الدرس في شرح الأصول الستة 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بشرح البسملة وحكم البدء بها، مبيناً أنها مستحبة مستدلاً بكتاب الله وسنة النبي. يوضح معنى الباء في البسملة وأنه للاستعانة أو للمصاحبة والتبرك.
يناقش الدرس تفسير البسملة وتعلق الجار والمجرور في ﴿بسم الله﴾، ويوضح الخلاف بين العلماء في هذه المسائل ويرجح أن الجار والمجرور يتعلق بفعل خاص مؤخر.
يشرح الدرس معاني ألفاظ البسملة وإعرابها، حيث يتطرق إلى لفظ الجلالة 'الله' ومعناه، ثم يفسر معاني 'الرحمن' و'الرحيم'. كما يتناول إعراب جملة البسملة وتفسيرها ويربط ذلك بالقراءات المختلفة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، فإن شاء الله ستكون دراستنا وقراءتنا في الرسالة الماتعة والموسومة بالأصول الستة للإمام المجدد العلامة محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى. وهي رسالة خفيفة ولطيفة، إلا أنها حوت على أصول عظيمة ينبغي العناية بها والتركيز عليها، وخاصة أنها من مؤلف يعتبر من أهل الاجتهاد ومن أهل الاستقراء، وكان على قدم صدق من العلم والعمل والمعتقد الصحيح. بل قد جدد به ربنا جل وعلا الملة في هذه القرون المتأخرة. سنبدأ إن شاء الله في القراءة في الرسالة من هذا المقام من هذا اليوم، وسيكون شرحنا بإذن الله بشرح مبسط ميسر، مع التركيز على أهم المسائل التي سيذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في أثناء بحثه. أول ما بدأ المؤلف رحمه الله تعالى برسالته بدأها بقوله: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. شارع المؤلف بالرسالة بما يسميه الناس أو العلماء بالبسملة، وهذا من باب النحت، فالبسملة منحوتة من ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. والنحت هو الاختصار، اختصار كلمتين فأكثر وتختزن في كلمة واحدة. ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ هذه العبارة وهذه الجملة تحتوي على مسائل عديدة نذكرها ونعرج عليها، ولوح بشيء من الإيجاز، لأن ما من طالب علم يقرأ في المتون إلا ويمر عليه في شروحات هذا المتن وذاك المتن ما يتعلق بشرح البسملة. في هذا المقام لو استطعنا أن نركز على البسملة وما تحتها وما فيها من مسائل، المسألة الأولى: ما حكم البسملة؟ هذا سؤال يتكرر دائمًا، والإجابة معروفة لدى طلبة العلم أن البداءة بالبسملة من المستحبة، أنها من المستحبات. وأن من الأمور الشرعية والمشروعة. وقولنا: إن البسملة مستحبة، والاستحباب حكم شرعي، إذن لا بد أن هناك أدلة شرعية دلت على استحباب البداءة بالبسملة. الدلائل على البداءة بالبسملة كثيرة، منها: تأسيًا بكتاب الله، اقتداءً بكتاب الله جل وعلا، حيث إن سور القرآن تستفتح بـ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. الدليل الثاني: ما ثبت من فعله عليه الصلاة والسلام، فقد كان صلوات ربي والسلام عليه يبتدئ كتبه ورسائله يبتدئها بالبسملة. ويتبين ذلك في وقائعه وفي سيرته، ومن ذلك ما يتعلق بصلح الحديبية، فعندما أبرم عليه الصلاة والسلام صحيفة الصلح بدأها بـ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، أمر كاتبه، أمر عليًا رضي الله تعالى عنه أن يكتب ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ أو ﴿بسمك اللهم﴾. وكدليل آخر ما يتعلق بما جاء في البخاري من حديث عدي بن حاتم، لما كتب النبي ﷺ إلى عظيم