كتاب البيوع 6

الدرس في كتاب البيوع 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

الإقرار في الفقه الإسلامي وأنواعه

يتناول شرح الإقرار لغة وشرعًا، وأنواعه، وحقوق الله تعالى وحقوق الآدميين. يُبين شروط صحة الإقرار والفرق بين الرجوع في الإقرار بحق الله تعالى والإقرار بحق الآدمي.

شروط صحة الإقرار وتفاصيله

يشترط في الإقرار البلوغ والعقل والاختيار، ويضاف الرشد إذا كان الإقرار متعلقًا بمال. يوضح حالات الإقرار بمجهول والاستثناء في الإقرار.

أحكام العارية وضوابطها

العارية جائزة إذا كان الشيء المعار منتفعًا به مع بقاء عينه، وتجوز مطلقة أو مقيدة بمدة. هي مضمونة على المستعير بقيمتها يوم تلفها، وقد تكون مستحبة أو واجبة أو محرمة حسب الحال.

ضمان المستعير للعارية وأحكامه

المستعير ضامن للعارية إذا تلفت في يده، وهذا الحكم يأتي في سياق أحكام العارية في الفقه الإسلامي.

  • 23 جمادى الآخرة 1442هـ - 05/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال القاضي أبو شجاع: الله سبحانه وتعالى، رحمه الله، في كتابه «الغاية والتقريب»: فصل، والمقر به ضربان: حق الله تعالى، وحق الآدمي. فحق الله تعالى يصح الرجوع فيه عن الإقرار به، وحق الآدمي لا يصح الرجوع فيه عن الإقرار به. وتفتقر صحة الإقرار إلى ثلاثة شرائط: البلوغ، والعقل، والاختيار. وإن كان بمال اعتبر فيه شرط رابع، وهو الرشد. وإذا أقر بمجهول رجع إليه في بيانه. ويصح الاستثناء في الإقرار إذا وصله به، وهو في حال الصحة والمرض سواء. هذا الفصل في ذلك ما يتعلق بالإقرار. والإقرار في اللغة: الإثبات، ومن قر الشيء إذا ثبت. وشرعًا: إخبار الشخص بحق عليه، وإن كان بحق له على غيره فهذه دعوة. والأصل المشهور: الإقرار. قول الله جل وعلا: ﴿كُونُوا قَوَامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، والشهادة على النفس هي الإقرار. وقوله تعالى: ﴿أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾، قالوا: أقررنا. وفي الصحيحين، في قصة المرأة التي زنت مع الأجير، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وقضي يا أونيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها». فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجمت، يعني: أقرت على نفسها بالزنا. قال: والمقر به ضربان: حق الله تعالى، يعني: ما يقر به الإنسان قد يكون حقًا لله. وحق الله منهما قد يسقط بالشبهة، كالزنا وشرب الخمر وقطع السارق. ومنهما لا يسقط بالشبهة، كالزكاة والكفارة. حق الله منهما يسقط بالشبهة، كالزنا وشرب الخمر وقطعية السارق. ومنهما لا يسقط بالشبهة، كالكفارة والزكاة. قال: وحق الآدمي، يعني: كالدين مثلا، وكذلك إقرار بدين أو مال في ذمته لإنسان. قال: فحق الله تعالى يصح الرجوع فيه عن الإقرار به. فلو أقر إنسان بأنه زنى، ثم رجع عن ذلك وقال: لا، أنا ما زنيت، هل له ذلك؟ الجواب: نعم، له أن يرجع عن هذا الإقرار. أو قال: بأنه سرق، ثم رجع عن هذا الإقرار، فإنه يصح الرجوع عن هذا الإقرار. ويدل على ذلك قصة ماعز رضي الله عنه، لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأقر بالزنا، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لعلك قبلت، لعلك غمزت»، وهو يعني يصر على أنه زنى ويقر بذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «استنكهوه»، يعني: شموا فمه لعله شرب شيئًا، حتى يعني كرر ذلك مرارًا، بل وصرح يعني له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تكني»، قال: «أنكتها»، قال: نعم. ولما رجم وأذرعته الحجارة هرب، فلحقوه حتى رجموه فمات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا ترجموه؟ ألا ترجموه؟» وهذا يدل على أنه لو رجع عن هذا الإقرار، وهو فيما يتعلق بحقه، لا لأن حق الله لم يبنى على المسامحة. قال: وحق الآدمي لا يصح الرجوع فيه عن الإقرار به. إذا أقر الإنسان بحق لآدمي، فلا يصح الرجوع فيه، يعني: لو قال: أنا أقر لفلان بمال، ثم قال: لا، أنا ما عندي شيء له، يقول: الله ستقررت، أنت قد أقررت بهذا الحق له، فيلزمه ذلك. قالوا: تفتقر صحة الإقرار إلى ثلاثة شرائط: البلوغ، والعقل، والاختيار. لا بد أن يكون المقر بالغًا، فإن كان صبيًا ولو مميزًا، فإنه لا يصح إقراره لعدم البلوغ. ولأن الصبي رفع عنه القلم. رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يحتلم. وهكذا