عشر قواعد في تزكية النفس 3

الدرس في عشر قواعد في تزكية النفس 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في أهمية الدعاء لتزكية النفوس

الدعاء هو مفتاح زكاة النفوس وأحد أفضل العبادات عند الله، لأنه يتضمن إظهار العجز والافتقار والتذلل لله. كما أنه مفتاح كل خير، ويجب على العبد أن يلجأ إلى الله في كل ما يريده من خير الدنيا والآخرة.

الدعاء سبيل لتجميع الخير وتثبيت القلب

الدعاء هو السبيل لجمع الخير كله، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم دعاءً لتزكية النفس وتثبيت القلب على الدين، ويجب الاستمرار في الدعاء وتحري الأوقات الفاضلة لزيادة احتمال الاستجابة.

مواطن وأوقات استجابة الدعاء

الدعاء هو وسيلة للتقرب إلى الله، وهناك مواطن وأوقات معينة تزيد فيها فرصة استجابة الدعاء مثل السحر، السفر، والصيام. يجب على المسلم أن يتحرى الحلال في كسبه ليكون دعاؤه مستجابا.

ختام بالصلاة على النبي وآله

المقطع يعبر عن ختام الحديث أو الخطاب بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه. يُظهر الاحترام والتقدير للنبي وأسرته وصحابته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن البدر، حفظه الله، في رسالته "عشر قواعد في تزكية النفوس"، بعد أن ذكر القاعدة الأولى في تزكية النفوس وتوحيد الله سبحانه وتعالى، قال: القاعدة الثانية: الدعاء مفتاح زكاة النفوس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء». الحديث رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء، وهذا يدل على أن الدعاء عبادة، وأن الله عز وجل يحب من عبده أن يدعوه، لما في الدعاء من إظهار افتقار العبد وذله وخضوعه بين يدي ربه سبحانه وتعالى، فيتحقق في حال دعائه معنى العبودية من الحب والذل والانكسار لله جل وعلا. قال: فالدعاء من أفضل العبادات عند الله سبحانه وتعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة»، كما في السنة من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه. هكذا النبي عليه الصلاة والسلام جعل العبادة تكاد أن تكون منحصرة في الدعاء. الدعاء هو العبادة؛ لأن المسلم لا ينصرف عن الدعاء، إما بلسان المقال، وإما بلسان الحال. بلسان المقال أن يدعو الله عز وجل، وبلسان الحال، فإن ما من عبادة يفعلها العبد ويتقرب بها إلى الله جل وعلا إلا وهو يريد من فعل هذه العبادة أن يستجيب الله جل وعلا له، وأن يتقبل منه، وأن يدخله الجنة، وأن يعيذه من النار. فلذلك كادت العبادة أن تكون منحصرة في الدعاء. قال: فالدعاء من أفضل العبادات عند الله سبحانه وتعالى؛ لأنه يتضمن إظهارا للعجز والافتقار والتذلل والانكسار والاعتراف بقوة الله عز وجل وقدرته وغناه. الله عز وجل هو الغني الحميد الذي لا يحتاج لأحد من خلقه، لا في ربوبيته، ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه وصفاته، وهو المغني لغيره من العباد. قال: وكبريائه وجبر كسر خواطر أعدائه، فضلا عن فضلائه أحبابه وأوليائه. قال: وله أثر عظيم في فتح أبواب الخير، كما قال شيخ الإسلام في وصيته لأبي القاسم المغربي: «الدعاء مفتاح كل خير». الدعاء مفتاح كل خير. قال: فكل خير ترجوه لنفسك وتريده من خيرات الدنيا والآخرة، فاطلبه من الله، والجأ إليه في نيله وتحصيله. إذا أردت خيرا من خير الدنيا والآخرة، فالجأ إلى الله سبحانه وتعالى، واطلبه منه؛ فإن خزائن الله جل وعلا ملأى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يغيظها نفقة، سحاء الليل والنهار». ألم تروا ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهكذا في حديث أبي ذر، الحديث القدسي في صحيح الإمام مسلم: أن الله عز وجل يقول: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر». نعم، هذا يدل على عظيم غنى الله سبحانه وتعالى. فكل خير يرجوه العبد من خير الدنيا والآخرة، فإنه يطلبه من الله. يطلبه من الله، إن أراد صحة أو عافية، أو أراد زوجة أو ولدا، أو مالا، أو يسأل الله عز وجل أن يعينه