نصيحة للتجار

الخطبة بعنوان نصيحة للتجار، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة - الشحر بتاريخ 3 رجب 1443هـ الموافق 4 فبراير 2022م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم أكل أموال الناس بالباطل واستثناء التجارة

يتناول تحريم أكل أموال الناس بالباطل مع استثناء التجارة عن تراض من هذا التحريم، ويشرح أهمية التفقه في الدين.

فضل التجارة الحلال وأثر الصدق فيها

يبرز فضل التجارة الحلال التي تتسم بالصدق والأمانة، ويشير إلى الأحاديث النبوية التي تبين أجر التاجر الصدوق الأمين.

أحكام التجارة والتوازن بينها وبين العبادة

يشرح أحكام التجارة في الإسلام مع التركيز على الصدق والأمانة، ويحذر من الغش والخيانة مع التأكيد على التوازن بين التجارة وطاعة الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعود بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ألا إنما قول كفى خير مما ألهى ومما شغل وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾. يخبر الله عز وجل في هذه الآية ويأمر أهل الإيمان وينهاهم كذلك أن لا يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، أن لا يأكل بعضهم مال بعض بالحرام بالسرقة والرشوة والغش والخداع، فلا يجوز لمسلم أن يأخذ مال أخيه بغير حق. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾، أي بيع وشراء، فالتجارة المراد بها البيع والشراء على تراض منكم، أي تراضيتم في هذا البيع والشراء، فهذا حلال. كما قال الله عز وجل في آيات الربا: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام﴾. هذه الآية يبين الله عز وجل فيها أنه حلل البيع والشراء وحرم الربا، لا كما زعمه اليهود وزعم هؤلاء الكفار أن البيع مثل الربا، فرد الله عز وجل زعمهم فقال: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾، فالبيع عقد والربا عقد، لكن البيع عقد حلال والربا عقد محرم ممحوق، كما أخبر الله عز وجل: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾. فلهذا عباد الله، هذه التجارة التي أخبر الله عز وجل عنها وحلها الله عز وجل في كتابه وهي البيع والشراء بين الناس في أموالهم وفي أغراضهم وفيما يمتلكون، فلأجل الحاجة حاجة الناس لما في بعض في أيدي البعض أحل الله عز وجل البيع، لكنه قال: ﴿وحرم الربا﴾. فلهذا عباد الله، المسلم يجب عليه أن يتحرى الحلال في البيع والشراء الذي يحله الله، وذلك بالتفقه في دين الله جل وعلا وسؤال أهل العلم فيما يشكل عليه. جاء في الصحيحين في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام». انظر يا عبد الله، نبينا عليه الصلاة والسلام يبين أن الحلال واضح والحرام واضح، لكن هناك أمور تشتبه على الناس. فلهذا كان عمر رضي الله عنه إذا خرج إلى السوق يأمر من كان في السوق يبيع ويشتري أن يتفقه في دين الله. جاء في رواية عنه أنه قال: «لا تبيعوا حتى تتفقهوا، فإن الذي لم يتفقه فإنه سيقع في الربا شاء أم أبى». والربا المراد في مصطلح الصحابة رضي الله عنهم المراد كل ما خالف البيع الشرعي. فلهذا عباد الله، ربنا جل وعلا أحل التجارة في هذه الآية كما قال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. قال أخرج الإمام الطبري رحمه الله عن قتادة أنه قال في هذه الآية: «التجارة رزق من رزق الله وحلال من حلال الله». وربنا جل وعلا قد فضل التجارة الحلال وجعل لها فضلًا عظيمًا، فإنه يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿علم أن منكم مرضى وآخرون يطربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله﴾. قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره: «إن الله عز وجل في هذه الآية سوى بين درجة المجاهدين في سبيل الله وبين من يتكسب بالكسب الطيب الحلال». فالتكسب الحلال والتجارة الحلال هي من الجهاد في سبيل الله، فإن صدقت نية العبد كان جهادًا مأجورًا عليه. أخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: «باب التكسب في التجارة» وذكر قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيثة تنفقون ولستم بآخذيها إلا أن تغمضوا فيها﴾. فربنا جل وعلا ذكر في هذه الآية أن الكسب الحلال والطيب ينبغي للمسلم أن يحرص عليه حتى ينفق على أهله وينفق على الفقراء وينفق في سبيل الله جل وعلا. وكذلك عباد الله، فإن العبد المسلم يكتسب من هذه الطيبات، وخير ما اكتسب بيده كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. أخرج