التعليق على كتاب القواعد المثلى 11

الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تنزيه الله تعالى وتقسيم الصفات

يناقش تنزيه الله تعالى عن النقائص وتقسيم الصفات إلى كمال محض ونقص محض وصفات تحتمل الكمال والنقص، ويشرح كيفية التعامل مع هذه الصفات في حق الله عز وجل.

صفات الله تعالى التي تقابل صفات المخلوقين وتحليلها

يشرح كيفية فهم الصفات التي تكون كمالا في حال ونقصا في حال أخرى مثل المكر والخداع والاستهزاء، ويفرق بينها وبين صفات النقص المطلق مثل الخيانة.

تحذير من نسبت الخيانة والظلم إلى الله تعالى

يناقش معنى الخيانة والظلم في القرآن ويحذر من نسبتها إلى الله، ويستدل بالآيات والأحاديث على تحريم الظلم ونفيه عن الله عز وجل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى الشيخ العثيمين: قال وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، قال: ونزه نفسه عما يصفونه به من النقائص، فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِكَ رَبِّ الْعِزَةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. والاستثناء إن شاء الله وتعالى لتفصيل الصفات، لكن هنا نأخذ أن الله عز وجل نزه نفسه عما يصفه الواصفون من النقائص، وهذا يدل على كمال صفاته سبحانه وتعالى، يدل على كمال صفاته سبحانه جل وعلا. ومعلوم أن الصفات لها ثلاثة أحوال: إما أن تكون صفة كمال محضة، صفة كمال محضة، فهذه تثبت لله عز وجل، كصفة العلم والإرادة والقوة وغيرها. وصفات نقص محضة، فهذه تنفى عن الله عز وجل، صفات نقص محضة. لكن هناك القسم الثالث: صفات تكون كمالا في حال ونقصا في حال، فهذه نثبت كمالها وننفي نقصها. فهذا غالبا يكون في الصفات المقابلة، مثل الخداع، هذه الصفة لا تثبت لله عز وجل مطلقا، لا، وإنما تثبت مقيدة. ولهذا لم تأت في القرآن أن الله عز وجل يخدع أحدا، لكن قال الله عز وجل: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، و﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، معنى ذلك أن الله يقابلهم بصفتهم، هم يخدعون الله عز وجل، فيخادعه، ويمكرون فيمكر الله، والله خير الماكرين. لكن لا يقال: الله يمكر بفلان، لا، لا يقال هذا، وإنما يمكر بالماكرين. لكن الإنسان يخاف من مكر الله عز وجل، لا يأمن مكر الله، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الكافرون والخاسرون. فلهذا صفات الله عز وجل على هذا التقسيم الثلاثي، فما كان كمالا محضا أثبت لله عز وجل، لأن الله عز وجل نزه نفسه عن النقص، نزه نفسه عن النقص. ولهذا قال هنا: وإذا كانت الصفة كمالا في حال ونقصا في حال، لم تكن جائزة في حق الله، ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، هذه الحالة الثالثة التي تكون الصفة فيها كمالا وفي حال نقص، ولا ممتنعة، فلا تثبت له مطلقا، ولا تنفى عنه نفيا مطلقا، بل لا بد من التفصيل، فيجوز في الحال التي تكون كمالا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصا، وذلك كالمكر والكيد والخداع ونحوها. فهذه الصفات تكون كمالا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها، لهذا حتى أن بعض السلف لما سئل عن الكبر، قالوا: التواضع التكبر على المتكبرين. معنى هذا يريد أن ليس التواضع هذا أصلا، لكن يريد أن يوهم أنه ليس متواضعا من تواضع للمتكبرين، لأن المتكبر إذا تواضعت له زاد في كبريائه وزاد في عتوه. فلهذا يقول: إن من التواضع التكبر على المتكبرين. فأعاد الشيخ العثيمين النظر إلى هذا الفقه، قال: التواضع التكبر على المتكبرين، معنى هذا أنه يبين أنها صفة كمال تكون في الرجل، عمر بن الخطاب، وإن كان