على بناء بيت، أو سداد دين، أو قضاء حاجة، أو كذلك أيضا يسأل الله عز وجل أن يغفر له ذنوبه، وأن يكفر عنه سيئاته، وأن يدخله الجنة، وأن يعيذه من النار، إلى آخر ذلك من خير الدنيا والآخرة، فإنه يطلبه من الله. قال: وقد وعظ الله سبحانه وتعالى من دعاه والتجأ إليه بالإجابة، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. فالله عز وجل أمرنا أن ندعوه، وتوعد لنا جل وعلا بالإجابة. وقال ربكم: ادعوني أستجب، أستجب لكم، أستجب في المضارع، وجاء به مجزوما؛ لأنه في جواب الطلب. ادعوني، هذا أمر طلب، الله يطلب منا أن ندعوه، فما الذي سيحصل؟ وما الذي سيتحقق إن دعوناه؟ هو حصول الإجابة. ادعوني، فإن تدعوني أستجب لكم. إذن، الواجب علينا أن ندعو الله عز وجل، وأن نتضرع إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء. ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، فسمى الله عز وجل الدعاء عبادة، ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى بها. قال: وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء، فإن الإجابة معه». هذا الأثر أخرجه الإمام الترمذي رحمه الله في سننه، وابن ماجه، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء، يعني أحمل هم الدعاء أن أدعو الله عز وجل، أن أعان على ذلك، أن وفق لأن أدعو الله عز وجل، فإذا دعوت، فإن الإجابة مع الدعاء. فلا يحمل هم إجابة الدعاء، ولكن يحمل هم الدعاء. قال: فإذا ألهمت الدعاء، فإن الإجابة معه، ويريد بذلك معنى هذه الآية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. قال: وعن مطرف بن الشخير، قال: تذكرت ما جماع الخير، قال: فإذا الخير كثير، الصوم والصلاة، وإذا هو في يد الله عز وجل، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله عز وجل إلا أن تسأله فيعطيك، فإذا جماع الخير الدعاء. هذا الأثر أخرجه الإمام محمد رحمه الله في كتابه "الزهد". يقول مطرف بن الشخير: تذكرت ما جماع الخير، يعني ما الذي يجمع الخير كله؟ قال: إذا الخير كثير، يعني أعمال الخير كثيرة، الصلاة، الصيام، الزكاة، الصدقة، قراءة القرآن، إلى آخر ذلك، الأعمال الخيرية كثيرة، لكن ما الذي يجمعها ويكون جامعا لها؟ قال: فإذا هو في يد الله، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن تسأله فيعطيك، يعني أن الخير في يد الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الخير كله بيد الله، فأنت عليك أن تطلب هذا الخير من الله. ما الذي يجمع لك ذلك ويسهل عليك ذلك؟ هو الدعاء، هو الدعاء. قال: فإذا جماع الخير الدعاء. قال: وفي باب التزكية، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في دعائه: «اللهم آتي نفسي تقواها، وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها». الحديث رواه الإمام مسلم من حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه. وهذا اللفظ قطعة من الحديث، هناك فيه ألفاظ أخرى، لكن هذا هو الشاهد. وقوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم آتي نفسي تقواها، وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها». فالنبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله عز وجل أن يزكي نفسه. اللهم آتي نفسي تقواها، أي يجعلها تقية متحلية بهذا الوصف، متصفة بهذه العبادة العظيمة، أن تكون متقية لله، مواضبة على فعل الواجبات، مجتنبة لفعل المحرمات. وزكها، زكي هذه النفس، اجعلها نفسا طيبة، نفسا مقبلة على الخير، مبتعدة عن الشر. فأنت خير من زكي النفوس؛ لأن تزكية النفوس بيد الله. الله عز وجل هو الذي يزكي النفوس، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها. أنت تسأل الله عز وجل أن يزكي نفسك، وأن يعينك على ذلك. هذا الدعاء يتضمن أن يزكي الله عز وجل نفسك، وأن يعينك على أسباب تزكية النفوس، أن يعينك ويوفقك لأن تأخذ بالأسباب التي بها تزكو نفسك، وتكون نفسك نفسا زكية. فهو جل وعلا وليها ومولاها. قالوا: في هذا الدعاء إشارة