الإمام الترمذي عن رفاعة بن رافع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء». وجاء في حديث ابن عمر عند الحاكم: «التاجر الصدوق الأمين مع الشهداء يوم القيامة». ننظر إلى هذا الأجر العظيم، رفعه الله عز وجل مع أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء. رفع هذا التاجر المسلم الصدوق الأمين في تجارته في هذا الباب. وهذا يدل على أن التجارة وإن كانت من كسب الدنيا لكنها من استعملها للآخرة كانت له أجرًا عظيمًا. قال قيس بن أبي غرزة رضي الله عنه: «دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم السوق فقال: يا معشر التجار، إن التجار هم الفجار يوم القيامة إلا من اتقى وبر وصدق». فالتاجر إذا اتقى الله في تجارته وصدق في تجارته فإنه يتحصل على الأجر العظيم. جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما». فالصدق عباد الله في التجارة من أعظم الحلال، وكذلك له الأجر العظيم عند الله عز وجل. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والبائع سلعته بالحلف الكاذب». فالحلف ممحقة للبركة، وإن كان كذبًا فهو مما يغضب الله عز وجل ويكون من أخذ أموال الناس بالباطل. فلهذا فإن الله عز وجل أحل هذه التجارة إذا كانت بصدق وأمانة، وأما إن كانت فيها خيانة وفيها غش فقد تبرأ النبي عليه الصلاة والسلام ممن يغش ببيعه وشرائه. جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل السوق فرأى رجلًا يبيع برًا أو قمحًا فوضع النبي عليه الصلاة والسلام يده في هذا القمح فرأى تحته ماء. فقال: «ما هذا يا صاحب الشعير؟» فقال: «أصابته مطر يا رسول الله». فقال: «ألا جعلته من فوقه؟ ألا جعلته من فوقه؟ فمن غشنا فليس منا». فالمسلم ينبغي أن يتحرى في بيعه وشرائه. نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعلنا نضل بل يجعلنا من الهدى والمهديين. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما بعد، عباد الله، فإن هذه التجارة وهذا البيع قد فشى في هذه الأيام كثيرًا كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء عند أحمد في حديث أبان بن تغلب وجاء كذلك عند الحاكم عن عبد الله بن سواد: «من أشراط الساعة فيض المال وفشو التجارة». وجاء في حديث المسعود: «وتفشو التجارة»، أي تنتشر وتقوى. وكذلك أيضًا يلتهي بها الناس وينشغلون عن ذكر الله جل وعلا وعن الصلاة. ولهذا ربنا جل وعلا ذكر الصحابة رضي الله عنهم في كتابه: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾. دخل عبد الله بن عمر السوق فلما أذن أغلق الناس حوانيتهم، فقال عبد الله بن عمر: «فيكم نزل قول الله جل وعلا: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾». فكان الصحابة رضي الله عنهم وفي زمن التابعين كانوا إذا أذن المؤذن أغلقت الحوانيت وتوجه الناس إلى بيت الله إلى المسجد يصلون. كذلك ربنا جل وعلا قد نبه على هذا الأمر حتى لا يلتفت العبد بالدنيا على الآخرة، فقال جل وعلا: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون﴾. ربنا جل وعلا لم يحرم الكسب حتى في العبادات وحتى في الطاعات، لكنه سبحانه وتعالى نهى الناس أن تلهيهم هذه البيوع وهذه التجارة عن ذكر الله جل وعلا. فلهذا نهى يوم الجمعة أن يباع ويشترى إذا أذن المؤذن الأذان الذي عند الخطبة، فإنه لا يجوز للمسلم أن يبيع ويشتري. بل ذهب الحنابلة وهو قول أيضًا عند المالكية أن البيع باطل. معنى لو أن إنسانًا اشترى شيئًا وقد طلع الخطيب فإن بيعه يكون باطلًا. كذلك عباد الله، ربنا سبحانه وتعالى ذكر في كتابه العظيم أنه حتى في الحج ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم. جاء في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: «كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام تأثم الناس أن يبيعوا ويشتروا في مواسم الحج، فأنزل الله عز وجل: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾، أي في مواسم الحج». فأجاز الله عز وجل البيع والشراء في تلك المواسم العظيمة التي هي مواسم الخيرات وهو مواسم الأجور. جعل الله عز وجل فيها البيع والشراء جائزًا لأجل أنه تكسبًا للناس، لكنه كما قلنا وكما قال الله عز وجل لا ينبغي أن يلهيك هذا الكسب وإن كان حلالًا وإن كان فيه فضل وإن كان أيضًا كذلك فيه الأجر العظيم عن طاعة الله جل وعلا والصلاة. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا. والحمد لله رب العالمين.