الدرس في كتاب المواريث 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول أحكام العبد المكاتب وشرح شروط كتابته كما وردت في القرآن والسنة. يشترط في كتابة العبد أن يكون فيه خير وصلاح في دينه وكسب في دنياه.
يشرح حكم العبد المكاتب وأم الولد، حيث يبقى العبد المكاتب عبدا حتى يؤدي ما عليه ثم يصبح حرا، وأم الولد تصبح حرة بعد موت سيدها.
تم الانتهاء من كتاب العتق مع الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. تم استعراض مختلف الأحكام المتعلقة بالعتق والعبد المكاتب وأم الولد.
سمع الله لمن حمده، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المصنف رحمه الله في باب العتق: قال والكتابة أن يشتري الرقيق نفسه من سيده بثمن مؤجل بأجلين فأكثر. قال تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ يعني صلاحا في دينهم وكسبا. فإن خيف منه الفساد بعتقه أو كتابته، وليس له كسب، فلا يشرع عتقه ولا كتابته. ولا يعتق المكاتب إلا بالأداء، لحديث «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم» رواه أبو داود. نعم، هذا ما يتعلق بالعبد المكاتب. فمن أنواع العبيد العبد المكاتب، وهو الذي يشتري نفسه من سيده بثمن مؤجل بأجلين فأكثر. يعني يتفق هذا العبد مع سيده أن يدفع له كذا وكذا من المال، يعطيه إياه في خلال فترات مؤجلة، إما أجلين أو أكثر من ذلك. فإذا وفى له ما اتفق عليه أصبح حرا. إذا طلب العبد المكاتب الكتابة، هل يلزم السيد أن يجيبه إلى ذلك؟ قال الله جل وعلا: ﴿وكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾. ظاهر الآية الوجوب إذا توفرت هذه الشروط، أن يعلم فيه خيرا. إذا علم فيه خير، فسر العلماء هذا الخير بأنه صلاحا في دينه وكسبا في دنياه. أن يكون هذا العبد صالحا في استقامته وصلاحه ومحافظة على الفرائض والواجبات، وكذلك عنده استطاعة للتكسب، للعمل والتكسب وسد حاجته. فهنا يجيبه إذا كتابته، فيجب عليه أن يجيبه. وأما إذا لم يعلم منه خيرا، قد يكون فاسقا، يعني ما عنده محافظة على الفرائض والواجبات، يتكب شيء من المحرمات، أو يكون دينا صالحا لكن ما عنده كسب، ما يحسن الكسب والتكسب. فمثل هذا ما يلزم السيد أن يجيبه إلى كتابته. هذا معنى قولي: ﴿فإن خفتم منه الفساد بعتقه أو كتابته﴾. يربما إذا اعتقه، هو في حال عتق يكون مقيد تحت أمر السيد، لكن لو اعتقه صار حرا. وإذا كان فاسقا سيزيد فسقه ويزيد شره. نعم، فمثل هذه الحال لا يكاتبه. قال: «أو ليس له كسب سيكون عالة على غيره». قال: «فلا يشرع عتقه ولا كتابته». طيب، في أثناء الكتابة هل يصير هذا المكاتب، العبد المكاتب حرا؟ الجواب لا، هو عبد وحكامه وحكام العبد حتى يؤدي كل ما عليه من الكتابة. وهذا معنى قولي عليه الصلاة والسلام: «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم». لو بقي درهم يؤديه لسيده من الكتابة، هو ما زال عبدا. فإذا أداه أصبح حرا. العبد المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم، رواه أبو داود، وهو حديث صحيح قد حسنه علام الألباني رحمه الله. هذا ما يتعلق بالعبد المكاتب. قالوا عن ابن عباس مرفوعا، وعن عمر موقوفا: «أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته». أخرجه مالك. والراجح الموقوف على عمر رضي الله عنه والله أعلم. هذا الأثر أراد المصنف رحمه الله الاستدلال به لبيان حكم أم الولد. حكم أم الولد، الأمة التي وطأها السيد فحملت له، فهذه تسمى أم ولد. تسمى أم ولد إذا ولدت لسيدها ما فيه خلل. فإنها تكون حرة بعد موت السيد. فإذا ولدت له لا يجوز للسيد أن يبيعها، لا يجوز أن يبيعها أو يهبها لغيره، وإنما تبقى. فإذا مات أصبحت حرة. فيقال فيها: اعتقها ولدها. اعتقها ولدها. وهذا قول جمهور أهل العلم. وبعض نقل فيه الاتفاق. نقل فيه الاتفاق. واستدل بهذا الأثر: «أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته». إذا مات السيد أصبحت حرة. وجاء بحديث ابن عباس: «أي رجل ولدت منه أمته فهي معتقة عن دبر منه». فهي معتقة عن دبر منه. هذا لفظ حديث ابن عباس عند عبد الرزاق في مصنفه. وجاء في حديث: «أعتق أم إبراهيم ولدها». أعتق أم إبراهيم ولدها. وهو في الشواهد. الحديث في الشواهد. نعم، فهذه الأحاديث بشواهدها تدل على هذا الحكم، أن أم الولد تعتق بعد موت سيدها. وهناك من خالف في هذه المسألة، وقالوا: لا أم الولد حكم غيرها من الإماء، أنها ما تعتق بموت السيد، بل يجوز بيعها وتصرف فيها. واستدلوا بحديث جابر عند عبد الرزاق في مصنفه قال: «كنا نبيع سراري أمهات الأولاد والنبي صلى الله عليه وسلم حي لا يرى في ذلك بأسا». استدلوا بهذا الحديث على أن بيع الأمهات كان جائزا في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، ولو كان ممنوعا لما قرهم النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك. وأجاب الجمهور عن هذا الحديث، وهو أيضا في لفظه قال: «ثم نهانا عمر فانتهينا». ثم نهانا عمر فانتهينا. وفي بعض الروايات: في زمن أبي بكر، في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، ثم نهانا عمر فانتهينا. يعني انتهوا عن بيع أمهات الأولاد. من أهل العلم يقول: هذا حديث منسوخ. منسوخ بالأحاديث الأخرى التي فيها ذكر حكم أم الولد أنها تعتق بعد موت سيدها. فقالوا: في هذا الحديث يكون منسوخا. نعم، لعل هؤلاء الذين يعني ذكروا هذا الفعل ما علموا بذلك بالنسخ. وأشار أيضا الإمام البيهقي رحمه الله في السنن أن هذا الحكم الذي حكم به عمر رضي الله عنه حصل به اتفاق الصحابة رضوان الله عليهم. فيكون هذا الحكم يعني حكما قديما أنهم كانوا يبيعون أمهات الأولاد، ثم حصل اتفاق على منع ذلك. فيكون منع حكم أم الولد أنها تعتق بعد موت السيد باتفاق الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. طيب، هذا ما يتعلق بآخر كتاب العتق. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.