وتنبيه على أن تزكية النفوس بيد الله عز وجل، عالم الغيب، وأن مفتاحها الأعظم هو الدعاء والافتقار إلى الله تعالى. ولهذا كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». هذا الحديث جاء عند الترمذي وغيره من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وجاء من حديث عائشة وأم سلمة والنواس بن سمعان. فالنبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله عز وجل بقوله: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». الله عز وجل مقلب القلوب، هذه القلوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حيث عبد الله من عمر، إن هذه القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء». وفي الحديث الآخر: «إن القلوب بيد الله، إن شاء أزاغها، وإن شاء أقامها». فالله عز وجل هو مقلب القلوب، من كفر إلى إيمان، أو من إيمان إلى كفر، ومن طاعة إلى معصية، أو من معصية إلى طاعة. فالله عز وجل مقلب القلوب. فإذا كان الأمر كذلك، فأنت تسأل الله عز وجل أن يثبت قلبك. قال: «ثبت قلبي على دينك»، أي لا تزيغه، ولا تجعله قلبا منحرفا عن الهدى والحق والاستقامة والصلاح وحب الخير وفعل الطاعات. ثبت هذا القلب على دينك، هذا الآن تتضرع إلى الله عز وجل بالدعاء أن يثبت الله عز وجل قلبك. وإذا ثبت الله قلبك على دينه، هذا سبب من أسباب زكاة النفس، أن تكون النفس زكية، مقبلة على دين الله، وعلى شرع الله، محافظة على الواجبات، مجتنبة للمحرمات. قال: فمتى اجتمع على العبد قلبه، وصدقت ضرورته وفاقته، وقوي رجاؤه، ولم يتعجل الإجابة، يتعجل الإجابة بأن يترك الدعاء، يدعو، يدعو، ثم يترك، هذا من استعجال الإجابة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل»، يقول: «قد دعاء، قد دعا، قد دعا»، فيستحسر عند ذلك ويترك الدعاء، هذا خطأ. لا تتعجل، أنت أدع، دع، واستمر في الدعاء، استمر في الدعاء. فالله عز وجل إما أن يستجيب لك، وإما أن يدفع عنك من السوء مثله، أي مثل هذا الدعاء، وإما أن يدخره لك في الآخرة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. فأنت عليك أن تستمر، أنت في عبادة، كونك تدعو الله جل وعلا، وتتضرع إلى الله، وتذل بين يدي الله بالدعاء، أنت في عبادة، فاستمر على هذه العبادة، سواء تحقق لك المراد، أو قد يؤخره الله عز وجل، يعني لك في الآخرة يدخره لك، أو يدفع عنك من السوء مثله. فلا تدري ما هو الأفضل والأصلح لك؟ فلذلك تستمر، ولا تتعجل، وتترك الدعاء. قال: وتحري الأوقات الفاضلة، يعني في إجابة الدعاء، هذا أمر مهم. أنت تريد أن الله عز وجل يستجيب لك، إذن لابد أن تتحرى أوقات إجابة الدعاء، مثل الدعاء بين الأذان والإقامة، لا يرد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة»، كما في السنة من حديث أنس. هكذا أيضا الدعاء بعد الأذان مباشرة، بعد أن تتابع المؤذن في ألفاظ الأذان، تدعو الله عز وجل بما شئت من خير الدنيا والآخرة، فإن ذلك من مواطن إجابة الدعاء. كذلك أيضا الدعاء في أثناء السجود، في حديث ابن عباس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم»، أي حري أن يستجاب لكم. كذلك أيضا الدعاء في السحر، في الثلث الأخير من الليل، وقت نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا، نزولا يليق بجلاله، فهو موطن من مواطن إجابة الدعاء. كذلك أيضا في السفر، كذلك في حال الصيام، ونحو ذلك من مواطن إجابة الدعاء. قال: فلا يكاد يرد دعاؤه، يعني إذا تحرى المسلم مواطن الإجابة، واستمر في الدعاء، ولم يتعجل، فإن الله عز وجل يستجيب له. مع ذلك الابتعاد عن أسباب موانع إجابة الدعاء، وهو أن يتحرى أن يكون مأكله ومشربه مما أحل الله سبحانه وتعالى. فإن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم يقول: «ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟». فكون المسلم لا يبالي بما كسب من الأموال، يعني مما أحل الله سبحانه وتعالى، بل ربما يكتسب المال بطرق محرمة، ثم يريد من الله جل وعلا أن يستجيب