آداب الوسواس 1

آداب الوسواس 1

الدرس في آداب الوسواس 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الوسوسة وآداب التعامل معها

يتناول المقطع موضوع الوسوسة كداء يؤثر على حياة الإنسان، ويشرح أهمية التعامل معه وفق آداب شرعية. الوسوسة تشكل خطرًا على الإنسان وتتطلب علاجًا مبكرًا.

مجالات الوسوسة وتأثيرها على العبادات

الوسوسة لها مجالات متعددة تشمل الأفكار والعقائد والنيات وعبادات المسلمين. يلعب الشيطان دورًا في إثارة الشكوك والتردد في أفعالهم ونياتهم، خاصة في العبادات مثل الوضوء والصلاة.

صور الوسوسة في العبادات والمعاملات اليومية

الوسوسة تظهر في صور متعددة في العبادات والمعاملات اليومية، وتؤثر على سلوك الفرد وتسبب له القلق والشكوك. الشيطان يتلاعب بالإنسان في الصلاة وقراءة الأذكار والبيع والشراء.

ختام وتأكيد على أهمية الصلاة والسلام

يختتم النص بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم. هذا الختام يعبر عن التزام بالسنة النبوية وتعظيمًا لشأن النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذه السلسلة، إخواني في الله، في سلسلة الآداب، ومما ينبغي أن يتحلى به كل مسلم ومسلمة فيما كان في تأدبه مع ربه، أو في تأدبه مع نفسه، أو في تأدبه مع خلق الله. ومر معنا أن من الآداب ما تتعلق ببعض الحالات التي يمر بها الإنسان بين الفينة والأخرى، وكيف أن الشرع رتب عليها آدابًا كآداب العطاس، وآداب التثاؤب والجشاء. وإن مما يناسب ذكره، إخواني في الله، من هذه الحالات العرضية التي رتب عليها الشرع آدابًا، ما يتعلق بأمر الوسوسة. الوسوسة داء عضال، وهو مقت ووبال ومرض، إذا استفحل في الإنسان، ذكرًا كان أو أنثى، فإنه يجعل حياة الإنسان مليئةً قلقًا واضطرابًا وآلامًا وأحزانًا. وللأسف أن نجد مثل هذه الظاهرة أصبح لها صدى من كثرة المبتلين بها، رجالًا ونساءً. وإن شرعنا لاعتنائه بهذا الباب جعل آدابًا لمن ابتلي بداء الوسوسة، وهذا الذي نود في مثل هذه المقامات أن نستحضر وإياكم أهم الآداب التي يتحلى بها كل مسلم ومسلمة إذا ابتلي بمثل هذا الداء. وقبل الشروع، إخواني في الله، في ذكر آداب الوسوسة، أن نبين مقدمات لا بد أن نأتي بها. أولاها أن نعلم أن الوسوسة هو من الشيطان، بل يعتبر من أعظم أسلحته التي يتوصل من خلالها إلى أن يصل إلى الإنسان، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس﴾. وهذه إمكانية من الله جل في علاه حباه للشيطان، من باب الابتلاء، في أنه بوسوسته يصل إلينا، وما يكون من وراء ذلك من صدنا عن طاعة ربنا. المسألة الثانية أن نعلم أن معركة الخير والشر، والحق والباطل، أكثر ما تكمن في السيطرة على القلوب، لأن القلب هو مركز التحكم، من تمكن منه تمكن من سائر الأعضاء. وكما جاء في الحديث: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». ولهذا المعركة الحقيقية بين الخير والشر تكمن في السيطرة على