منزلة شعبان في الإسلام

الخطبة بعنوان منزلة شعبان في الإسلام، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 1 شعبان 1443هـ الموافق 4 مارس 2022م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل شهر شعبان ورفع الأعمال

شهر شعبان هو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من الصيام فيه. ينبغي للمسلم أن يحرص على صيام بعض أيامه اقتداءًا بالنبي.

أهمية قضاء الصيام واستعدادًا لرمضان

ينبغي على المسلم أن يقضي أيام رمضان الفائت في شعبان، وأن يغتنم هذا الشهر بالطاعات وخاصة الصيام استعدادًا لرمضان. تجنب الغفلة التي قد تنتاب الناس في هذا الشهر أمر مهم.

تحذير من الغفلة والمعاصي

يُنبه إلى خطورة الغفلة والمعاصي في شهر شعبان، ويحذر من ممارسة الذنوب والسيئات وخاصة الشحناء والبغضاء بين المسلمين. التزود بالطاعات واجتناب الحرمات أمر ضروري.

دعاء للمؤمنين والمسلمين

يتضمن المقطع دعاءً للمسلمين الأحياء والأموات بالمغفرة، ودعاءً لرد البلايا والمحن عن بلاد المسلمين. يختم بالصلاة على النبي محمد وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، روى الإمام النسائي رحمه الله تعالى في سننه من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه قال: قال يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». هذا الحديث فيه دلالة وإرشاد، وبين لعظيم ما تمتع به شهر شعبان من فضائل ومناقب كثيرة حسان. ونحن عباد الله قد أطال الله في الأعمار لكي نتقلب بين جنبات هذا الشهر المفضل، هذا الشهر الذي فيه ترفع أعمال العباد إلى الله جل في علاه. وقد قال العلماء: إن رفع الأعمال إلى الله يكون على فترات ومراحل، فهناك الرفع اليومي والذي يكون في الليل والصباح، وذلك حين يتعاقب فينا ملائكة بالليل وملائكة بالنهار. وهناك رفع للأعمال أسبوعي، ويكون مرتين خلال الأسبوع في يوم الاثنين ويوم الخميس، كما صح في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «تعرض أعمال الناس يوم الاثنين ويوم الخميس». وهناك رفع في العام كله، ويكون ذلك في مثل هذا الوقت من شهر شعبان، فترفع فيه الأعمال إلى رب العباد. عباد الله، لقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام اغتنامًا لفضيلة شعبان أنه كان يكثر من العبادات والطاعات ومن النوافل والقربات، فكان عليه الصلاة والسلام يكثر من الصيام حتى أن ذلك أصبح محلة عجب لدى الصحابة. فها هو أسامة يقول: يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان. وتقول عائشة رضي الله تعالى عنها: ما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان عليه الصلاة والسلام. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها أيضًا: «كان يصوم شعبان إلا قليلًا». فعليك يا عبد الله أن تحرص على كثرة الصيام في شعبان، ولو بصوم بعض أيامه اتباعًا واقتداءًا لرسول الأنام عليه الصلاة والسلام، واغتنامًا لفضيلة شعبان، فهو شهر ترفع فيه الأعمال. وما أجمل أن يرفع عملك وهو محفوف بعمل صالح. عباد الله، وإن مما أنبه عليه في هذا المقام أن من كان عليه أيام من رمضان، فليحاول أن يعجل بقضائه في مثل هذه الأزمان، لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «يكون علي أيام من رمضان فلا أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان»؛ وذلك لانشغالها برسول الله عليه الصلاة والسلام. فاستفاد العلماء على أن آخر مدة لقضاء أيام رمضان تكون بخروج شعبان. فمن دخل عليه رمضان جديد وهو لم يقضي ما عليه من أيام ماضية فقد عصى الله وأثم؛ لأنه تعمد في تأخير عبادة عن وقتها، إلا إذا كان له عذر، فحينها عليه بالتوبة وعليه بالاستغفار. وإن مما يؤسف له أن نجد بعضًا من المسلمين والمسلمات عليه أيام من رمضان سابق، بل ربما عليه أيام من رمضانات قد سلفت وسبقت، قد تراكمت عليه وهو لا يبالي بقضائها ولا بصيامها. يا عبد الله، يا أمة الله، دين الله أحق أن يقضى. وقد ذكر العلماء أن في اعتياد صيام شعبان فيه إعانة وتسهيل وتيسير لك يا عبد الله في صيام رمضان. فكم من أناس لربما قد انقطعوا عن الصيام لفترة مديدة ولمدة طويلة، فلربما إذا عاود صيام رمضان شق ذلك عليه جدًا، حتى أن بعضهم لربما وصل به الحال إلى أن يفطر في أول أيام رمضان والعياذ بالله. ومنهم من لربما إذا صام أصبح طريح الفراش لشدة التعب الذي أصابه من صيام رمضان. لكن من اعتاد وتعود على صيام شعبان ولو شيئًا من أيامه، فحينها يجد رمضان بردًا وسلامًا. فلله الحكمة البالغة. واعلموا عباد الله أنه ينبغي علينا في شعبان أن نحرص على الطاعات، بأن نحرص على الصيام، وهكذا قل في حرصنا على سائر الطاعات والعبادات والنوافل والقربات، من