كتاب البيوع 58

الدرس في كتاب البيوع 58، ألقاها

النهي عن شراء الصدقة والعائد فيها

يشرح الحديث النبوي الذي ينهى عن شراء الصدقة والعائد فيها، ويستدل بحديث عمر بن الخطاب الذي تصدق بفرس ثم أراد شراءه بعد ضياعه. يبين المقطع كراهة الرجوع في الصدقة.

مسألة الرجوع في الهبة والصدقة

يناقش المقطع مسألة الرجوع في الهبة والصدقة، ويستدل بحديث النبي حول كراهة الرجوع في الصدقة، ويشير إلى آراء العلماء في هذه المسألة، ويبين أن الصدقة غير المضبوطة يمكن الرجوع فيها.

وجوب العدل بين الأولاد في العطايا

يشرح حديث النبي الذي يوصي بالعدل بين الأولاد في العطايا ويحذر من الظلم، ويستدل به على وجوب التسوية بينهم، ويبين أهمية العدل في العطايا.

التوبة والاستغفار وذكر الله تعالى

يعبر المقطع عن التوبة والاعتراف بذنوب العبد وطلب المغفرة، ويتضمن الدعاء لله بالتسبيح والاستغفار، ويظهر التوجه الديني والاعتراف بالعجز عن عبادة الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب البيوع منه، في باب الرهن وغيره: قال عن عمر رضي الله عنه قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لا تشتره ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه». قوله: «حملت على فرس في سبيل الله» أي حمل عليه رجلا في سبيل الله، والمعنى أنه ملكه له. ولذلك ساغ له بيعه. ومنهم من قال: كان عمر قد حبسه، أي أوقفه. وإنما ساغ للرجل بيعه لأنه حصل فيه هزال أجز لأجله عن اللحاق بالخير وضعف عن ذلك، وانتهى إلى حالة عدم انتفاع به. وأجز ذلك ابن القاسم والحافظ رحمه الله تعالى. قوله: «فأضاعه الذي كان عنده» قالوا: أي قصر في مؤنته وحسن القيام به، أي فلم يعتني به اعتناء يستحقه. وقوله: «فأردت أن أشتريه» وظننت أنه يبيعه برخص، وذلك لأنه لما رأى عمر الفرس ضيع وصار هزيلا ضعيفا، ظن أنه سيبيعه بسعر رخيص. قوله: «فسألت النبي صلى الله عليه وسلم» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشتره ولا تعد في صدقتك». قالوا: في قوله «ولا تعد في صدقتك» سمى النبي صلى الله عليه وسلم شراءه برخص عودا في الصدقة، من حيث أن الغرض منها ثواب الآخرة. قوله صلى الله عليه وسلم: «كالعائد في قيئه» استدل به على تحريم ذلك، لأن القيئة حرام. قال القرطبي: وهذا هو الظاهر من سياق الحديث. ويحتمل أن يكون التشبيه للتنفير خاصة، أي ليس للتحريم، ولكن للتنفير عن هذا الفعل لكون القيئ مما يستقذر. ويلتحق بالصدقة في قوله «ولا تعد في صدقتك» كفارة الكفارة، والنذر، وغيرهما من القربات. قالوا: أما إذا ورثه، فلا كراهة. يعني مثال ذلك أن يهب فرسا أو عبدا أو بيتا أو غير ذلك لعمه، فمات عمه وليس له وارث إلا هو، هل له أن يرث البيت؟ الجواب أنه له أن يرث البيت. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا بعيد، أي هذا القول ليس بصحيح. قال الطبري رحمه الله تعالى: يخص من عموم هذا الحديث من وهب بشرط الثواب، ومن كان ولدا أو والدا، والموهوب له ولده. قال: والهبة التي لم تقبض، والتي ردها الميراث إلى الواهب، له استثناء كل ذلك. قالوا: أما ما عدا ذلك، فالغني يثيب الفقير، ونحو من يصل رحمه، فلا رجوع لهؤلاء. قال: ومما لا رجوع فيه مطلقا الصدقة يراد بها ثواب الآخرة. قال: وعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العائد في هبته كالعائد في قيئه». وهذا تقدم الكلام عليه في حديث عمر رضي الله عنه. وقوله في لفظ: «فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». وفي هذه الزيادة وهي «كالكلب» جاء في الحديث الأول «كالعائد في قيئه». ها هنا جاء زيادة وهي «كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». بعض أهل العلم استدل بهذه اللفظة على أن النهي للكراهة لا للتحريم. قال: وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: «تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلق أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهد على صدقته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفعلت هذا بولدك كلهم؟» قال: لا. قال: «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم». فرجع أبي فرد تلك الصدقة». وفي لفظ قال: «فلا تشهدني، إذن فإني لا أشهد على جور». وفي لفظ: «فأشهد على هذا غيري». قوله رضي الله عنه: «قال تصدق علي أبي ببعض ماله» فيه أن الإنسان إذا تصدق بصدقة أو وهب شيئا، فيستحب له أن يشهد على تلك الصدقة أو الوقف أو الوصية أو ما شابه ذلك. قوله صلى الله عليه وسلم: «أفعلت هذا بولدك كلهم؟» فيه دلالة على أن من طلب منه الشهادة يجب عليه أن يستثبت في الشهادة. فإن كان في الشهادة معنى من معنى الظلم أو الجور أو التقصير أو الإفراط أو التفريط، ينبغي له أن يسأل عن ذلك. قوله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم» استدل به أهل العلم على أن من أعطى بعض الأولاد دون بعض، أن هذا ليس من تقوى الله. وإذا كان ليس من تقوى الله فإنه لا يجوز. قوله صلى الله عليه وسلم: «واعدلوا في أولادكم» يدل على أن الواجب العدل بين الأولاد في العطية. وسيأتي معنا بإن الله جل وعلا مسألة وهي التفريق بين وجوب التسوية في العطية وبين العدل في النفقة. قوله: «فرجع أبي فرد تلك الصدقة» يستدل بها من يستدل من أهل العلم على أن الصدقة إن كانت غير مضبوطة بضابط الشرع، فإنها تكون غير معتبرة. فللمتصدق أن يرجع فيها. قوله وفي لفظه قال: «فلا تشهدني، إذن فإني لا أشهد على جور». وهذا يدل كذلك ويؤكد المعنى أن هذا الفعل فيه ظلم وجور، لأن الجور فيه معنى تعد والظلم. والله تعالى أعلى وأعلم. ونكتفي بهذا القدر. وإن شاء الله تعالى غدا ندخل بما تيسر بإذن الله جل وعلا من مسائل الهبات والعطايا التي مدار هذه الأحاديث عليها. نسأل الله جل وعلا الإعانة والتوفيق. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على