له. فإذا كان كسبك محرما، هذا مانع يمنع من إجابة الدعاء، إلا إن شاء الله. هذا يتحرى المسلم أن يكون كسبه حلالا. قالوا: أعظم ما يعينك على الدعاء معرفتك أن زكاة نفسك بيد الله عز وجل. فالله سبحانه وتعالى هو الذي يزكي من يشاء، والأمر كله له، وتحت مشيئته، كما قال الله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ﴾، أي: ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئا من الشر يدفعه عن نفسه. هذا الأثر أخرجه الإمام الطبري رحمه الله بتفسيره. قال: أي كل ذلك إنما هو بمحض فضل الله عز وجل. إذا كان الأمر كذلك، أن تزكية النفوس بيد الله، إذن تطلب ممن يملكها، وهو الله. تطلب ممن يملكها، وهو الله. قال: وقال البراء رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ينقل معنا التراب، لما كانوا يحفرون الخندق». لما تحزبت الأحزاب، قبائل العرب المشركين، وأرادوا غزو المدينة، أشار سلمان الفارسي إلى النبي عليه الصلاة والسلام أن يحفر الخندق، يكون حماية من دخول العدو إلى المدينة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحمل معهم التراب، ويعاونهم. قال: «ينقل معنا التراب، ولقد وارى التراب بياض بطنه»، وهو يقول: «والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا». نعم، «والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا». والحديث في البخاري، وإذن كذا يخرجه الإمام مسلم في الصحيحين. هكذا النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بأن الهداية من الله، ولولا هداية الله جل وعلا لنا لما اهتدينا، ولا وفقنا لأعمال الخير وأعمال البر، وما تزكو به النفوس من صلاة وصدقة وغيرها. «والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا». قال: فالهداية والإيمان والخير كله بيد الله وحده. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرس هذا الأمر في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم، ويؤكد عليه باستمرار. فكان صلى الله عليه وسلم يستهل خطبه بقوله: «من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له». والحديث في صحيح الإمام مسلم من حديث جابر رضي الله عنه، وجاء أيضا من حديث ابن عباس، ومن حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح خطبه بقوله: «من يهد الله فلا مضل له»، أي: من أراد الله عز وجل له الهداية، فلن يستطيع أحد أن يضله، وأن يمنعه من هداية الله. ومن يضلل فلا هادي له، من أراد الله جل وعلا أن يضله، وقضى عليه بذلك، فلن يستطيع أحد من العباد أن يهديه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المغيرة: «كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». لا مانع لما أعطيت، ومن عطاء الله الإيمان والهداية والتوفيق لطاعة الله جل وعلا. ولا معطي لما منعت، من أراد الله أن يمنعه من هذا العطاء، لا يستطيع أحد أن يعطيه إياه. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما حرص على هداية عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويؤازره، كان عليه الصلاة والسلام حريصا، وشديد الرغبة في هدايته. ولما نزل به الموت، قال له: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، أشفع لك بها». فكان آخر كلامه أنه على ملة عبد المطلب، ومات على الكفر. أنزل الله عز وجل قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. انظروا، إذا منع الله عز وجل العبد الهداية، لن تستطيع أن تهديه، مهما فعلت، مهما دعوته، ومهما بينت له، ومهما ذكرت له من فضائل الهداية، وإلى آخره. لكن الله عز وجل قضى عليه بالشقاء، فلن تستطيع أن تهديه. قال: فهذا الأصل من أعظم الأبواب لتزكية النفس، أي: دعاء الله جل وعلا. قال: فمن علم أن صلاح نفسه وزكاتها واستقامتها بيد الله عز وجل، لجأ إليه، وأقبل على بابه، ملحا عليه بالدعاء، راجيا، طامعا لينال منه زكاة نفسه ونجاتها وفلاحها في الدنيا والآخرة. إلى هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.