحين عن جمع من الصحابة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة»، قال: «إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا بالصلاة»، أي صلوها في وقت الإبراد، صلوها في وقت الإبراد. فلذلك الدليل الذي استدلوا به ليس فيه دليل صريح. وأيضًا قدح على ذلك أن بعض العلماء كإمام أبي حاتم الرازي يقول: إن لفظ «الأيدي والكفين» أو لفظ «الأيدي والركبتين» في الحديث لا يصح، أو لفظة «أقصد» على وجوهنا وأكفنا، لما قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء على وجوهنا وأكفنا»، قال الإمام أبو حاتم: إنها معلولة بأنها شاذة، لأن الثقات الذين رووا هذا الحديث عن طريق بيسحاق عن البراء لم يذكروا هذه اللفظة. طيب، وإن صحت هذه فليس فيها دليل، وإنما مراد به التأخير، وإلا فقد كان الصحابة يتقون حر الرمضاء بأثوابهم، ولفظ «بأثوابهم» عام، ما يدل على أنه هل بأثوابهم التي اتصلت بهم أو لم تتصل بهم، وغالبًا أنهم بأثوابهم التي تتصل بهم، لماذا؟ لأن الصحابة رضي الله عنهم ما كانت عندهم أثواب كثيرة، يدوب مثلًا الواحد عنده ثوب واحد أو ثوبان، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أليس لكم ثوبان؟» أن عنده هذا، الغالب الواحد عنده هذان الثوبان يصلي فيهما. فلذلك في الصحيح عند أهل العلم أنه يجوز، لكن الأفضل أن الإنسان يسجد على جبهته، الأفضل أن الإنسان يسجد على جبهته ويمكنها في الأرض، كما جاء في حديث صحيح مسلم: «مكن جبهتك»، وجاء في حديث أيضًا وائل بن حجر في تمكين الجبهة، وأيضًا كذلك جاء في حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد على جبهته وأنفه، مع أن المسجد فيه طين وماء لما أمطرت، فقال العلماء: فهذا فيه استحباب، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر وغيره، فيه استحباب أن الرجل يسجد على جبهته في الأرض، يسجد على جبهته في الأرض. فصحيح، كخلاصة هذه المسألة: أنه يجوز للإنسان أن يسجد على عمامته أو على ثوبه المتصل به، وإن كان الأفضل يسجد على جبهته، بهذا حديث أبي سعيد وغيره. طيب، أيضًا من هذه المسائل: مسألة تمكين الجبهة في الأرض، فذكر كثير من أهل العلم، هو قول جمهور أهل العلم، وذكر النووي أنه قول أكثر العلماء: أنه إذا سجد الإنسان لا بد أن يسجد على شيء ثابت، يسجد على شيء ثابت، لا يسجد على شيء متحرك، لا يسجد على شيء متحرك. فأما كان مثلًا مثل الفراش يغوص، ما فيه شيء، لكن لا ينبغي أنه يتزعزع حتى لا يستطيع تمكين الجبهة، لأن الأحاديث جاءت فيها تمكين الجبهة، أن يمكن جبهته، وقد صحت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يمكن جبهته، كما في حديث أبي حميد، وجاء في صحيح مسلم: «مكن جبهته»، حديث وائل بن حجر أيضًا في السنن فيه تمكين الجبهة، فلذلك اشترط كثير من أهل العلم أن يكون الذي يسجد عليه لا يكون متحركًا، يكون ثابتًا، ولو مثلًا غاص، مثلًا كما قلنا الفراش الذي يغوص ما في شيء، يسجد عليه، لكن الشيء يكون متحركًا فهذا غالبًا ما يمكن فيه الجبهة، فلذلك نبه العلماء بهذا لأجل أن الإنسان لا يسجد على شيء متحرك يتحرك ولا يثبت، لأنه سيكون الشخص إذا سجد فيه مزعزع. أيضًا كذلك مما أشار إليه الإمام النووي رحمه الله في «المنهاج» وفي «المجموع» وغيره، أن فقهاء الشافعية اشترطوا أن الساجد لا يكون جسمه الأعلى أعلى من الأسفل، لا يكون جسمه الأعلى أعلى من الأسفل، كيف؟ مثلًا الآن سيسجد، لا يسجد على شيء يكون مثلًا صاعدًا فيكون مثلًا رأسه أعلى من رجله، أعلى من مثلًا ظهره، يكون رأسه أعلى من ظهره، فقال: هذا لا يعتبر سجوده، لكن لا بد أن يكون ظهره أعلى من سجوده، هكذا ذكروا، والله أعلم. وأما مسألة الأعضاء الأخرى ففيها الخلاف مشهور، فعند المالكية اشترطوا اليدين فقط أنها تمكن في الأرض، وهو رواية أيضًا عن زفر صاحب أبي حنيفة، وينسبها إلى أبي حنيفة، معناه يقول: الجبهة واليدين مع الأنف، واستدلوا بحديث جاء في صحيح مسلم، حديث البراء بن عاذب، أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد قال: ضع جبهتك، أو ضع يديك، وارفع مرفقيك، ضع يديك على الأرض وارفع مرفقيك»، أنا إذا سجدت، جاء في لفظ أيضًا: «إذا سجدت فضع يديك على الأرض وارفع مرفقيك»، معناه إذا حتى يكون السجود بدون وضع المرفق على الأرض، لأنه كما جاء في الحديث: «لا يسجد أحدكم كما يسجد السبع، أو لا يفترش أحدكم في سجود كفتراش السبع»، كفتراش السبع، عنى يضع ذراعيه على الأرض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البراء: «إذا سجدت فضع يديك وارفع مرفقيك»، فقال هذا فيه التمكين، أو فيه الأمر بوضع اليدين. ولكن يقال: إنه أيضًا كذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمر في حديث ابن عباس بوضع اليدين والركبتين والقدمين، وأيضًا كذلك مسألة أنه مثلًا أمر بوضع اليدين لا يدل على أن غيرها ليس بواجب، لا يدل على أن غيرها ليس بواجب، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما أمر بتمكين الجبهة، أمر كذلك بتمكين اليدين ورفع الذراعين. وأيضًا هناك مذهب يقول: أن يجب وضع هذه الأعضاء الأعظم السبعة، لكن الركبتين يجوز أن يرفع حدهما، يجوز أن يرفع حدهما، وهذا قالوا مثل القائم الذي يصلي في الصلاة، يجوز له أن يصلي برجل واحدة، لكن هذا استدلال غير صحيح، والقياس الذي أصلوا عليه غير صحيح، وهو في مثل الحنفية. والصحيح في هذه المسألة والذي تدل عليه الدلالة: أنه يجب أن يسجد المسلم على هذه الأعظم السبعة، وهو قول أحمد، وقول أيضًا أو أحد قولي الشافعي، أنه لا بد أن يسجد على هذه الأعظم، منهم من قال يجعل الأنف مع الجبهة، فيسجد على هذه الأعظم السبعة. لكن لو رفع مثلًا أحد هذه الأعضاء لعذر، ما في شيء، مثلًا عنده ألم في ركبته فرفعها، ما في شيء، أو عنده مثلًا جرح في ركبته أو في قدمه أو في يده مثلًا ما استطاع أن يضع، فهذا ما في شيء، له أن يرفعها لعذر، أما بدون عذر فلا يرفعها، إلا إن رفع شيئًا يسيرًا وأوضعها، لكن يستمر في الركن كله على رفعها، فهذا خطأ. وعند الذين يقولون بالوجوب تبطل صلاة، مثل من يرفع قدميه من الخلف، أن بعضهم يسجد ويرفع قدميه من الخلف، فإن جعل السجود كله مع رفع القدمين، فهذا السجود غير صحيح، هذا السجود غير صحيح، لكن لو مثلًا رفعهما ثم وضعهما، أو مثلًا وضعهما ثم بعد ذلك رفعهما، مثلًا مثل ما يحصل مثلًا بعوض لدغته بعوضة وكذا فرفعها وحكها، ثم وضعها، ما في شيء، فالسجود هو صحيح، أما أنه يرفعها من أول السجود إلى آخره، فهذا عند الذين يقولون بالوجوب يقولون: أن هذا السجود غير صحيح، هذا السجود غير صحيح. وهذا هو كما قلنا الصحيح: أنه يجب أن يسجد المسلم على هذه الأعظم السبعة، فإن تخلف شيء منها لغير عذر، فإن السجود هذا الذي سجده غير صحيح، وإذا بطل السجود بطلت الصلاة، وإذا بطل السجود بطلت الصلاة. فهذا إن شاء الله خلاصة ما يذكر في هذا، إن شاء الله هناك بعض المسائل الفرعية لعلنا نذكرها في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.