الدرس في كتاب الصلاة 82، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع حكم المرور بين يدي المصلي وتأثيره على صحة الصلاة، حيث اختلف العلماء في ذلك. يُشدد على عدم جواز المرور بين يدي المصلي لما ورد في الأحاديث النبوية من النهي عن ذلك.
هناك خلاف بين العلماء حول تأثير المرور بين يدي المصلي على صحة الصلاة، حيث يرى ثلاثة من الأئمة الأربعة أنه لا يقطع الصلاة، بينما يرى الإمام أحمد في إحدى الروايات أنه يقطعها في حالات معينة.
اتخاذ السترة في الصلاة يحميها من الانقطاع عند مرور أحد، حيث لا تبطل الصلاة إذا مر شخص بين المصلي والسترة، بينما تنقطع الصلاة إذا لم يكن هناك سترة ومر أحد أمام المصلي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والمرور بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة عند الثلاثة، وقال أحمد: مر كلب أسود قطعها. وأيضا في مذهب أحمد، في رواية: أنه يقطعها الكلب الأسود والمرأة والحمار. هذه المسألة عبر عنها هنا المؤلف بما يقطع الصلاة. قال: والمرور بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة عند الثلاثة، وقال أحمد: مر كلب أسود قطعها. فهذه المسألة مسألة المرور بين يدي المصلي، لا شك أن المرور بين يدي المصلي لا يجوز. لا يجوز أن يمر بين يدي المصلي؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام جاء عنه، كما في حديث البخاري، في حديث أبي الجهيم، قال: لأن يقف أحدكم أربعين خير له من أن يمر بين يدي المصلي. جاء في حديث أبي هريرة أنه قال: خير للمرء أن يمكث أربعين خير له من أن يمر بين يدي المصلي. فقالوا: أربعين سنة؟ قال: بيته. قالوا: أربعين شهرا؟ قال: بيته. قالوا: أربعين يوما؟ قال: بيته. ومعنى قال بيته: أي لا أخبركم بذلك. ولأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يخبر، إنما أطلقها، قال أربعين؛ حتى يكون الزجر أعظم، لا يدرى ما هي أربعين، هل هي أربعين سنة أو أربعين شهرا أو أربعين يوما؟ فهذا الحديث فيه عدم جواز المرور بين يدي المصلي. وأيضا جاء في حديث أبي سعيد في الصحيحين أنه قال: إذا صلى أحدكم فأراد أحد أن يمر بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان. معنى يدفعه: لا يجعله يمر. وقد حصل هذا لأبي سعيد، فما كان في المسجد الأموي، أراد شاب من بني أمية أن يمر بين يديه، فلم يجعله يمر، فدفعه. فنظر الشاب يمينا ويسارا لم يجد طريقا إلا هذه، فأراد أن يمر، فدفعه أبو سعيد ولم يجعله يمر، فلم يمر حتى انتهى، فذهب إلى مروان واشتكى. فأرسل مروان إلى أبي سعيد، فقال: يا أبا سعيد، لما لم تجعل الفتى يمر؟ فقال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: إذا صلى أحدكم فأراد أحدا أن يمر بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليدفعه. كما جاء في بعض الرواة: فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان. فلهذا هذه الأدلة تدل على عدم جواز المرور بين يدي المصلي. ومعنى بين يديه: أي بينه وبين سجوده، أي ما يصله بيده، فيقال: بين يديه. ولم يحدد الشرع كم هذا الذي يكون بين يديه، إلا على ما جاء في العرف أو في اللغة، عن ما تناله يده. فإذا مر بعيدا عنه، فالظاهر أنه جائز. وإذا كان بين يديه سترة، فمر خلف السترة، فهو جائز عند الجميع. طيب، هذه المسألة والمسألة الأخرى: هل هذا المرور يؤثر على الصلاة؟ هل المرور بين يدي المصلي يؤثر على صلاته؟ فأولا، أكثر العلماء على أنه لا يؤثر إذا كان رجل أو صبي أو شاة. لكن المصلي يحرص على أن لا يدع شيئا يمر بين يديه؛ حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام أرادت بهمة أن تمر بين يديه - بهمة: صغيرة الغنم - أن تمر بين يديه وهو يصلي، فأسرع حتى لصق بطنه الشريفة على الجدار، ومرت البهمة من خلفه. ففيه أن الإنسان، أو أن المصلي، لا يمكن أحدا أن يمر بين يديه. وسيأتي إن شاء الله الخلاف في مسألة الحرم؛ لأن هناك خلافا في الحرم: هل يجوز أن يجعل من يمر بين يديه؟ لكن نحن الآن نتكلم على العموم، ليس في الحرم. فهنا المصلي الواجب عليه أنه لا يمكن أحدا أن يمر بين يديه. طيب، إن مر أحد بين يديه، فأيضا قلنا قول عامة العلماء: أنه إذا كان رجل أو مثلا طفل - طفلا ذكرا - أو كذلك بهيمة أو غيره، فصلاته صحيحة. لكن اختلف إذا مر كلب أسود أو امرأة أو حمار، فهل تقطع الصلاة؟ معنى تقطع الصلاة: تبطلها. فهذه المسألة في خلاف، كما ذكر هنا المؤلف. فقال: إن الثلاثة - أي الشافعي ومالك وأبو حنيفة - يرون أن الصلاة صحيحة، يرون أن الصلاة صحيحة ولا تأثير للمرور على الصلاة، سواء كان الذي مر امرأة أو حمارا أو كلبا. وعند أحمد: أنه إذا كان كلبا أسود، فإنه يبطل الصلاة. وكذلك في رواية أيضا عنه، مشهورة أيضا: إذا كان حمارا أو كذلك امرأة بالغة. ويدل على هذا القول ما جاء في حديث أبي ذر في صحيح مسلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل: الكلب والحمار والمرأة». قال: «يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه شيء يستره من الناس». في رواية: «إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فيقطع صلاته المرأة والكلب أو قال: الكلب الأسود والحمار». قالوا: يا أبا ذر، فما بال الكلب الأسود من الأحمر؟ وجاء في رواية: أنه النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «الكلب الأسود شيطان». طيب، هذا الحديث يدلنا على أن هذه الأشياء تقطع الصلاة. وهذا يدل على مذهب أحمد: أنه إذا مر شيء من هذه الثلاثة الأشياء: المرأة والحمار والكلب، فإنها تقطع الصلاة. وهذا كما قلنا رواية عن أحمد. وأما قول عائشة رضي الله عنها: «شبهتمونا بالحمر والكلاب»، إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي وأنا معترضة بينه كاعتراض الجنازة. أنا عائشة رضي الله عنها، وهي فقيهة. لما سمعت هذا الحديث، قالت: كيف هذا؟ جعلتم المرأة مثل الكلب والحمار؟ معنى ثم استثنت المرأة. وهذا أيضا قول من أقوال الحنابلة باستثناء المرأة. فقالت: كنت معترضة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، كان يصلي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معترضة بين يديه اعتراض الجنازة. فقال العلماء: إن هذا الحديث صحيح، وهو أيضا فيه شبهة. لكن الجمع بين الحديثين: يقال أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما ذكر مرور المرأة، وأما إن كانت متجعة أو جالسة فلا أثر في ذلك. وكذلك أيضا مرور الرجل، إذا مر فإنه لا يمكن للمرأة، لكن لو كان جالسا أو متجعا، وصل الإنسان أمامه لا يؤثر. فكذلك المرأة إذا كانت أمام المصلي جالسة أو كذلك متجعة، والمصلي يصلي، فإنه لا يؤثر على صلاته. وإنما يؤثر إذا مرت المرأة. هذا معنى المسألة. إذا مرت هذه الأشياء الثلاثة، جاء أيضا في حديث ابن عباس، واختلف في رفعه ووقفه، نذكره في المسألة التي تأتي بعدها. فالآن هذا الحديث يدلنا على قول الإمام أحمد رحمه الله: أنه يقطع صلاة الرجل هذه الثلاثة الأشياء: المرأة والكلب الأسود والحمار. فهذا مر شيء من هذه الثلاثة الأشياء بين يدي المصلي، فإن صلاته باطلة. والواجب عليه أن يستأنف الصلاة، فيأتي بالصلاة من أول، يبدأ من أول الصلاة. أيضا هنا مسألة، وهي مسألة المرأة: هل لها سن معين؟ معنى أو سواء كانت طفلة أو كبيرة أو صغيرة؟ فهذا أيضا فيها خلاف بين العلماء. فعند الظاهرية: يقال أنها سواء كانت صغيرة أو كبيرة. لكن يقال أن لفظ المرأة لا يطلق على الصغيرة. ومما يؤيد هذا أيضا ما جاء عند أبي داود وأحمد من حديث ابن عباس أنه قال: «يقطع صلاة الرجل المرأة الحائض والكلب والحمار». يقطع صلاة الرجل المرأة الحائض والكلب والحمار. هنا المرأة الحائض: أي التي تحيض، المرأة التي بلغت. فهذا يؤيد من قال بأن المرأة هنا المرأة البالغة. وأما إن كانت صغيرة فلا يصح. وأما ما جاء عند ابن ماجة: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان عنده بنت صغيرة، فأرادت أن تمر فمنعها، ثم مرت. فقال: «هن أغلب». هذا الحديث لا يصح. النبي عليه الصلاة والسلام. فالآن خلاصة ما يذكر في هذا الباب: أن هذه الثلاثة الأشياء: المرأة الحائض الكبيرة التي بلغت، وكذلك الكلب الأسود والحمار، إذا مر بين يدي المصلي فإنه يقطع صلاته، أي يبطلها. لكن هناك مسألة نبه عليها بعض فقهاء الحنابلة، ومنهم أيضا بعض فقهاء الشافعية كالخطابي، وكذلك أيضا أشار إليها الحافظ ابن حجر، وأشار إليها جماعة. منها العلم: وهي موجودة في حديث أبي ذر، وهو أنه قال: «يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل». وإذا هنا أداة شرط. فقال: «يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل». ومعنى هذا الكلام: أنه إذا كان بين يديه سترة، فإنه وإن مر شيء من هذه الأشياء فإنه لا يقطع الصلاة. هذا مفهوم هذا الحديث. معنى ولو مر شيء من هذه الثلاثة الأشياء، ما دام أنه قد اتخذ سترة، ما دام أنه قد اتخذ سترة، فإن مر شيء بينه وبين السترة، فإنه لا يقطع صلاته. ولو مر بين يديه. وفسرها كثير من العلماء: أن المراد من قوله صلى الله عليه وسلم: «يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل». قالوا: لأنه إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرحل، سيمر من خلفها، سيمر من خلفها. لكن ظاهر الحديث ومفهومه: أن إذا كان شخص عنده سترة، فإن هذه السترة تقيه من قطع الصلاة. ويعتبر هذا من فوائد السترة، من فوائد اتخاذ السترة: أن صلاة المسلم لا تقطع ولا تبطل، ولو مر من يقطع الصلاة إذا كان بين يديه سترة. أما إذا لم يكن بين يديه سترة، ومر شيء من هذه الثلاثة، فإنها تقطع الصلاة. فهذا ظاهر هذا الحديث الذي ذكرنا، وهو الصحيح في هذه المسألة. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.