عشر قواعد في تزكية النفس 10

الدرس في عشر قواعد في تزكية النفس 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

التحذير من العجب بالنفس والتزكية

نهى الله عن مدح النفس وتزكيتها لما فيه من مخاطر العجب والرياء، والمؤمن يرى نفسه مقصرا وظالما مهما عمل من الطاعات. يجب على المؤمن أن لا يغتر بأعماله ويعترف بتقصيره.

الافتقار إلى الله ومغفرته

دعاء النبي لأبي بكر يدل على أهمية الافتقار إلى الله وعدم الاغترار بالأعمال، حتى السابقون إلى الطاعات يحتاجون إلى مغفرة الله ورحمته. هذا الدعاء يشير إلى ضرورة الاعتراف بالتقصير والظلم.

الخوف من الله وعدم الاغترار بالأعمال

المؤمنون يخافون من عدم قبول أعمالهم رغم مسارعتهم إلى الخيرات، والخوف من الله هو سمة المؤمنين الذين يحسنون الأعمال. يجب على المسلم أن يحسن عمله ويخاف الله دون اغترار بأعماله.

صفات المؤمنين المقبولين عند الله

المؤمن الحقيقي يحسن عمله ويخاف الله، ويطلب من الله العون والتوفيق للعمل الصالح. يجب على المسلم سعى لإصلاح عمله وتزكية نفسه بتوفيق من الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في رسالته «عشر قواعد في تزكية النفس»: قال القاعدة التاسعة: الحذر من العجب والاغترار بالنفس، كما قال تعالى: ﴿فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾. قال: فنهى الله عز وجل عن مدح النفس بما يدل على زكاتها وصلاحها؛ لأن التقوى محلها القلب، والله عز وجل هو أعلم بمن حصلت منه التقوى، ولأن هذا المدح للنفس سبب لدخول العجب عليها، وسبب للرياء الذي هو محبط للأعمال. فينبغي للمسلم إذا أراد أن تزكوا نفسه أن يحذر من العجب والاغترار إذا من الله جل وعلا عليه بالصلاح والتقى والهداية والعلم، فلا يمدح نفسه، فيقول: أنا على خير، وأحفظ كذا وكذا، وأصلي لله جل وعلا كذا وكذا، وأصوم كذا وكذا، وهكذا يزكي نفسه. هذا لا ينبغي؛ ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾، الله عز وجل ينهانا أن نزكي أنفسنا؛ ﴿فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقاه﴾، الله عز وجل أعلم بمن اتقاه، وحقق هذا المقام العظيم، فهو المطلع جل وعلا على القلوب. فالذي يمدح نفسه يصيبه بذلك العجب والغرور الذي ربما يؤول به إلى ترك هذه الأعمال، وهذا الخير الذي وفقه الله جل وعلا له، أو ربما أوقعه في الرياء؛ لما يقول: أنا أصلي كذا وكذا، وأصوم كذا وكذا، وأقرأ القرآن كذا وكذا، إلى آخر ذلك. ما الداعي إلى ذلك؟ ما الداعي إلى ذكر هذه العبادات والطاعات؟ هذا ربما يوقع صاحبه في الرياء؛ أنه يرائي بهذه الأعمال حتى يمدحه الناس، ويقولون: فلان -ما شاء الله- هو من أفضل الناس عبادة وصلاة وصياما وقراءة للقرآن، إلى آخر ذلك من المدح والثناء. أنت تعمل لله جل وعلا، الله يعلم، الله أعلم بما تعملون، الله يعلم بأعمالك ومطلع على أفعالك، فلا حاجة حينئذ إلى ذكر ما وفقك الله جل وعلا له من الخير. قال: والمؤمن مهما اجتهد في فعل الصالحات واجتناب المحرمات فإنه لا يزال مقصرا وظالما لنفسه؛ أي: لا يبلغ الكمال مهما عمل من الطاعات ومن الأعمال الصالحة، فمزال التقصير حاصل والتفريط واقع. قال: وإذا كان أبو بكر رضي الله عنه -صديق هذه الأمة وخير الناس بعد الأنبياء، وهذا باتفاق- أن خير هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، قال: لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دعاء يدعو الله به في صلاته، علمه صلى الله عليه وسلم أن يقول: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم»، والحديث في الصحيحين. قال: فكيف الشأن بمن هو دونه؟ يعني: إذا كان هذا حال أبي بكر رضي الله عنه -صديق هذه الأمة، خير هذه الأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام، أحد العشرة المبشرين بالجنة، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم- يعلمه النبي عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء الذي فيه اعتراف بالظلم والتقصير والتفريط، مع أنه كان رضي الله عنه من أسبق الصحابة إلى فعل الخيرات وإلى فعل الطاعات، لم يكن أحد من الصحابة يستطيع أن يسبقه، ما يستطيع أحد أن يسبقه، كان سباقا رضي الله تعالى عنه. النبي عليه الصلاة والسلام في يوم من الأيام يقول: من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا. قال: من عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: من تصدق اليوم بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما اجتمعت هذه الأعمال في يوم إلا استحق صاحبها دخول الجنة. ولما أراد عمر رضي الله عنه أن يسابقه -عمر الفاروق أراد أن يسابق أبا بكر- حث النبي صلى الله عليه وسلم يوما على الصدقة كما في السنن، فجاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله، ورأى