الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
أمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالتقرب من الفقراء والابتعاد عن الأغنياء الذين يميلون إلى الدنيا. هذا التوجيه يشدد على أهمية التأدب بهذا الخلق للمعلمين الذين يقرؤون القرآن ويعلمون العلم.
نزلت آيات من القرآن الكريم تعاتب النبي صلى الله عليه وسلم على إعراضه عن فقراء الصحابة بناءً على طلب كفار قريش. هذه القصة تظهر موقف القرآن من تفضيل الأغنياء على الفقراء.
يحذر المقطع من تفضيل الأغنياء على الفقراء في مجالسة العلم، ويشدد على ضرورة معاملة الجميع بالعدل. كما يصف حرص السلف مثل ابن مسعود على الجلوس بجانب النبي عليه الصلاة والسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله في كتابه أخلاق حملة القرآن: قال محمد بن الحسين، ويتأول فيه ما أدب الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم. حيث أمره أن يقرب الفقراء، ولا تعد عيناه عنهم، يعني لا ينشغل عنهم ويبتعد عنهم، ويقرب غيرهم، إذ كان قوم أرادوا الدنيا، فأحبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدني منهم مجلسهم، وأن يرفعهم على من سواهم من الفقراء، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما سألوا، لا لأنه أراد الدنيا، ولكنه يتألفهم على الإسلام، يعني كانوا من أهل الغنى والشرف، فما أحب أن يجلسوا في مجالس الفقراء، وأرادوا أن يكون لهم مجلسا مستقلا، فأجابهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك رغبة في إسلامهم، وليس رغبة فيما عندهم من الدنيا. قال: فأرشد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إلى أشرف الأخلاق عنده، فأمره أن يقرب الفقراء، وينبسط إليهم، ويصبر عليهم، وأن يباعد الأغنياء الذين يميلون إلى الدنيا، ففعل صلى الله عليه وسلم. وهذا الأمر كان في أول الإسلام، عند قلة المسلمين، ورغبة النبي عليه الصلاة والسلام في دخول الناس في دين الإسلام، فلما طلبوا هذا الطلب، أجابهم النبي عليه الصلاة والسلام رغبة في إسلامهم، رغبة في إسلامهم. فجاء النهي من الله سبحانه وتعالى أن يستجيب لهم، وأنزل الله عز وجل قوله: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين﴾. فحينئذ ترك النبي عليه الصلاة والسلام ما طلب هؤلاء الأغنياء، وصبر مع مجالسة الفقراء. قالوا: هذا أصل يحتاج إليه جميع من جلس يعلم القرآن والعلم، يتأدب به، ويلزم نفسه ذلك، إن كان يريد الله تعالى بذلك، يعني أنه لا يلتفت إلى الأغنياء ويترك الفقراء، لا، بل ينبغي أن يعتني بالفقراء، وأن يقربهم، ويتحبب إليهم. قال: فأنا أذكر ما فيه، ليكون الناظر في كتابنا فقيها بما يتقرب به إلى الله عز وجل، يقرئ لله تعالى، ويقتضي ثوابه من الله، جلت عظمته، لا من المخلوقين. قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا عمر بن محمد العنقزي، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود، عن خباب بن الأرت، في قول الله عز وجل: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه إلى قوله فتكون من الظالمين﴾. قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب، وبلال، وعمار، وخباب، في أناس من الضعفاء من المؤمنين، فقال: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب، نأتيك، فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد - يعني ما هؤلاء العبيد الفقراء - فإذا نحن جئنا فانحهم عنا - أي أبعدهم - أو كما قال، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، فقال: نعم. فقال: فاكتب لنا عليك كتابا. قال: فدعا بالصحيفة، ودعا عليا رضي الله عنه ليكتب، ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل عليه السلام، فقال: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين﴾. قال: ثم ذكر الأقرع وعيينة، فقال عز وجل: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾، ثم قال عز وجل: ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾. قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾. قال: يقول لا تعد عيناك عنهم وتجالس الأشراف، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا - يعني عيينة والأقرع - واتبع هواه، وكان أمره فرطا. قال: ثم ضرب لهم مثلا رجلين، ومثل الحياة الدنيا. قال: فكنا نقعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا بلغنا الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم. هذه القصة ذكرها أو أخرجها الإمام النسائي في سننه، وذكرها الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره، وقال: هذا حديث غريب. قال: فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر، هذه الآية القصة حصلت في مكة، وكيف ذكر فيها الأقرع وعيينة وهما إنما أسلما بعد الهجرة - يعني في المدينة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة - فهذا يدل على عدم صحة هذه القصة، وهذا الحديث. ويغني عن هذه القصة ما جاء في صحيح الإمام مسلم، من حديث سعد بن أبي وقاص، قال: كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام ستة نفر، فقال المشركون للنبي عليه الصلاة والسلام: أطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما - يعني كنا نحن حول النبي عليه الصلاة والسلام هؤلاء ممن بادروا بالإسلام. قال: فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع - يعني حدث النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بذلك أن يطردهم رجاء أن يسلم هؤلاء الأشراف - قال: فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾. هذا الحديث هو الصحيح في سبب نزول هذه الآية، أو في صحيح الإمام مسلم. فعلى كل، فأصل القصة صحيحة، أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع في نفسه ذلك أن يطرد الفقراء ويقرب هؤلاء الأغنياء والأشراف، لكن ليس لأجل الميل إلى دنياهم، وإنما من أجل الرغبة في إسلامهم، ومع ذلك جاء النهي من الله سبحانه وتعالى. فكيف بمن أبعد الفقراء وقرب الأغنياء لأجل ماذا؟ الطمع في أيديهم من الدنيا، يعني الذي مثلا يعلم الناس القرآن، إذا جاءه الغني قربه، تعال اجلس بجانبه، وإذا جاء الفقير خلاه بعيد، ويعتني بهذا أكثر من ذاك، ويستمع له وينصت له، وذاك علماشي كما يقال، لماذا طمع فيما عنده من دنيا؟ فأخشى أن هذا أمر مذموم، ولا ينبغي أن يفعله حامل القرآن، لا ينبغي أن يفعله حامل القرآن. قال: قال محمد بن الحسين: حق الناس باستعمال هذا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهل القرآن إذا جلسوا لتعليم القرآن، يريدون به الله عز وجل، يعني أن يعتبروا بمثل هذه الحادثة، وهذه القصة، فيقربون الفقراء، ويقربون المساكين، ويعتنون بهم، ويعاملون الجميع معاملة العدل، سواء كان فقيرا أو كان غنيا، لا يبعد هذا لأجل فقره، ولا يقرب هذا لأجل غناه، بل يعامل الجميع بمعاملة العدل. وإن قرب الفقير لكونه في الغالب أنه ممن لا يعبأ به، ولا يلتفت إليه، وربما يعني أنقص من حقه، ونحو ذلك، فلا بأس، فلا بأس من باب العناية والاعتناء بهم. قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن هارون بن أبي وكيع، قال: سمعت زاذان أبا عمر يقول: دخلت على ابن مسعود، فوجدت أصحاب الخز واليمنية - والمراد بهم يعني ممن عندهم أموال، والخز واليمنية نوعان من الثياب الفاخرة - يعني أصحاب الثياب الفاخرة وأهل الغناء. قال: قد سبقوني إلى المجلس، فناديته: يا عبد الله، من أجل أني رجل أعمى أدنيت هؤلاء وأقصيتني - يعني قربت هؤلاء وأبعدتني كون أني أعمى ما عندي شيء فقير، وهؤلاء أصحاب الثياب الفاخرة وأصحاب الأموال قربتهم لأجل ذلك - قال: فقال: أدنه أقرب. قال: فدنوت حتى ما كان بيني وبينه جليس - يعني قربه ابن مسعود حتى أجلسه بجانبه، لم يكن بينه وبين ابن مسعود أحد - وهذا عمل السلف رضوان الله عليهم، بما يعني فعله النبي عليه الصلاة والسلام من جلوسهم مع فقراء والاعتناء بهم وتقريبهم، فهكذا فعل ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. طيب، العالم نقف هنا إلى هنا، صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.