الروم بدأها بقوله عليه الصلاة والسلام: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. فكان ذلك من سنته، وكان ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام أن يستفتح كتبه بالبسملة. الدليل الثالث: أن ذلك أيضًا يعتبر من سنن المرسلين، من سنن الأنبياء، أنهم كانوا يستفتحون كتبهم بالبسملة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فكان ذلك أيضًا من سنن الأنبياء والرسل يستفتحون كتبهم بالبسملة. فهذه الأدلة الثلاثة من أعظم ما يذكر في هذا الباب، أنه بها يعتد بأنها أدلة تنتهض بمشروعية البدء بالبسملة. يقول الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: «لقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتبهم بـ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾». إذن هذا استقرار وإجماع من أهل العلم، وهذا الدليل الرابع يستأنس به على أن الاستقرار والإجماع من الأمة قد تم على مشروعية البدء بالبسملة. وإن تم خلاف ونزاع حول المنظومات، إذا كان كتاب عبارة عن شعر من أوله إلى آخره، هل يستفتح فيه بالبسملة؟ هل يشرع فيه ذلك؟ هنا تم الخلاف في هذه المسألة بعينها. أما كتاب يسطر يكتب، فإن هذا لا إشكال فيه، ولا نزاع بين الفقهاء في استحباب البدء بالبسملة. نعرج كذلك على مسألة متعلقة بحكم البسملة، أن بعضهم لربما يستدل بدليل خاص، بدليل خاص يدل على استحباب البدء بالبسملة. وما جاء من قوله عليه الصلاة والسلام: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع». رواه الخطيب، وهكذا السمعاني، أن هذا الحديث دليل على هذه المسألة. والصحيح أن هذا الحديث لا يصح، فهذا الحديث معلول، فيه علل. لقد ضعفه جماعة من أهل العلم، ضعفه الحافظ ابن حجر العسقلاني، وهكذا السخاوي، وهكذا السيوطي. ولشيخ الألباني رحمه الله تعالى بحث حول هذا الحديث في أول الإرواء، حتى ختم مبحثه رحمه الله تعالى بقوله في حكمه على هذا الحديث: «ضعيف جدًا، ولا تغتر بمن حسنه». فالأصل أن هذه العمومات تدل على استحباب البدء بالبسملة، ما كان من اقتداء بكتاب الله، وتأسيا بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن ذلك من سنن المرسلين، وأن ذلك تم عليه استقرار وعمل الأئمة قديمًا وحديثًا. من مسائل ﴿بسم الله﴾: ما يتعلق بألفاظها. أول ما نبتدئ في ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، الباء حرف الجر، وحروف الجر لها معانٍ. فما معنى الباء هنا؟ وما الذي استطاعت أن تضيفه الباء على لفظ الجلالة على ﴿بسم الله﴾؟ يقول العلماء: الباء هنا للاستعانة، أي أنك تستعين بالله جل وعلا في كل أمورك، تقوم بعمل، أثناء القيام بعمل تريد إعانة من الله، تريد أن الله يعينك بعملك. فالإنسان لا حول له ولا قوة إلا بالله. وكان من قوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم بك أحول وبك أجول وبك أصاول». فالإنسان بربه سبحانه وتعالى. فأنت في كل عمل، في كل ما تريد أن تقوم به من أشياء، فتحتاج أن تستعين بربك جل وعلا. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فالباء هنا للاستعانة، تستعين باسم الله جل وعلا أن يعينك على فعل هذا الأمر. وتارة تجد من يذكر ويقول: الباء للمصاحبة، الباء للاستعانة وللمصاحبة. ما معنى المصاحبة هنا؟ المصاحبة بمعنى التبرك، أي أني أصاحب اسم الله جل وعلا متبركًا به. فهو تأتي للاستعانة وتأتي للمصاحبة، أي للتبرك، الباء متبركًا باسم الله جل وعلا. نعرج على مسألة: قد نجد من بعض من يتكلم في الشروحات إذا جاء عند هذه الباء ما يذكر رفض الاستعانة، وإنما يقول: الباء للتبرك أو يقول: الباء للمصاحبة، ثم يمضي. هل هذا فيه قصور؟ نعم، هذا فيه قصور، بل يخشى أن يخشى من قائل هذه العبارة أنه أراد أن يدخل في مسألة عقدية. ما الذي لا يذكر أفضل الاستعانة؟ تجد أن هؤلاء من أهل الأهواء، ممن خالف أهل السنة والجماعة في باب القضاء والقدر، قد يسأل معتقد في حرف جر. نعم، معتقد في حرف جر. تأتي عند القدرية، القدرية لا يذكرون البتة لا يذكرون في شروحاتهم أن الباء للاستعانة، يهربون منها عمدًا وقصدًا، لا سهوًا بل عمدًا وقصدًا. لا يذكرون أن الباء للاستعانة، هروبًا من إلزامات. فالقدرية يقولون: بأن العبد هو الذي يخلق أفعاله بنفسه. ماذا بالقدرية؟ العبد يخلق أفعاله بنفسه. قالوا: كيف نقول أن العبد يستعين بالله؟ العبد ما يستعين بالله، لماذا؟ لأنه ما هو بحاجة إلى ربه. يقولون هكذا، هو ليس بحاجة إلى ربه، لأنه هو الذي يخلق أفعاله بنفسه، من خير فخير، ومن شر فشر. ربه ليس له علاقة بأفعال العباد. فالعبد يخلق أفعاله بنفسه، فما داعي أن يستعين بالله؟ ولهذا لا يقولون: الباء للاستعانة، لا يقولون بالتبرك، يهربون من هذه المسألة. هذا عند القدرية، رمزهم المعتزلة. نأتي عند الجبرية، الجبرية كذلك هربوا من باء الاستعانة، لماذا؟ لمسألة عقدية. يقولون: نحن نقول في باب القضاء والقدر بأن الإنسان مجبور، مجبور على فعله. الإنسان عندهم ليس له قدرة، ليس له إرادة، ليس له عمل. كيف الإنسان عند الجبرية؟ عندهم أن الإنسان مثل الريشة إذا رميت في مهب الريح، كيف تكون الريشة؟ تتقلب يمنة ويسرة، من ذا الذي يحركها؟ الريشة تتحرك بنفسها؟ لا، الهواء يحركها. مثل ما يسمى العرائس المتحركة، أعطيكم الألعاب التي في المسارح، تأتي بالعوبة معلقة بحبال في أصبعك، فتتلاعب بها، ترى اللعبة تتلاعب، اللعبة تتراقص وتتمايل أمامك، ما الذي يحرك اللعبة؟ هي بنفسها؟ لا، الأصابع. قالوا هكذا الإنسان، الإنسان في دنيا تحرك هكذا؟ ما الذي يحركه؟ الله جل وعلا، إذن الإنسان ليس له قدرة على شيء. قال: إذن كيف نقول أن الإنسان يستعين بالله؟ على ماذا سيستعين بالله؟ ما عنده شيء حتى يفعله؟ يقول هكذا، الإنسان ليس عنده شيء يفعله، ربنا يحركه. فما يستعين؟ لأنه استعانته كما يقال عبث. هكذا يقول: عبث، فهو لا يستعين بالله، لأن الله الذي يقرر أفعاله، هو الذي يريده سبحانه وتعالى، خير فخير، وشر فشر. إذن قالوا: لا نقول الباء للاستعانة، فيقولون الباء للتبرك. ولهذا يقول أهل العلم: إن رأينا رجلًا من أهل البدع والأهواء، من المخالفين، إذا جاء في باب البسملة وقال: الباء للمصاحبة وللتبرك، ما ذكر الاستعانة؟ اعلم أنه أراد بهذه المسألة مسألة عقدية. وإن رأينا هذا من أهل السنة، يوجد نعم من أهل السنة قد يأتي للتفخيم، يقول: الباء للمصاحبة، ولا يذكر الاستعانة. يقول: هذا المؤلف قصر، هذا المؤلف قصر، كان ينبغي أن يذكر ماذا؟ لفظ ماذا؟ الاستعانة. هذا ما يتعلق بالباء من ﴿بسم الله﴾. الباء حرف جر، والإسم مجرور. ننتقل إلى الإسم: ﴿بسم الله﴾ كلمة مشتقة، واختلف العلماء في اشتقاق الإسم من ماذا اشتق؟ هنا عندنا مذاهب، عندنا مذهب أهل الكوفة، وعندنا مذهب أهل البصرة. أهل البصرة يقولون: أن كلمة إسم مشتقة من السمو بالضم، أو من السمو بالكسر، كل ذلك وارد. هذا مذهب أهل البصرة، يرى أن كلمة إسم مشتقة من السمو، وما معنى السمو؟ العلو. الإسم مشتق من السمو، هذا مذهب أهل البصرة. أما أهل الكوفة فإنهم يقولون: أن الإسم مشتق من الوسم، من الوسم، والوسم هي العلامة والأثر، العلامة والأثر. فهذا مذهب أهل البصرة، هل هناك فارق؟ هل هناك إشكال؟ نعم، هناك من أهل علم من يشدد في هذه المسألة، ويرى أن الصواب في هذه المسألة أن ترجح وتميل إلى مذهب أهل البصرة، وأن الصواب في الإسم أنه مشتق من السمو، وهو العلو، لا من الوسم، وهو العلامة والأثر. لماذا؟ لمسائل، ليس هذا المقام يذكرها، مسائل، مبحث الأول، ومبحث الثاني، ومبحث الثالث. لكن هذا الراجح في هذا الباب، بل ومنه من جعل هذه المسألة ترجع إلى بعض المسائل في باب الأسماء والصفات، أن كلمة إسم مشتقة من السمو، وليست من الوسم. ومما يؤيد هذه الترجيحات: التصاريف اللغوية، التصاريف اللغوية. أن من قال: أن الإسم مشتق من الوسم، قالوا: أن التصغير، وأن الجمع لا يعينه في هذا الباب، التصغير، تصغير الكلمة، وجمع الكلمة لا تعينه في هذا الباب. نأتي الآن إلى ﴿بسم الله﴾. الباء حرف جر، والإسم مجرور، والجار والمجرور لهم تعلقات. من درس اللغة يعرف أن الجار والمجرور لا بد له من تعلق. اختلف العلماء فيما يتعلق هنا الجار والمجرور، هل يتعلق بالإسم أم بالفعل؟ فيه خلاف. هل يتعلق بعام أم خاص؟ فيه خلاف. هل يتعلق بمتقدم أو متأخر؟ فيه خلاف. لكل مسألة طبعًا هذا لا يسع المقام بذكره، لكن خلاصة مبحث العلماء على قول المحققين من أهل العلم: أن الجار والمجرور هنا يتعلق بفعل، وهذا الفعل خاص، وهذا الفعل خاص مؤخر، بفعل ليس بإسم، وخاص ليس بعام، ومؤخر ليس بمقدم. هل هناك أدلة على ذلك؟ نعم، لكل حيثية من هذه الحيثيات ترجيحات. مثاله الذي يقول: بأن الجار والمجرور في ﴿بسم الله﴾ تتعلق بالفعل، لا تتعلق بالإسم، لهم مرجحات. من مرجحاته الأول: قال: بأن الأصل في العمل الأفعال. ثانيًا: أن الجملة الفعلية فيها معنى التجدد، بخلاف الجملة الإسمية أو الأسماء، فإنها تأتي بمعنى الثبوت واللزوم. ونحن هنا في عبادة، والعبادة تحتاج إلى تجدد واستمرار، فالأليق أن يتعلق الجار والمجرور بالأفعال. وكذلكم قالوا: بأن الجار والمجرور في ﴿بسم الله﴾ من نظر إلى الكتاب والسنة، يرى أنهم قد تعلقت بالأفعال. في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. اقرأ باسم ربك، باسم، هنا الجار والمجرور بماذا تعلق؟ تعلق بإقرأ، وهو فعل. في السنة، قال ربنا، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «اللهم بك وضعت جنبي»، أو «باسمك وضعت جنبي»، باسم أو بك، بما تعلق؟ تعلق بفعل، وهو وضعت. فتلاحظ أن باسم الله، وباسم تتعلق بالأفعال، إذن فالأليق هنا أن باسم تتعلق بالفعل، إذن هذا الذي رجح من رجح بأن الفعل مقدم، وليس الاسم. من قال: أنه خاص؟ قال: هذا أفضل من العام. ما الفرق بين الخاص والعام؟ عندما تفعل فعل تريد أن تقرأ، هل تقول: بسم الله أقرأ؟ أو تقول: بسم الله أبتدأ؟ بسم الله أقرأ؟ هنا تقدير خاص، تخص وتذكر الحدث الذي أنت ستقوم به. أما أبدأ هذا اللفظ عام، تأتي عند الأكل تقول: بسم الله، ما الذي تريد؟ بسم الله أأكل، أو بسم الله أبدأ؟ الأكل خاص، البداءة تقدير عام. فقال العلماء: الأليق هنا أنك تقدر خاص، تأكل في نيتك أن بسم الله أأكل، في الشرق، وثم ثانيًا. قال العلماء: أن هذا الفعل الخاص ينبغي أن يكون مؤخر، لا مقدم. مثاله: تؤلف، هل تقول: بسم الله أؤلف؟ أم التقدير أؤلف بسم الله؟ تريد أن تأكل، هل تقول: بسم الله أأكل؟ أو أأكل بسم الله؟ هل تجعل هذا الجار والمجرور متعلق بمتقدم، أو متعلق بمتأخر؟ على قول المحققين، الأولى والأجدر أن تجعل التعلق متأخر بفعل متأخر. لماذا؟ لأمرين اثنين، أولًا: التبرك بسم لفظ الجلالة، بحيث لا تجعل شيء تقدم على لفظ الجلالة، لا تقول: أأكل بسم الله، فجعلت الأكل مقدم على لفظ الجلالة. أشرب بسم الله، جعلت الشرب مقدم على لفظ الجلالة. لا، من باب التبرك على لفظ الجلالة، ولا تقدم شيء على لفظ الجلالة، اجعل التعلقات متأخرة. بسم الله أقرأ، بسم الله أأكتب، بسم الله أألف، بسم الله أنا، وهكذا تجعل التقديم متأخر. والأمر الثاني: أن هذا في ما يسمى ناحية بلاغية، وهي أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أو ما يسميه العلماء بالقصر، أي كأنك جعلت الحكم متعلق بهذا الأمر. وهذا كما يقول القاعدة عن البلاغيين: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. ننتقل إلى لفظ الجلالة: وهو ﴿الله﴾ جل في علاه. لفظ ﴿الله﴾ سبحانه وتعالى علم، وهو من أعرف المعارف، بل هو اسم الله الأعظم. وجميع الأسماء ترجع إلى ﴿الله﴾ جل وعلا، تقول: الرحمن من اسم الله، الرحيم من اسم الله، السميع من اسم الله، ترجع الأسماء كلها لله. فهو اسم الله الأعظم، حتى قالوا: هذا الاسم هو المقصود بقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. لا أحد يتسمى بالله إلا هو جل في علاه. ولفظ الجلالة ﴿الله﴾ يقول العلماء بأنه لفظ مشتق. وهذا مثل ابن سيبويه وجماعة من النحاة، وجمهور أهل اللغة على أن لفظ الجلالة ﴿الله﴾ مشتق، وأن أصلها من الإله. أصلها الإله. طيب كيف وصلت الإله بهذه الحروف إلى ﴿الله﴾ لهذا الاختصار؟ قال العلماء: عن طريق هذه العملية، وهي أولًا حذفوا الهمزة، الإِله، حذفت الهمزة هنا طلبًا للتخفيف. فلما حذفت الهمزة، ما الذي اجتمع عندنا؟ تأتي القاعدة الثانية: اجتمع عندنا لامان، لام ساكنة، ولا من متحركة. وهنا تأتي مسألة الدمج، وهما يسميه علماء اللغة بالإضغام، بإضغام المتماثلين، حرف ساكن وآخر متحرك من جنسه، فإنهم يضغمان لام ساكنة لا متحركة، فتضغم فتصير لامًا واحدة مشددة، مشددة ﴿الله﴾. ثم جاء ما يسمى بالتفخيم، ﴿الله﴾، في أثناء الضم، وأثناء الفتح. قال: هذا التفخيم تعظيمًا لفظ الرب سبحانه وتعالى. يقول: ﴿الله﴾، لا تقول: ﴿الله﴾ ترقق، لا، إنما الترقيق في حالة عند الكسر، لكن عند الضم وفتح يبقى الأصل ماذا؟ التفخيم، تقول: ﴿الله﴾. أعطي هذا التفخيم تعظيمًا لكلمة الرب سبحانه وتعالى. فإذن ﴿الله﴾ كلمة مشتقة، مشتقة من الإله، حذفت الهمزة تخفيفًا، ثم أدمجت اللام مع اللام للإضغام، ثم فخمت للتعظيم، فأصبح عندنا هذه الكلمة العظيمة ﴿الله﴾ جل في علاه سبحانه وتعالى. ستأتينا في طيات البحث: ما معنى ﴿الله﴾؟ وأن ﴿الله﴾ والإله، ما أخذ من ألِهة؟ ومعنى ألِهة، أي عُبَدة، عُبَدة مع المحبة. ألِهة يأله، عُبَدة، يُعبد. وهذا ما عرف عند أهل اللغة، خلافًا من ينكر من بعض القبورية، ينكر أصل هذه اللغة. لا ألِهة لها أصل في اللغة، حتى قال الشاعر: «لله در الغانيات المدهش سبحنا واسترجعنا من تألهي». أي من تعبدي. فالتأله بمعنى التعبد، ألِهة يأله إلهة، ألوهة، أي عُبد، عُبادة، أي عُبد، يُعبد، عُبادة. فالألوهية أي العبودية، والإله فعَال، فعَال على وزن مفعول، إله على وزن مألوه، مثل فراش على وزن مفروش. فإله مألوه، أي مألوه معبود. فهو سبحانه وتعالى المستحق للعبادة، وهذا سيأتي إن شاء الله معنا في تخريج لفظ العبادة من القرآن والسنة. ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ هذه أوصاف لله سبحانه وتعالى. الرحمن والرحيم مشتق من الرحمة. يقول العلماء: إن الرحمن أبلغ من الرحيم، الرحمن دلالته على الرحمة أبلغ من دلالة كلمة الرحيم. كيف استفدنا ذلك؟ استفدنا ذلك من قاعدة بلاغية، وهي يقول العلماء في اللغة: أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. لو عندك كلمة، وكلمة أخرى تقارن، احسب حساب عادي، احسب الأحرف في هذه الكلمة، واحسب كلمة ثانية، كما عد حروفها، ثم تقارن الذي تجد أن أحرفها أكثر، تحس وتستشعر أن لها معنى أكثر. فنأتي الآن إلى رحمن ورحيم، لو أردنا الحساب العادي، رحمن كم حرف؟ الراء والحاء والميم والألف والنون، خمسة أحرف، رحمن. والرحيم كم حرف؟ الراء والحاء والياء والميم، كم حرف؟ أربعة أحرف. الرحمن خمسة أحرف، والرحيم أربعة، إذا ما يمن أعظم مبالغة؟ الرحمن، مبالغتها في الرحمة أكثر من الرحيم. هنا تأتي مسألة: وهي ما الفرق بين الرحمن والرحيم؟ العلماء ذكروا مسألة طويلة عريضة متعلقة بالرحمن والرحيم، وهذا في المطولات. لكن حسبنا في هذا المقام أن نشير إلى أن من الفروق بين الرحمن والرحيم: أن الرحمن من حيث التعلق أعم، والرحيم من حيث التعلق أخص. وأن الرحمن من حيث اللفظ أخص، وأن الرحيم من حيث اللفظ أعم. نشكل جدول في الذهن، في الذاكرة، في الذهن، عندنا الرحمن، عندنا الرحيم، سيكون المقارنة بينهم في مسألتين اثنتين، وهي في مسألة التعلق، ومسألة اللفظ. نبدأ بالتعلق: أن الرحمن تتعلق بأشياء عامة واسعة، بخلاف الرحيم، فإنها تتعلق بأشياء مخصوصة. ويتضح ذلك بهذا المقال، يقول العلماء: أن الرحمن هي من رحمة الله التي تشمل كل الناس، كل أحد، تشمل كل أحد، من أي من إنس، من جان، حتى المؤمن، وحتى الكافر. فإن الله جل وعلا هو رحمن الدنيا والآخرة، يرحم المسلم، ويرحم كذلك الكافر. ولولا رحمة الله العامة لما عاش كافر، لما عاش كافر أبدًا، لكن لرحمة الله يعيش الكفار، يحاربونه، أشركوا به، ويصدون عن دينه، وها هو ربنا جل وعلا يطعمهم ويرزقهم، فهذه من رحمة الله. الرحمن هو رحمة واسعة، بما تتعلق به، يدخل في ذلك رحمة الكافر، ورحمة المؤمن. أما الرحيم، فلا تكون هذه الصفة إلا للمؤمنين. انظر الرحمن تعلق عام، للمؤمن وللكافر، أما الرحيم فهي لا تتعلق إلا بالمؤمنين خاصة. ولهذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. مقار رحمن رحيمًا، فصفة الرحيم خاصة بأهل إيمان، وأهل إسلام. إذن علمنا أن الرحمن في باب التعلق يدخل في ذلك المسلم والكافر والبر والفاجر. لكن في اسم الرحيم، فلا يدخل في هذا الوصف إلا من كان يصله ربنا جل وعلا بهذه الصفة لأهل إيمان فقط. هذا ما يتعلق بالمعنى العام. أما من حيث اللفظ، أو ما يسميه العلماء من حيث الإطلاق، نطلق هذه الكلمة، فإن الرحمن خاصة، والرحيم عامة. وننعكس الجدول. كيف الرحمن خاصة؟ يقول العلماء في باب اللفظ: كلمة الرحمن لا تطلق إلا على الله جل وعلا خاصة، لا أحد يدانيه، ولا أحد شبيه لله عز وجل، فيعطله هذا الاسم. ما تقول: جاء لي فلان رحمن، لا، أو رأيت هذا المعلم رحمن، ما تأتي رحمن إلا لله جل وعلا فقط، لله. أما الرحيم، فهي واسعة في اللفظ، تطلقها على الله، وتطلق كذلك على غير الله. الرحيم تقول: هذا معلم رحيم، تقول: هذا أب رحيم. بل في القرآن، قال ربنا جل وعلا في وصف نبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وصف من رحيم لنبينا عليه الصلاة والسلام. فكلمة الرحيم في باب اللفظ والإطلاق أعم، تطلق على الله جل وعلا، وتطلق كذلك على غير الله سبحانه وتعالى. هذا ما يتعلق بمعاني السريع. ما يتعلق بالإعراب، إعراب هذه الكلمة فقد مر ذلك. فالباء حرف جر، وإسم إسم مجرور، والجار والمجرور متعلقان على القول الصحيح بفعل خاص مؤخر. وإسم مضاف، ولفظ الجلالة ﴿الله﴾ مضاف إليه، والرحمن صفة، نعت أولى، والرحيم نعت ثاني. وطبعًا في قراءة نقول: ﴿الرحمن الرحيم﴾، ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. يقول العلماء: هذا الالتزام منا سماعي، ما سمعنا ﴿الرحمن الرحيم﴾ إلا مجرورة. لكن في الصناعة النحوية، هل يمكن أن يغير الإعراب؟ نعم يمكن في الصناعة، في جواز النحوي يمكن لك أن تقول: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، على الإعراب الأول، وهو الجار والمجرور، ولفظ الجلالة مضاف، مضاف إليه، ثم نعت الأول، نعت الثاني، على الجر. بإمكانك تقول: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ بالفتح، أو تقول: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. هذا يمكن. وكيف تخريجه على قول من قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾؟ فإن الرحمن مفعول به لفعل محذوف، والرحيم مفعول به لفعل محذوف، تقديره: ﴿بسم الله أمدح الرحمن أمدح الرحيم﴾، أمدح الرحمن، أمدح الرحيم. وعلى قول من قال بالضم: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، وجه ذلك أن يكون الرحمن خبر لمبتدأ محذوف، والرحيم خبر كذلك لمبتدأ محذوف، ﴿بسم الله هو الرحمن هو الرحيم﴾. هذا حتى نعلم أن هذا جائز صناعة، لكن سماعًا ما جاء إلا بالجر، ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. هذا ما يتعلق بهذه الكلمة. يقول العلماء: أن في لفظ البسملة ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ رأينا أن تم ترتيب أسماء الرب جل وعلا على حسب الأهمية. فلفظ الجلالة اختصت بالله لفظًا ومعنى، والرحمن اختص بالله جل وعلا معنى لا لفظًا. وأما الرحيم اختص بالله جل وعلا معنى لا لفظًا. وكذلك من فوائد البسملة: يقول العلماء أن فيها تم ذكر توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. ومسائل كثيرة. أحببنا أن نعرج على هذه المسائل العامة حتى نعلم أن نعلم أن هذه الكلمة تحت مباحث كثيرة، وينبغي لطالب العلم أن يعرف. وذكر عبارة عن رؤوس أقلام لمسائل كثيرة جدًا حول اشتقاقات الكلمة، وحول معاني الكلمة، وحول اختلافات الكلمة. هذا ترجع لطالب العلم، من أراد أن يزداد همة وعلم وفقه وفهم عليه أن يرجع المطولات، ويرجع إلى المجردات ممن اهتمت بشرح هذه الكلمة. وإن شاء الله أخواني في الله ندخل في درس غد بإذن الله في أصل الكتاب، مع التنبيه طبعًا هذه حالة خاصة، أطلنا النفس في هذه المسألة لأنها لا تحتاج إلى تقطيع ولا إلى بتر، فأحببنا أن نذكر المسألة بأسرها بكاملها. ولكن بإذن الله كما اعتدنا ستكون دروس مسهلة، مصغرة، مبسطة، ليست بالطويلة المملة، وليست بالقصيرة المخلة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.