الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 58، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتميز أهل السنة بحبهم لأئمة السنة وبغضهم لأهل البدع، مستندين في ذلك إلى الآيات والأحاديث النبوية. كما أنهم يتمسكون بأقوال علمائهم لأنها مستمدة من الكتاب والسنة.
يبرز المؤلف مكانة الأئمة الأربعة في نشر السنة، مشيرًا إلى مناقبهم وفضلهم. كما يشير إلى منزلة الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن إدريس الشافعي عند أهل السنة.
يشير المؤلف إلى اتفاق أئمة الحديث عبر العصور على عقيدة السلف وتمسكهم بالسنة، مع التشديد على ضرورة الابتعاد عن أهل البدع.
يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى أنه سيتم التطرق إلى مزيد من التفاصيل في درس لاحق، ويكتفي بما تم شرحه حتى الآن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه. قال الإمام الصابوني رحمه الله: علامات أهل السنة، قال: ومن علامات أهل السنة حبهم لأئمة السنة وعلمائها وأنصارها وأوليائها، وبغضهم لأهل البدع الذين يدعون إلى النار، مثل ما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها»، حديث صحيح في الصحيحين. قال: ويدلون أصحابهم على دار البوار، مثل الحديث: «إن هؤلاء أئمة دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها». وهذا مثل ما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾، أي: جاءوا بقومهم إلى النار، وجروهم إلى الضلال، والعياذ بالله. قالوا: قد زين الله سبحانه قلوب أهل السنة ونورها بحب علماء السنة، فضلا منه جل جلاله. وهذه من أعظم علامات أهل السنة أنهم يحبون علماءهم، المتقدمون منهم والمتأخرون، ويحبونهم محبة شرعية، ولا يغلون كغلو الصوفية، ولا أيضا يجفون فيهم، بل يحبونهم محبة شرعية. وأيضا يعظمون آراءهم وأقوالهم، وخاصة إذا اجتمعوا عليها، فإنهم لا يجتمعون إلا على حق. أهل السنة لا يجتمعون إلا على حق، فلهذا فإنهم يتمسكون بأقوالهم لأنها مأخوذة من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. قال رحمه الله: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، أنا صاحب كتاب المستدرك محمد بن عبد الله بن حميد أبو عبد الله النيسابوري الحافظ، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن الفضل المزكي، قال: حدثنا أحمد بن سلم النيسابوري، قال: قرأ علينا أبو رجاء قتيبة بن سعيد كتاب الإيمان له، قال: فكان في آخره: «فإذا رأيت الرجل يحب سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وشعبة، وابن المبارك، وأبا الأحوص، وشريكا، ووكيعا، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، فاعلم أنه صاحب سنة». هذه علامة صاحب السنة أنه يحب العلماء ولا يتكلم فيهم ولا يخدش فيهم. وما كان من خطأه مغفور في بحر حسناتهم. وكذلك أيضا لا يؤثر عليهم بأن الإنسان لا يخلو من الخطأ، وأيضا الإنسان معرض للخطأ، فلهذا لا يؤثر خطأ هؤلاء باشتهار خيرهم. قال أحمد بن سلم رحمه الله: فألحقت بخطي تحته: يحيى بن يحيى الليثي النيسابوري، إمام أهل نيسابور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الراهوي. فلما انتهينا إلى هذا الموضع نظر إلينا أهل نيسابور، وقالوا: هؤلاء القوم يتعصبون ليحيى بن يحيى. فقلنا له: يا أبا رجاء، ما يحيى بن يحيى؟ قال: رجل صالح، إمام المسلمين. وإسحاق بن إبراهيم إمام، وأحمد بن حنبل عندي أكبر منهم كلهم، حتى أكبر من يحيى بن يحيى. قال: لأن الإمام أحمد رحمه الله اجتمعت فيه صفات كثيرة لم تجتمع في أحد من هؤلاء، فهو في العلم رأسا وإمام، وهو كذلك في السنة، وهو كذلك أيضا في الزهد والورع، وكذلك أيضا في معرفة فقه الحديث ومعرفة مشارب الناس، وأيضا أشياء كثيرة اجتمعت في هذا الإمام لم تجتمع في غيره، ولهذا كان إمام أهل السنة رحمه الله. قال رحمه الله: وأنا ألحقت بهؤلاء الذين ذكروا بقتيبة رحمه الله أن من أحبهم فهو صاحب سنة، من أئمة الحديث الذين بهم يقتدون وبهديهم يحتدون. ومن جملتهم ومتبعيهم وشيعتهم أنفسهم يعدون، وفي اتباعهم وآثارهم يجدون جماعة آخرين منهم محمد بن إدريس الشافعي، الإمام المقدم، والسيد العظيم. قال: لا يقل عن هؤلاء، هو إمام في السنة، بل إنه نصر السنة عندما كان مثلا الحنفية وغيرهم يتبجحون بالفقه، فجاء لهم بأصول الفقه على موافقة السنة. ولهذا تعجب كثير من علماء الحديث من هذا العلم العظيم الذي جاء به محمد بن إدريس الشافعي. قال: العظيم المنة على أهل إسلام السنة، الموفق الملقن الملهم المسدد الذي عمل في دين الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من النصر لهما والذب عنهما ما لم يعمل أحد من علماء عصره ومن بعدهم. قال: ومنهم الذين كانوا قبل الشافعي رحمه الله، كسعيد بن جبير، والزهري، والشعبي، والتيمي، وإبراهيم التيمي. ومن بعدهم كالليث بن سعد المصري، والأوزاعي، والثوري، وسفيان بن عيينة. وهؤلاء قد ذكرهم قتيبة أن ذكر الثوري والأوزاعي وابن عيينة منهم. قال: وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ويونس بن عبيد، وأيوب السختياني، وابن عون ونظرائهم. ومن بعدهم مثل يزيد بن هارون الواسطي، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، وجرير بن عبد الحميد الضبي. قال: ومن بعدهم مثل محمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج القشيري، وأبي داود السجستاني، وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم الرازي، وابنه، ومحمد بن مسلم بن وارة الرازي، ومحمد بن أسلم الطوسي، وأبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجستاني. قال: أولئك كلهم أئمة من أئمة الحديث، والإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري الذي كان يدعى إمام الأئمة. هذا اللقب كان قديما، وهو في عصره يقال له إمام الأئمة لأن أئمة ذلك الوقت كانوا تلاميذه. قال: ولعمري كان إمام الأئمة في عصره ووقته، وأبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل البستي، والحسن بن سفيان الفسوي صاحب المعرفة والتاريخ. وجدي من قبل أبوي، أبو سعيد يحيى بن منصور الزاهد الهروي، وأبو حاتم عدي بن حمدان الصابوني، وأبو عبد الله الصابوني، وأبو عبد الرحمن النسائي، وغيرهم من أئمة السنة المتمسكين بها، ناصرين لها، داعين إليها، ووالين عليها. قال: فأولئك كلهم أهل السنة، كلهم على عقيدة السلف. وهذه الجمل التي أثبتها في هذا الجزء كان معتقد جميعهم لم يخالف فيها بعضهم بعضا، بل كلهم على ذلك. قد يكون بعض الأشياء الفرعية يختلفون فيها، لكن غالبا وإجمالا فهم متفقون عليه، بل أجمع عليها كلها، ولم يثبت عن أحد منهم ما يضادها. قال: واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع وإذلالهم وإخزائهم وإبعادهم وإقصائهم، والتباعد منهم ومن مصاحبتهم ومعاشرتهم، والتقرب إلى الله عز وجل بمجانبتهم ومهاجرتهم. إن شاء الله هذا نذكره في درس لاحق، ونكتفي بهذا.