أنه سيسبق أبا بكر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم النصف. فجاء أبو بكر رضي الله عنه بماله كله، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله. فقال عمر رضي الله عنه: والله لا أسبقك بعدها أبدا، لا أستطيع أن أسبقك. هكذا كان رضي الله عنه، كان ينفق أمواله، يشتري العبيد والأرقاء ويعتقهم لوجه الله، منهم: بلال رضي الله عنه، اشتراه واعتقه، حتى قال له أبوه -أبو قحافة-: لو أنك اشتريت -يعني- رقابا أقوياء يعينوك. قال: يا أبتي إني أريد ما أريد. فأنزل الله جل وعلا: ﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى﴾. نزلت هذه الآيات في أبي بكر رضي الله تعالى عنه. ومع هذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: دلني أو أخبرني بدعاء أدعو الله به. قال: قل: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم». علمه النبي عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء الذي فيه الاعتراف بالتقصير والتفريط والافتقار إلى الله جل وعلا، وظلم الإنسان لنفسه وحاجته إلى مغفرة ربه سبحانه وتعالى. إذا كان هذا يقوله أبو بكر، فكيف بمن كان دونه؟ كيف بي وبك؟ نحن أولى وأحرى أن نقول مثل هذا الدعاء، وأن نعترف بالظلم والتقصير والتفريط، وأن لا نغتر بأعمالنا، وأن لا نعجب بأفعالنا، وأن لا نزكي أنفسنا. قال: وعندما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾، قالت: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ يعني: أنهم يفعلون الذنوب، الخطايا، وكبائر الذنوب كشرب الخمر والسرقة، وعندهم الخوف من الله جل وعلا مما اقترفوا من هذه الذنوب؟ هل هؤلاء هم المرادون بهذه الآية؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا، يا بني الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا تقبل منهم». ذكر هذا الحديث الإمام الترمذي رحمه الله في جامعه، وصححه علامة الألباني رحمه الله. فهكذا مدح الله عز وجل عباده المؤمنين المسارعين بفعل الخيرات، المحافظين على فعل الطاعات، المجتنبين للمعاصي والمحرمات؛ أنهم يفعلون الطاعات والعبادات والأعمال الصالحات، وهم على خوف ووجل ألا يتقبل منهم؛ ﴿والذين يؤتون ما آتوا﴾؛ يعني: من الأعمال والطاعات، من صلاة وصيام وصدقة وغير ذلك من أعمال البر. ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾؛ قلوبهم خائفة؛ ﴿أنهم إلى ربهم راجعون﴾؛ يعلمون أنهم سيرجعون إلى الله، وسيحاسبهم الله سبحانه وتعالى. فدل هذا أن المؤمن ينبغي أن يحسن العمل، وكذلك أن يكون خائفا من عدم قبول أعماله، وأن لا يغتر ويعجب بما وفقه الله سبحانه وتعالى من الخير. قال: وقال عبد الله بن أبي مليكة رحمه الله: أدركت أكثر من ثلاثين صحابيا، كلهم يخاف على نفسه، كلهم يخاف النفاق على نفسه. والأثر أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه معلقا بصيغة الجزم. وما علقه الإمام البخاري رحمه الله بصيغة الجزم فهو موصول، فهو -يعني- صحيح إلى من علقه عنه، هذا هو الغالب. فعبد الله بن أبي مليكة يقول: أدركت أكثر من ثلاثين صحابيا، كلهم يخاف النفاق على نفسه؛ يعني: ما يقول: أنا -يعني- سالم من النفاق، أنا مو من كامل الإيمان. عندهم الخوف، الخوف من الله جل وعلا، هم يحسنون الأعمال، لكن مع ذلك لا يزكون أنفسهم، ولا يغترون بأعمالهم، ولا يعجبون بها، بل يخافون أن لا تتقبل منهم الأعمال، أو يخافون أن يكون عندهم شيء من النفاق، ونحو ذلك مما يدل على إيمان العبد؛ لأن المؤمن يخاف، يخاف من النفاق، يخاف أن لا يتقبل منه. نعم. فهكذا يجمع المؤمن بين الإيمان والعمل الصالح والخوف من الله جل وعلا. قال: وقال الحسن البصري رحمه الله: المؤمن جمع إحسانا وشفقة، والمنافق جمع إساءة وأمنا. ثم تلا الحسن: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون﴾. والأثر أخرجه الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره. يقول الإمام الحسن البصري: المؤمن جمع إحسانا وشفقة؛ إحسان في العمل، وشفقة -أي- خوف من الله جل وعلا. والمنافق جمع إساءة وأمنا؛ إساءة في الأعمال، تفريط الواجبات، وتضيع في حقوق الله وحقوق الخلق، وكذلك أيضا إساءة في فعل السيئات والذنوب والخطايا. وأمنا -أي- من مكر الله، وأمنا من عقوبة الله جل وعلا، هذا حال المنافق. وهكذا أيضا حال المؤمن؛ فإنه يجمع بين الإحسان والشفقة. ثم تلى هذه الآية: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾. هكذا حال المؤمن الذي يحسن العمل، ويكون عنده الخوف من الله جل وعلا، ولا يكون عنده العجب والغرور بأعماله. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا منهم، وأن يعيننا جل وعلا على إصلاح الأعمال وعلى تزكية نفوسنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.