القلوب. فأنت يا عبد الله بقلبك تكون أو لا تكون. ومن هنا كان من خطورة الوسوسة أنها تكمن في الصدور وتكمن في القلوب. ولهذا إذا تمكن الشيطان من قلب الإنسان بما يفضي عليه من الوسواس، تجد ما يدلك على أن هذا الإنسان مضطرب، بما يقع من تردده، من اضطرابه، من كثرة مخاوفه، لأن القلب ليس بيده وإنما بيد شيطانه. ثالثًا مما يذكر بالمقدمات لهذا الموضوع المهم، إخواني في الله، أن الذي يبتلى بالوسوسة ينبغي أن يسارع وأن يبادر إلى علاجه. العلاج والأمر ليس بالسهل الهيين. كم تجد من بعض الموسوسين يبتلى بهذا الداء، لكن لا يبحث عن العلاج، مستسهلًا مستحقرًا لهذا الأمر، يراه هيِّنًا. لكن يا عبد الله، ما هي إلا برهة من الزمن، وهذا الداء يستشري فيك وينتشر في أعضائك وجوارحك وبين جنباتك، حتى تجد أنك بلغت مبلغًا عظيمًا يصل إلى حد الجنون. وقد صار بدايته وسوسة في شيء من الأمور، فإذا به صاحبه قاب قوسين من الجنون. ولا تستهيني يا عبد الله بهذا الداء، بل عالج نفسك. ومن معايب أهل الوسواس ومن ابتلي به أنه لربما ابتلي بكثرة الشكوى. وهذا قد عرف علماء، قد صرح بهذا من جالس من أمثال هؤلاء، أنه لربما إذا جلست بجنبه لربما شكى وتذمر وعاب، لربما بكى من شدة ما يعانيه، ومن شدة ما يختلجه من هذه الوساويس. لكن طبعًا هذا الكلام، إخواني، فلقد يستغرق منه دقائق أو قل لربما شبه ساعة، وهو في هذا المضمار شكوى شكوى شكوى. فإذا جئت له بالعلاج لم ينصت إليه، لم ينصت إليه. وهذا مجرب، هذا مجرب عند أهل الوسوسة، ابتلاهم الله بكثرة الشكاوى، لكن إذا طرح له العلاج ما ينصت، ما ينصت. وإذا أنصت ما طبق، وإذا استمع ما امتثل. ولهذا لا يزال لا يزال في هذه الدوامة، ما يخرج عنها، لأنه ما أراد الخروج أصلا. فهذه، إخواني في الله، المسألة الثالثة. رابعًا، ينبغي أن نعلم، إخواني في الله، أن الوسوسة له مجالاته وله صوره. فينبغي للمسلم أن يعلم ويتعرف على شيء من أهم مضامين وصور الوسوسة، لأن من كم من شخص ربما يقع في شيء من هذه الصور، ويرى أنه ليس بموسوس، يرى أنه طبيعي، وأن هذا الذي يفعله في يومه وليلته إنما هو من باب التقرب إلى الله. وما علم أنه أصبح أضحوكة للشيطان. فمن خلال هذه الفقرة الرابعة سأشير إشارات فقط إلى أهم مصادر وأهم مواطن الوسوسة من مضامين الوسوسة، إخواني في الله. ومن مضامين وأماكن الوسوسة ما يكون من الوسوسة في الأفكار في العقائد، وخاصة ما يتعلق بالله جل في علاه. تجد أن من بعض الموسوسين من لربما يسرح في أفكاره، يسرح حتى يتهيأ به المطاف إلى رب الأرباب جل في علاه، يتفكر في ذات الله، في أسمائه وصفاته، فلا يزال -لا أقول هو- بل لا زال شيطانه يطرح عليه الأسئلة تلو الأسئلة التي والله لن يجد لها جوابًا، تتعلق بذات الله، ولا يحيطون به علمًا سبحانه. فلا زالت هذه الأسئلة تراود حتى تقدح في قلبهم من الشك والظن والريب والتردد بربه سبحانه وتعالى. بل حتى قال: بلغني عن بعض الناس أنه لربما أصبح يشك في إسلامه، هل لا زال مسلمًا أم قد خرج من الإسلام؟ بل لربما في اليوم الواحد يرى أنه قد خرج من الإسلام عدة مرات، يلعب عليه الشيطان بهذه الأفكار. وسيأتي معنا كيفية العلاج من هذا الخطر الداهم. كذلكم هذا ما يتعلق بالصورة الأولى، الوسوسة في الأفكار والعقائد. كذلكم يا إخواني في الله، الوسوسة ما يكون في أمر النيات، العمل ما من عمل إلا ويقوم على نية. فيأتي بعض الناس ويتردد كثيرًا في نيته، وهي وسوسة في النيات. هل هو عمله قد أداه بنية أم لا؟ مثلًا في موضوع الوضوء، يتوضأ، لا زال تراوده الشكوك: هل هذا الوضوء قد نوى به رفع الحدث أم لا؟ فلربما حتى قد يبلغ إلى منتصف الوضوء، ولا زال هذا السؤال يراوده: هل نويت رفع الحدث أم لا؟ لربما أعاد، بل إن منهم لربما يأتيه هذا السؤال بعدما أن ينتهي من الوضوء، ينتهي من الوضوء، بل قد ينتهى من الاقتصال ويأتيه هذا السؤال. والنية، إخواني، فلا أمرها سهل، النية هي العزم، النية هي العزم والقصد، فمن نوى، من عزم على شيء، هذه نيته، فما داعي للتكلف يا عبد الله؟ ومثله في نية الصلاة، تجد أن من الناس من أراد أن يصلي، يقف طويلًا قبل أن يكبر: ما الذي تفعله يا عبد الله؟ قال: أستحضر، أستحضر نية الصلاة. فيبقى في تلك الفترة المديدة وجهه إلى ربما إزاء القبلة، وما كبر. وهذا كله من تلاعب الشيطان بالنيات. وقس على ذلك سائر الأعمال والطاعات. كذلك من وسواس الشيطان ما كان من أمر الأفكار والعقائد، ما كان من النيات، ما يكون من الوسواس في فعل الطاعات والعبادات، يلعب الشيطان بالواحد منا، فيجعل أن العبادة والطاعة لا تؤدى على الوجه المطلوب. لماذا؟ لأن صاحبنا منشغل بإيحاء الشيطان الذي يوسوس له في هيئة الطهارة، في هيئة الصلاة. مثاله من دخل إلى الحمام من بعض الموسوسين، لربما جلس -وأقولها ولست مبالغًا في ذلك- يجلس في الحمام ساعات، أتدري فيما؟ في مسألة الاستنجاء فقط، في مسألة الاستنجاء، أن يستنجي من بوله، يأخذ على ذلك ساعة، ساعتين، ويتخذ الطرق الكثيرة والوسائل العديدة في سبيل التطهر من بوله. مع أن البول، إخواني في الله، إيقافه بيدك. لهذا قال العلماء: «البول كالضرع، إن استدعي در، وإن ترك قر». البول كالضرع، إن استدعي در، وإن ترك قر. أنت تتحكم به، لا هو يتحكم فيك، إلا من كان له حالة مرضية، هذا أمر آخر. لكن إنسان طبيعي تحكم: متى ما أردت أخرجت يا عبد الله ما تشاء من هذه النجاسة من بولك، وما كان من التغوط، ومتى ما أردت الإيقاف يقف. بك أنت تتحكم فيه، لكن الأمر ينعكس عند الموسوسين. وهكذا قل يا عبد الله فيما يتعلق حتى في باب الصلاة. في باب الصلاة تجد أن الموسوس إذا قام يصلي، يلعب عليه شيطان في أمر صلاته. قد مر معنا ما يتعلق بالنيات، لكن أتتكلم في هيئة الصلاة، الفاتحة لربما الموسوس يقرأها عدة مرات: ولا الضالين، بسم الله يقرأ ويعيد ويهذي ويهذي ويهذي. بل حتى التكبيرة الإحرام لربما يتأخذ فيها، يتأخذ في تكبيرة الإحرام: ماذا كيف ينطق بها؟ كيف ينطق بها؟ وهكذا قل في تكبير، قراءة الفاتحة يقرأها عدة مرات. طبعًا الشيطان يخرج هذا كله تحت ما يسمى بإتقان العبادة، وهو الله ليس بإتقان يا عبد الله، بل هذا عبث بالعبادة والطاعة، وتضييع لأجرها وفضلها. وهكذا قسه يا عبد الله ما يتعلق بالتأخر إذا كان في صلاة الجماعة، الإمام قد وصل إلى السجود، وصاحبنا لا زال في الفاتحة، ماذا ستصل إلى الإمام؟ لو ربما يسلم الإمام ورجل لا زال في صلاته، أنت تصلي مع من؟ تصلي مع نفسك أم تصلي مع إمامك؟ لكن هكذا، إخواني في الله، يكون الوسوسة في الطاعات والعبادات. وهكذا قل الوسوسة في الأذكار، لربما يأخذ في قراءة ذكر أو ورد الذي حقه أن يقرأ في دقيقتين، يأخذ عليه ربع ساعة، يتلعثم فيه، يتلعثم فيه، يتلعثم. طبعًا تحت نية الاستحضار، وكل ذلك من تلاعب الشيطان. وهكذا، إخواني في الله، مجالات الوسوسة في باب الطاعات والعبادات كثيرة. رابعًا من صور الوسوسة، إخواني في الله، ما يكون من الوسوسة في باب المعاملات مع الغير، في باب التعامل مع الغير، يقع الوسوسة. وحتى عندنا يسمى فلان عنده وسوسة في التعامل، مثلًا في بيعه وشرائه، يبيع ويشتري وينصرف، إذا وصل إلى البيت يتردد، يقول: هل أنا دفعت الثمن؟ لا، ما دفعت الثمن. فيرجع، يقول: يا أخي، أنا ما دفعت، صاحب المحل يقول: لا، لا، أنا ما دفعت، خذ، خذ مبلغًا، يدفع مرة ثانية. بل حتى أخبر عن بعض الناس من يدفع ثاني وثالث مرة، كل ذلك إبراءًا للذمة، ينفق المال على بضاعة واحدة، لا يشعر بنفسه، لكن الشيطان يتلاعب به. كذلك ما يكون من كلامه مع الناس، لو ربما يتكلم مع صاحبه بكلمة، ثم يتفرق، فإذا به ينشغل بكلمة قالها في المجلس، هذه الكلمة أنا قلتها قد أثرت على صاحبه، لا بد أستسمح منه، فيذهب: يا فلان، لعلي أغضبتك؟ لعلي أحرجتك؟ يقول: في ماذا أحرجتني يا عبد الله؟ يقول: أني أقول لك كلمة لعلي جرحتك فيها. أبدًا والله ما جرحتك، لا، لا، إلا أنا جرحتك، وأنا آسف، وأنا متأسف، وأنا عذرني، وأنا مقصدي أنا إنسان، ما أنا إيش تفعل يا عبد الله؟ صاحب الشيء يقولك: ما ذكرت لي شيء، قل: لا، أنا ذكرت لك شيء. وسوس في التعاون مع الناس. كذلك ما يتعلق بباب الشكوك والظنون، سواء كان مع أهله أو مع ولده، يتشكك دائمًا في ممارسات أهله، إذا قامت: لماذا قمتي؟ وإذا جلست: لماذا جلستي؟ وإذا ضحكت: لماذا ضحكتي؟ ولا زالت الأسئلة تنهال كأنه في بحث، وكأنه في تحقيق معه متهم. وهكذا حاله هذا، إخواني في الله، من بعض مظاهر الوسواس. فالشاهد، إخواني في الله، ولا أطيل النفس في هذه المسألة، فهذه من بعض وسائل الوسواس. ولعلنا إن شاء الله في المقامات القادمة، بإذن الله، نتطرق إلى أهم الآداب التي ينبغي أن يحرص عليها كل مسلم ومسلمة لإزالة مثل هذا الداء الذي كان سببًا، ولا يزال، في إبعاد شخصي -لا أقول عن أصحابه وزملائه- بل حتى عن إبعاده عن ربه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.