العقل، فالمجنون كذلك لا يصح إقراره، يعني: لو قال: وقر مجنون لأنه غير عاقل، وقد رفع عنه القلم، فلا يؤاخذ لما يقول. والاختيار، يعني: أن يكون بالغًا عاقلًا، لكن كان مكرهًا لم يصح هذا الإقرار. فلو أقره إنسان أن يقر بمال لفلان من الناس، وهو مقر تحت تهديد السلاح مثلا: إن لم تقر وإلا قتلناك، فأقر دفعًا لضرر عن نفسه، لأنه لا يصح هذا الإقرار لأنه لم يكن عن اختيار، إنما كان مكرهًا، ولا يؤاخذ به. قال: وإن كان بمال اعتبر فيه شرط رابع، وهو الرشد. يعني: كان الإقرار بمال متعلقًا بمال، فيزاد شرط رابع على هذه الشروط مع البلوغ والعقل والاختيار: الرشد، أن يكون رشيدًا. فإن كان سفيهًا لا يحسن التصرف، فأقر بدين، فإنه لا يصح إقراره للسفه. والسفيه يحجر عليه. قال: وإذا أقر بمجهول رجع إليه في بيانه. إذا أقر بمجهول، قال: أنا أقر أن لي أو إن لمحمد دين عندي، وأن محمدًا طالبني بدين أنا أقر بهذا، لكن ما حدده وما بيّنه، وإنما جعله مجهولًا، فيرجع في بيانه إليه، يقال: ما هو هذا الدين؟ كم قيمته؟ فيبينه. وإذا بيّنه ألزمه بدفعه. قال: ويصح الاستثناء في الإقرار إذا وصله به. يعني: إذا كان الكلام متصلًا، فإذا قال مثلا: أنا أقر أن لي لفلان أو أن عندي لفلان مثلا مئة إلا خمسين أو إلا ثلاثين، صح هذا الإقرار وصح الاستثناء، لأن الاستثناء هنا متصل. وهذا الآن اتصال حقيقة. وهكذا إذا كان متصلًا حكمًا، وذلك إذا فصل يعني فاصل عارض من عطاس أو سعال أو نحو ذلك، ثم استثنى، فقال مثلا: إن لي أو عندي لفلان مئة، ثم عطس، ثم قال: إلا أربعين، صح الاستثناء ولزمته الستون. قال: وهو في حال الصحة والمرض سواء. يعني: إذا كان الإقرار هذا في حال الصحة، فإنه كذلك يصح. وهكذا في حال المرض، في حال مرضه، يعني: مرض الموت أو المرض المخوف، فإنه يثبت به هذا الحق. قال: فصل، وكل ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه جازت إعارته إذا كانت منافعه آثارًا. وتجوز العارية مطلقة ومقيدة بمدة، وهي مضمونة على المستعير بقيمتها يوم تلفها. هذا الفصل يتعلق بالعارية. والعارية اسم لما يعار، وهي مستحبة، وقد تكون واجبة كإعارة الثوب لدفع حر أو برد. وقد تكون محرمة كإعارة الأمة لأجنبي. والأصل في مشروعيتها قول الله جل وعلا: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، بذكر الوعيد لمن فعل ذلك. والماعون كما فسره جمهور أهل التفسير: ما يستعيره الجار من جاره من الأمور اليسيرة كالدل والفأس ونحو ذلك. قال: وكل ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه جازت إعارته. ما يمكن الانتفاع به، فقوله: ما يمكن الانتفاع به، خرج ما لا ينتفع به، فهذا لا يعار، لا فائدة من إعارته، وهو لا ينتفع به كالحمار الزمن، حمار مريض، هذا ما ينتفع به. أو يعني شيء منفعته محرمة كآلات لهو، هذا لا يجوز إعارته. وقوله: مع بقاء عينه، يعني: أن عين هذا المعار تبقى، لا تنتهي، حتى يعني يتحقق به معنى العارية، كالعبد مثلا، يستعير عبدًا لي يعمل له عملًا، أو ثوب يلبسه ثم يرده، أو فأس يقطع به أشجار ثم يرده، أو دلو ينزح به ماء ونحو ذلك من الأعيان التي ينتفع بها الإنسان ثم يردها لصاحبها. أو يستعير منه فرسًا ليركبه أو نحو ذلك، فلا بد من بقاء العين. قال: جازت إعارته، يعني: إذا كانت عينه باقية وينتفع به، وهذا النفع مباح ليس فيه شيء محرم، فيجوز حينئذ إعارته. قال: إذا كانت منافعه آثارًا، يعني: اشترط هنا في جواز العارية أن تكون منافع العارية آثارًا، ليست أعيانًا. ومعنى ذلك: أنه ينتفع بآثار هذه العارية لا بعينها، كالثوب وكالعبد ينتفع بآثاره: باللبس والتستر، والعبد بالعمل والخدمة ونحو ذلك. وبالدابة بالركوب، هذه كلها آثار. قال: تجوز العارية مطلقة ومقيدة بمدة. تجوز العارية مطلقة، كان يقول: يعني أريد أن أستعير منك هذا الفأس، ولا يقيده بمدة معينة، يجوز. ومقيدة، يقول: أستعير منك هذا الفأس لمدة يوم أو يومين أو شهر، فيجوز هذا وهذا. قال: وهي مضمونة على المستعير بقيمتها يوم تلفها. وهي مضمونة على المستعير بقيمتها يوم تلفها. وقد استعار النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين من صفوان بن أمية أدراعًا، فقال له: «أغصبت يا محمد؟» قال: «لا، بل عارية مضمونة». وقوله: مضمونة على المستعير، يعني: الذي استعار هذه العارية هو ضامن إذا تلفت في يده. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.