الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 13، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
ناقش المقطع أحكام الصلاة في أماكن مختلفة، مستندًا إلى سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أشار إلى جواز الصلاة في أي مكان باستثناء المقبرة والحمام وأعطان الإبل. كما استعرض آراء الفقهاء حول الصلاة في مرابض الغنم وأعطان الإبل.
يتناول المقطع بعض الأحكام المتعلقة بأماكن الصلاة، حيث يشير إلى استحباب الصلاة في مرابط الغنم وكراهة الصلاة في أعطان الإبل، ويبين أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الأرض والحصير والحصى والطين دون الحاجة إلى سجادة أو فراش، وهذا يدل على أن الصلاة على الأرض مباشرة جائزة، وأن التوسع في استخدام السجاد والفرش ليس من هدي النبي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمُرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في كتابه «مكائد الشيطان»، فيما نقله عن إمامٍ قِدامه رحمه الله في كتابه «ذب الموسوسين»: فصلٌ من ذلك أن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة حيث كان، وفي أي مكانٍ اتفق، يعني جاء وقت الصلاة وهو فيه، فإنه يصلي، سوى ما نهى عنه، من المقبرة والحمام، وأعطان الإبل. فصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، فحيثما أدركت رجلاً من أمة الصلاة، فليصلِّ. والحديث في الصحيح، من حديث جابر رضي الله تعالى عنه. وهذا مما خُصَّت به هذه الأمة، وخُصَّ به النبي عليه الصلاة والسلام عن غيره من الأنبياء، أن الأرض كلُّها مسجدٌ وطهورٌ. فإذا جاء وقت الصلاة والإنسان في سفر، في صحراء، في طريق، يصلي، فالأرض له مسجدٌ، له أن يصلي فيها، وإن لم يكن عنده ماء، فعنده طهورٌ التراب، وما على الأرض. قال: وكان يصلي في مرابض الغنم، وأمر بذلك، ولم يشترط حائلاً، يعني حاجزاً أو مانعاً يضعه على موضع الصلاة فوق هذه الأرض التي هي مرابض الغنم، كسجادة أو قطيفة أو نحو ذلك. قال ابن المنذر: أجمع كلُّ من يُحفَظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابط الغنم، إلا الشافعي، فإنه قال: أكره ذلك إلا إذا كان سليماً من أبعارها. والصحيح أنه لا كراهة، لأنه ثبت الإذن من النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة فيها. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلوا في مرابط الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. والحديث صحيح: «صلوا في مرابط الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل». ومرابط الغنم يعني مواضع التي تكون فيها وتُحفَظ فيها، بمعنى الحظيرة أو نحوها. وهذا فهمٌ لأهل العلم بهذا على طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه، لأن مرابط الغنم لا تخلو من أبوالها ومن أبعارها، فدلَّ هذا على طهارتها، لأنه أُذِن في الصلاة فيها، والصلاة كما نعلم يُشترط لها الطهارة في البدن والثوب والبقعة. وأما النهي عن الصلاة في أعطان الإبل، يعني في مرابضها ومواضعها، لكونها خُلِقت من الشياطين كما جاء في الحديث، ففيها شيطنة، وكذلك أيضًا شيء من العدوان، فربما إذا صلَّى عندها أصابته بسوء، فلأجل هذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُصَلِّي في أعطان الإبل. قال: وروى الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تُصَلُّوا في أعطان الإبل أو مبارك الإبل»، يعني الأماكن التي تبرك فيها وتجلس فيها. وفي المسند أيضًا من حديث عبد الله بن المغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلُّوا في مرابط الغنم، ولا تُصَلُّوا في أعطان الإبل، فإنها خُلِقت من الشياطين». قالوا: في الباب عن جابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وذي الغرة، كلهم رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «صلُّوا في مرابط الغنم». وحديث جابر بن سمرة في صحيح الإمام مسلم، وحديث البراء عند أبي داود، وحديث حذيفة بن اليمان عند الطبراني، وحديث ذي الغرة عند أحمد والطبراني. وأيضاً جاء من حديث عبد الله بن المغفل عند ابن ماجه والنسائي، قالوا: في بعض ألفاظ الحديث: «صلُّوا في مرابط الغنم، فإن فيها بركة». وهو صحيح، وقصَّه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع. وقول: «فإن فيها بركة»، يعني الغنم فيها بركة في تكاثرها والانتفاع بلحمها وألبانها. وقال: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام». رواه أهل السنن كلهم إلا النسائي، حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: «الأرض كلها مسجد»، يعني موضع للصلاة، الأرض كلها موضع للصلاة يصح الصلاة عليها أو الصلاة فيها، إلا المقبرة والحمام، المقبرة: المواضع التي يُقبر فيها الموتى، فهذه لا يجوز الصلاة فيها. وما هي العلة؟ هل علَّل لكونها نجسة كما قال بعض أهل العلم؟ الجواب: لا، لأن المؤمن طاهر حيًّا وميِّتاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن لا ينجس». إذا العلة على الصحيح هي كونها ذريعة إلى الشرك، كون الصلاة فيها ذريعة إلى الوقوع في الشرك بالله جل وعلا. والحمام: والحمام مواضع الاستحمام، وكذلك أيضًا مواضع قضاء الحاجة، فهذه لا يجوز الصلاة فيها، لكونها مظنَّة، يعني محل النجاسة، ومظنَّة النجاسة، وكذلك أيضًا أنها ماء والشياطين. قال: فأين هذا الهدي من فعل من لا يصلي إلا على سجادة تُفرش فوق البساط، فوق الحصير، يعني ما يكتفي بالحصير الذي فوق الأرض، بل يضع بساطاً على الحصير، وفوق البساط سجادة. قال: ويضع عليها المنديل، هذا فوق السجادة، ولا يمشي على الحصير ولا على البساط، بل يمشي نقرًا كالعصفور. فما أحق هؤلاء بقول ابن مسعود: «لأنتُم أهدى من أصحاب محمدٍ أو أنتم على شعبتي ضلالة»، ويقصد بذلك قوله رضي الله عنه: «إني لأرى أولئك أصحاب الحلقات الذين رآهم وهم جلوس لهم حلق على كل حلقة رجل يقول: سبحوا كذا، وكبروا كذا، وهللوا كذا، فيحسبون ذلك بالحصى، فإنكر عليهم رضي الله تعالى عنه»، فقال: «إما إنكم على هدي أهدى من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أو أنكم على باب ضلالة». والحديث رواه الدارمي في سننه، وكذلك أيضًا إمام أحمد في مسنده، وهو حديث صحيح. وهكذا يقال لأمثال هؤلاء الذين لا يكتفون بالصلاة على الأرض، ويرون أن هذا لا يجزئ ولا يصح، وأنه إن صلى ربما أن صلاته باطلة، فلا بد من فراش أو حصير فوقه، يعني بساط، وفوقه سجادة، وفوقه كذا، هذا إما أنه على هدي خير من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي صلى على الأرض، وصلى على الحصير، وصلى على ما يتيسر، أو أنه على باب ضلالة. قال: وقصَّ النبي صلى الله عليه وسلم على حصير قد استرخى من طول ما لبس، فنُضِح له بالماء، وصلى عليه، ولم يفرش له فوقه سجادة ولا منديل. والحديث في الصحيحين، جاء من حديث أنس رضي الله عنه، لما زارهم النبي صلى الله عليه وسلم، ودعته جدته أم سليم إلى أن يزورها ويصلِّي عندها، فلما دخل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أين أوصلي لكم؟» فأشار إليه، فصلَّى على سجادة أو على حصير قد اسودَّ من طول ما لبس، يعني من كثرة الاستعمال، أصبح يعني أسودًا، فصلَّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ما قال: هاتوا سجادة أو هاتوا فراشًا أو هاتوا كذا حتى يضعوا فوق الحصير. فالذي لا يكتفي بالصلاة على الحصير، هذا على خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا فعل الموسوسين. قال: وكان يسجد على التراب تارة، وعلى الحصى تارة، ومسجده عليه الصلاة والسلام كان مفروشًا بالحصباء، وكان يصلي عليها عليه الصلاة والسلام، ما كان يأتي معه بسجادة يفرشها ويصلي عليها. قال: وفي الطين تارة حتى يُرى أثره على جبهته وأنفه، كما في الصحيح، في الصحيحين، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم مرة عن ليلة القدر، وأنه رآه يصلي في صبيحتها الصبح على أثر ماء وطين، أو على أثر ماء وطين، فرآه رضي الله عنه صبيحة ذلك اليوم وتلك الليلة وقد أمطرت، فصلى على أثر جبهة النبي صلى الله عليه وسلم الماء والطين، معنى أنه كان يصلي على الطين. قال: وقال ابن عمر: كانت الكلاب تقبل وتدبر، وتدخل وتخرج، وتبول في المسجد، ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك. رواه البخاري. ولم يقل: وتبول، وهو عند أبي داود بإسناد صحيح بهذه الزيادة، يعني في البخاري: «كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد، ولم يكونوا يرشون شيئًا»، لم يكونوا يرشون شيئًا، تدخل وتخرج، ويأتون يصلون، يأتون ويصلون. وفي سنن أبي داود: «وتبول». ومعلوم أن الكلب محرم أكله، فبوله نجس، ومع ذلك كانوا يأتون ويصلون. قد يقول قائل: أليس هناك أثر للنجاسة؟ الجواب: قد ربما إذا حصل شيء من البول أصابته الشمس فجفَّ فذهب أثره، فلا يحتاج إلى أن يرشوا شيئًا من الماء ويطهرون المكان الذي حصل فيه شيء من هذا البول. فالمقصود من هذا الفصل بيان أن إنكار ما يقع فيه الموسوسون من عدم اكتفائهم بالصلاة على الأرض، ويرون أنه لا بد من فراش أو بساط أو كذا ورغم حتى لا يكتفي بالحصير، وهذا كما سمعنا خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام. والأصل أن الأرض طاهرة، الأصل في الأرض حتى يتبين ويتيقن فيها النجاسة، فحينئذٍ تُطهر. وأما إذا لم يكن فيها شيء من النجاسة أو لم يعلم بحالها، فالأصل أنها طاهرة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ورحمة الله.