الإكثار من ذكر الله جل في علاه. يقول إمام ابن رجب رحمه الله: «لما كان شعبان كالمقدمة للشهر رمضان، فإنه يشرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام ومن قراءة القرآن». فاشتهد يا عبد الله وأنت في هذا الشهر المفضل بكثرة الأعمال من الإقبال على النوافل والقربات. أقول قولي هذا، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أدعو لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه. أما بعد، فمما مضى عباد الله علمنا ما ينبغي علينا فيه بأن نغتنم من شهر شعبان وذلك بالحرص على الطاعات والعبادات، وخاصة ما كان من كثرة الصيام، وذلك اقتداءً برسول الأنام واغتنامًا لشهر شعبان حيث ترفع فيه الأعمال. وهكذا اعتيادًا وتعودًا لما يكون من صوم رمضان. وأن من عليه أيامًا من رمضان فعليه أن يبادر إلى قضائها في مثل هذه الأوقات، إلا من كان به عذر لا زال به، فلا ضير ولا حرج في أن يدخل عليه رمضان ومن قضى مما مضى من أيام. عباد الله، وإن المسلم كما أنه يحرص في هذا الشهر على التزود من الطاعات، فعليه أيضًا أن يحذر من الوقوع في المخالفات، وخاصة أن هذا الشهر قد وصفه نبينا عليه الصلاة والسلام بأنه شهر الغفلات، كما في حديث أسامة: «وهو شهر يغفل الناس عنه». وإن من صور الغفلة، وهي كثيرة جدًا، ما يكون أولًا من إضاعة الأوقات بما يكون من قيل وقال، وكثرة التسكع في الأسواق والجلوس في الطرقات، وما يكون من اللعب والضحك والمرح، وما يكون من السهر والسمر فيما لا يعود نفعه لا في دين ولا في دنيا. وأيضًا من المخالفات، وهي من أعظم صور الغفلات، ما يكون من ممارسة الذنوب والسيئات من اقتراف للحرمات والمحرمات، وخاصة وأن الشياطين في مثل هذه الأوقات بالذات لتكثف جهودها في سبيل إضلال الناس قبل أن يحين موعد تصفيدها وتربيطها وتسليسها بالأغلال قبل أن يدخل رمضان. ومن هنا نجد اندفاع الناس إلى الشر بكثرة، وخاصة ونحن في هذه الأزمنة قبل أن يدخل رمضان. فعليك يا عبد الله أن تعلم أنك في شهر عظيم، في شهر شريف منيف، فإياك أن تدنسه بمعاصيك. وإن مما أنبه عليه من المعاصي والآثام التي ينبغي أن تتحرز منها في شهر شعبان ما يكون من القطيعة والعداوة، وما يكون من الشحناء والبغضاء بين أهل الإسلام. فهذا ذنبه يكون معك طيلة العام، إلا أنه في هذا الشهر المفضل فإنك تخرم من الأجر العظيم. ومن ذلك ما رواه جماعة من العلماء من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاح». رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني رحمه الله. فالمغفرة تعم الجميع إلا من تورط في جريمة العداوة والشحناء. فحرص يا عبد الله على تنقية ما في القلوب وعلى تصفية ما في الصدور من حقد وضغينة على إخوانك المسلمين. والمعلم أنه لم تثبت في ليلة النصف من شعبان سوى هذه الفضيلة، فدع عنك البدع ودع عنك المخترعات المبتدعات. وأيضًا من المخالفات التي ينبغي أن نحذر منها ونحن في شهر شعبان ما يكون من فعل الكفريات والشركيات، وأعني به ما يكون من زيارة قبر نبي الله أيهود عليه السلام، هذه الزيارة والتي يُعلن عنها ويُشد الرحال لها في أوائل شعبان تحديدًا في اليوم الثامن والتاسع والعاشر، تزامنًا وتشبهًا بمواقيت الحج. ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذه الزيارة التي ما أُقيمت إلا على معالم الوثنية والجاهلية، هناك في جنباتها يُؤدى الشكر الصراح، ويداس على معالم العقيدة الصحيحة وعلى معالم التوحيد. هناك يكون الدعاء والاستنجاد والاستعانة والاستغاثة بغير اسم الله. هناك تذبح الزبائح وتقرب القرابين وتراق الدماء على عتبات الضريح. هناك تُبذل الأموال وتُقسم الزكوات والنفقات وتُعقد النذور وتُذرف الدموع وتُسكب العبارات على رفاة الأموات. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. احذر يا عبد الله أن تُبتلى بمثل هذه الزيارات، فإنها من الشرك العظيم برب الأرض والسماوات. عباد الله، علينا جميعًا أن نحذر من الغفلة ما يكون في شهر شعبان بما لا يحود نفعه علينا، وإنما ضرره سنجنيه على أنفسنا. وعلينا ونحن في هذا الشهر المفضل أن نتزود بالطاعات والعبادات، وأن نجتنب الحرمات والمحرمات، وأن نعتني بأنفسنا بتزكيتها وتهذيبها. قال عمر بن قيس الملائي رحمه الله: «طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان». أقول قولي هذا، وأسأل الله جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم مغفرة للمؤمنين والمؤمنات، اللهم مغفرة للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. يا مجيبة دعوات الله، مدافع البلايا والمحن، الله من أراد بلادنا اليمن بسوء، اللهم اشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.