هذا في المخلوق، لكن هي صفة كمال في المخلوق، وصفة مقابلة. فقال عمر رضي الله عنه: «لست بالخب ولا الخب يخدعني»، وليست أيضا أخدعنا، أو ليست بالخب، معناه لست ممن يخدع الناس ويعاملهم بالغش والخداع، لكن الخب لا يخدعني، بل أعرف خداعه وعامله على خداعه. فمثل هذه الصفات التي تقابل بصفات من يقابل الناس بها، فلهذا فالخداع على المخادع كمال، والاستهزاء على المستهزئ كمال، وكذلك المكر على الماكر كمال. فهذا الذي يمكر يمكر به، فالله عز وجل أثبت هذه الصفات مقابلة، لم يثبتها مطلقا. قال: فهذه الصفات تكون كمالا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها، لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد. وتكون نقصا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكر الله تعالى من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنما ذكر في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها، كقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. بعضهم يخطئ فيذكر هنا الخيانة، الخيانة ليست من هذه الصفات، الخيانة نقص مطلقا، فلا تدخل في هذه الصفات. بعضهم أو بعض طلبة العلم يخطئ أو يكون سبق لسان أحيانا، فالخداع والمكر والاستهزاء هذه من صفات المقابلة، أما الخيانة لا، الخيانة صفة نقص مطلقة. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿فَإِنْ أَرَادُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾، ما قال: فخانهم، وإنما قال: فأمكن منهم. فالخيانة تكون صفة مذمومة مطلقا، لأنها تعتبر من صفات الغدر، والصفات الغدر لا تكون من الصفات التي يكون فيها كمال، فالغدر غالبا يكون خيانة، خيانة العهد، خيانة الأمانة، هذا كله يعتبر صفة نقص، وليست من هذه الصفات. قال: وقال جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. قال رحمه الله: ولهذا لم يذكر الله تعالى أنه خان من خانه، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، فقال: فأمكن منهم، ولم يقل: فخانه، لأن الخيانة خدعة في مقام الأمان، وهي صفة ذم مطلقا. وبذا عرف أن قول بعض العوام: «خان الله من يخون»، منكر فاحش يجب النهي عنه. وأيضا أعظم منها: «ظلمني الله يظلمه»، هذا يقولونه بعض العوام، يقول: ظلمني فلان، الله يظلمه، هذا أيضا منكر عظيم. والله عز وجل لا يظلم، يتقال در له، وإن كان هذا الشخص ظالما، لا يظلمه الله. ولهذا يقول الله عز وجل لأعتى الناس ولأكفر الناس، يقول له: هل ظلمتك شيئا؟ فيقول: لا يا رب، عندما يحاسب الله عز وجل بعض المشركين أو بعض غيرهم، فيقول: هل ظلمتك شيئا؟ فيقول: لا، فربنا جل وعلا حكم عدل في الأخبار. وكذلك كما قال الله عز وجل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، صدقا في الأقوال، وعدلا في الأخبار. فلهذا أقصد صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام، فحكم الله عز وجل هو العدل، لا يظلم ربك أحدا. فلم يقل الله عز وجل مثلا: قوله جل وعلا: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾. فلهذا فهذا منكر عظيم يقال: ظلمني فلان، الله يظلمه، هذا لا يجوز. وهكذا أيضا: خانني فلان، الله يخونه، هذا أيضا لا يجوز. أو بعضهم كما ذكر الشيخ هنا: «خان الله من يخون»، ويقول مثلا: ظلمني فلان، الله يظلمه، أو يقول مثلا والله مثلا بعضهم يقول لشخص مثلا يقول له: أنت ظلمتني، يقول: والله يظلمني إن ظلمتك، هذا كلام أيضا باطل، فالظلم لا ينسب إلى الله عز وجل أبدا. الله عز وجل يقول في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلت بينكم محرما فلا تظالموا». طيب إن شاء الله تعالى نكتب في هذا.