الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 453، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي سلمان الفارسي رحلته الطويلة في البحث عن الحق، حيث انتقل بين العديد من الأشخاص في مناطق مختلفة حتى وصل إلى معلومات عن نبي سيبعث بأرض العرب. ثم أسلم بعد التأكد من نبوته بعلامات حددها له راهب.
ساعد النبي صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي في عتقه من الرق عن طريق المكاتبة، حيث ساهم النبي وأصحابه في توفير ما عليه من نخيل ومال حتى تمكن من أداء التزاماته.
أشارت السيدة عائشة إلى مشاركتها في معركة الخندق مع النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرت إشارة النبي إلى سلمان الفارسي عند الحديث عن قيمة الدين والجهاد.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، ذكرنا في الدرس الذي مضى بعض ما جاء في حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه. قال ابن عباس: يقول سلمان: فما رأيت رجلا -لا يصلي بعدما جاء إلى أول رجل- الآخر بعدما توفي ذاك الرجل السيئ استلم الكنيسة رجلا، رجل آخر. قال: قال: فما رأيت رجلا لا يصلي الخمسة، أرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أدعب ليلا ونهارا منه، عن أنه كان مجتهدا في الطاعة، يصلي الخمس، وكذلك أيضا زاهدا في الدنيا، وهو مخلص لله عز وجل، وراغب في الآخرة، وعنى أنه رجل صدق. قال: فأحببته حبا لم أحبه من قبله، وأقمت معه زمانا. قال: ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان، إني كنت معك، وأحببتك حبا لم أحبه من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم أحدا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلا بالموصل، وهو فلان، فهو على ما كنت عليه، فالحق به. وهذا من النصيحة. قال: فلما مات وغيب، لحقت بصاحب الموصل، والموصل هي منطقة من مناطق العراق. قال: فقلت له: يا فلان، إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته خير رجل، على أمر صاحبه، على مثل ما كان يفعل صاحبه. قال: فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا فلان، إن فلانا أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله عز وجل ما ترى، فإلى من توصي بي؟ فهو ما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه، إلا رجلا بنصيبين، وهو فلان، فالحق به. وهذا كله في الشام، معنى يعتبر من الشام، والعراق، وبعض مناطق العراق تعتبر من الشام، ونصيبين هذه بين العراق والشام، وكانت قديما الظاهر من الشام. قال: فلما مات وغيب، لحقت بصاحب نصيبين، فجئته، فأخبرته بخبري، وما أمرني به صاحبي. قال: فأقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل. والله ما لبث أن نزل به الموت، وهذا أيضا يدل على أن دين النصارى تحرف كثيرا، حتى ما صار من يتمسك بدين النصارى إلا أفراد معدودون. قال: فلما حضر، قلت له: يا فلان، إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما نعلم أحدا بقي على أمرنا، آمرك أن تأتيه، إلا رجلا بعمورية، فإنه مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأتيه. قال: فإنه على أمرنا. قال: فلما مات وغيب، لحقت بصاحب عمورية، وأخبرته بخبري، فقال: أقم عندي. قال: فأقمت مع رجل على هدي أصحابي وأمرهم. قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة. قال: ثم نزل به أمر الله عن الموت، فلما حضر، قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس، أمرك أن تأتيه، ولكن قد أظلك زمان نبي، مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، أنا في دين إبراهيم -أي بالتوحيد- مثل ما دعا إليه إبراهيم. لقد بعثنا في كل أمة الرسول أن يعبدوا الله، واجتنبوا الطاغوت. وإنما قيل له دين إبراهيم؛ لأنه أبو الأنبياء الذين دعوا إلى ذلك التوحيد. قال: يخرج بأرض العرب، مهاجرا إلى أرض بين حرتين -الحرة هي الحجارة السوداء، سمى حجارة الزيت، سميت حرة لأن الشمس إذا جاءت إليها تكون حارة جدا- فكانت المدينة بين حرتين. قال: بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل هدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة. فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. قال: ثم مات وغيب، فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث. وهذا يدل على أن سلمان الفارسي كان قد عمر، وذكر بعض العلماء أنه بلغ إلى أكثر من مئتي سنة، والله أعلم بهذا. قال: ثم مر بي نفر من كلب تجار -كلب معنى قبيلة كلب، وهي من قبائل الحجاز- فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه. قالوا: نعم. قال: فأعطيتموها، وحملوني، حتى إذا قدموا بي وادي القرى، ظلموني، فباعوني من رجل من يهود عبدا -معنى رجل يهودي اشترى سلمان من هؤلاء من قبيلة كلب- معنى باعوه عبدا، وهو حر. قال: فكنت عنده، ورأيت النخل، ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يحقق لي في نفسي. فبينما أنا عنده، قدم عليه ابن عم له من المدينة، من بني قريضة، فابتاعني منه -فابتاعني أي اشتراني منه- فاحتملني إلى المدينة. فوالله ما هو إلا أن رأيتها، فعرفتها بصفة صاحبي، أنا ذاك الذي أخبره الراهب. قال: فأقمت بها، وبعث الله رسوله، فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر، مع ما أنا فيه من شغل الرق؛ لأنه كان عبدا اشتغل مع صاحبه، فلهذا لا يسمع بخروج النبي عليه الصلاة والسلام أو ببعثته. قال: ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي، أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس، إذ أقبل ابن عم له، حتى وقف عليه، فقال: فلان، قاتل الله بني قيلة -بن قيلهم العوس والخزرج، وهذه قيلة جدة لهم، جدة لهم، فينسبوا إليها، فيقال لهم بنو قيلة- قال: والله إنهم الآن مجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم، يزعمون أنه نبي. قال: فلما سمعتها، أخذتني العرواء -حتى ظننت سأسقط على سيدي- أنا العرواء كأنه مثل أخذه شيء، مثل لغطاء، أنا كأنه سيغمى عليه. قال: ونزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي، فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: ما لك ولهذا؟ أقبل على عملك. قال: قلت: لا شيء، إنما أردت أن استثبت عما قال. قال: وقد كان عندي شيء قد شمعته، فلما أمسيت، أخذته، ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء، ذوو حاجة. وهذا شيء كان عندي للصدقة -معنى كأنه قاء- معنى نوى به للصدقة. قال: فرأيتكم أحق به من غيركم. قال: فقربته إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: كلوا، وأمسك يده، فلم يأكل. قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة -أي أنه لا يأكل الصدقة- قال: ثم انصرفت عنه، فجمعت شيئا، وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة -أنا كان بقباء أول ما نزل في ديار بني عمرو بن حوف، ثم جلس فترة، قيل: إنه عشرون يوما، وقيل: أقل، ثم تحول إلى المدينة، وبنى بها المسجد- قال: ثم جئت به، فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها. قال: فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه. قال: فقلت في نفسي: ثاني اثنتين. ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم وهو ببقيع الغرقد -وسمي بقيع الغرقد؛ لأكثر الشجر الذي فيه من الغرقد، والغرقد هو شجر اليهود كما سماه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو شجر داسر- قالوا: قد تبع جنازة رجل من أصحابه عليه شملتان له، وهو جالس في أصحابه. وأكثر الصحابة الذين ماتوا في المدينة دفنوا في البقيع؛ لأنها كانت مقبرة أهل المدينة. قال: وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهري، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي. فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدرته، عرف أني استثبت في شيء وصف لي. وهذا الخاتم هو لحمة ظاهرة عليها شيء من الشعر، وهذا هو علامة النبوة أو خاتم النبوة. فرآه سلمان رضي الله عنه. النبي عليه الصلاة والسلام لما رآه استدار، عرف أنه يريد أن يستثبت من شيء، فألقى رداءه على أن ظهره. قال: فنظرت إلى الخاتم، فعرفته، فانكببت عليه -أو قبلته- واعتنقته، أنا عرفت أنه هو الذي وصف له النبي عليه الصلاة والسلام. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تحول -أي تحول أمامي- فتحولت، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس. قال: فأعجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يسمع ذلك أصحابه؛ لأنها مثل عظيم فيمن يبحث عن الحق، ووفقه الله عز وجل للحق. كما ذكرنا قبل أن من أعظم فوائد هذه القصة: أن من أخلص نيته للحق والبحث عنه، فإنه يوفقه الله عز وجل محاله. وقد جاء في حديث عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول في صلاة الليل: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». فهذا الدعاء العظيم كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو به في صلاة الليل، وهو دعاء من أراد الحق، أراد الهداية من الله. قال: ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كاتب يا سلمان. فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة، وحييها له بالفقير، وبأربعين أوقية -أنا من الفضة- والأوقية أربعون درهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد؛ لأنه لم يحضرها. ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: كاتب يا سلمان -كاتب معنى اجعل لك كتابة مع سيدك، مثلا تقول له: أعطيك كذا حتى أعتيق- فكاتبه أي سلمان كاتب صاحبه بثلاثمائة نخلة يغرزها، وكذلك يعطيه أربعين أوقية من الفضة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: أعينوا أخاكم. قال: فأعانوني بالنخل -الرجل بثلاثين وديّة، الودية هي الفسيلة التي تغرس، وأنا تؤتى منها النخلة، أنا الودية أكبر من الفسيلة، وهي الغرز مثل هذا الغرز الذي عند المسجد- قال: والرجل بعشرين، والرجل بخمسة عشرة، والرجل بعشرين -معنى كل واحد يأتي بعدد من الوديات- قال: والرجل بعشر، يعني الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة وديّة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب يا سلمان، ففقر لها، واحفر لها، وضعها، فإذا فرغت فأتني، أكون أنا أضعها بيدي. قال: فحفرت لها، وعانني أصحابه، حتى إذا فرغت منها، جئته، فأخبرته، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها، فجعلنا نقرب له الودي، ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده. هو الذي نفس سلمان بيده، ما ماتت منها وديّة واحدة، أنا كلها صارت نخلا. قال: فأديت النخل، وبقي علي المال، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي. قال: ما فعل الفارسي المكاتب؟ قال: فدعيت له، فقال: خذ هذه، فأد بها ما عليك يا سلمان. أنا أعطيهم هذه البيضة من الذهب. فقلت: وأين تقع هذه رسول الله مما عليه؟ أنا عليه أربعون أوقية. قال: خذها، فإن الله عز وجل سيؤدي بها عنك. قال: فأخذتها، فوزنت لهم منها، والذي نفس سلمان بيده: أربعين أوقية، أنا وفت ما أراد. وهذا بركة بركة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: قال: فأديتهم حقه، وعتقت، فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، ثم لم يفتني -أو لم يفتني معه مشهد- وهذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كان الدين بالثري لناله رجال من هؤلاء»، وأشار إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه. وإن شاء الله عز وجل لعل الله عز وجل يسر مجلسا نذكر فوائد هذا الحديث، إن شاء الله. نكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.