الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 35، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول شرط قبول رواية مجهول العدالة ظاهرا وباطنا عند الجماهير، حيث يرى بعض الشافعية قبول رواية من جهلت عدالته باطنا ولكن عدل في الظاهر. يشرح معنى العدالة الظاهرة والباطنة وموقف الأصوليين وأهل الحديث منها.
اتفق العلماء على عدم الأخذ بحديث من لم تعرف عدالته، بينما يمكن الاستشهاد بحديث مجهول الحال في بعض الأحيان. يتناول شروط قبول رواية مجهول العين والحال، حيث يرى بعض العلماء أن رواية العدلين أو تزكية العلماء ترفع جهالة العين.
سؤال ابن أبي حاتم لأبيه عن تأثير رواية الرجل العدل لأهل الحديث عن رجل مجهول على عدالته، وأجاب أبوه بأن ذلك ينفعه ويرفعه من جهالة العين إلى جهالة الحال. يبين أهمية الرواية في رفع الجهالة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: مسألة مجهول العدالة ظاهرا وباطنا لا تقبل روايته عند الجماهير. ومن جهلت عدالته باطنا، ولكنه عدل في الظاهر، وهو المستور، فقد قال بقبول روايته بعض الشافعيين، ورجح ذلك سليم بن عيوب. سليم بن عيوب هذا الذي شرح الرسالة للشافعي قال: وفقه ابن الصلاح. وقد حررت البحث في ذلك في المقدمات، والله أعلم. الآن المجهول، يقول: مجهول العدالة ظاهرا وباطنا. أما ظاهرا، فالمراد به ما يشتهر به من معنى العدالة الظاهرة، ما يشتهر به من الخير، سواء كان في طلب علم، أو أنه رجل عابد، أو رجل صاحب نجدة، ينقذ الناس. كان الناس، لأن أكثر أسفارهم كانت بالمشي في الصحراء، وكذا فعرف هناك. أو ناس أعدوا أنفسهم للإنقاذ، أن يمرون في الصحاري، وكذا، فإذا وجدوا إنسانا تائها، دلوه على الطريق. أنا ما في اتصالات، لكن جعل الله عز وجل أناسا بمثل هذه الأمور، أو مثلا إنسان اعترضه لصوص، أو كذا، وقرب منه هؤلاء يأتون وينقذونه من اللصوص. ومن عرف من الصحابة رضي الله عنهم بهذا المقدام بن معدي كرب، فهو اشتهر بالنجدة رضي الله عنه، واشتهر أيضا أناس بهذه النجدة، فهم يعتبرون كرام عند الناس. وما يفعل هذا إلا رجل فيه خير عظيم، فهذا تسمى عدالة ظاهرة. لكن المراد بالعدالة الباطنة، فحصل خلاف بين الأصوليين. وهذه الأشياء ما يذكرها إلا الأصوليون. أما هل الحديث ما يفرقون بين عدالة ظاهرة وباطنة، عندهم فقط أنه يزكيه أحد العلماء. أما عدالة ظاهرة وباطنة، هذا عند الأصوليين. وابن الصلاح أخذها منهم، فذكرها في كتابه. وإلا فهي لا يذكرها أهل الحديث، فيسمون من ظهرت عدالته الظاهرة يسمونه مستورا. وعند أهل الحديث لا فرق بين المستور وبين مجهول الحال. لكن أهل الأصول يفرقون، فقبله بعض الشافعية. بعض الشافعية قبله، كما ذكر ذلك سليم بن عيوب في شرحه، كما ذكر ابن الصلاح وغيره في شرحه للرسالة، ذكر أن الصحيح أنها تقبل روايته. وهذا على خلاف كلام الشافعي، أن ظاهر كلام الشافعي يرد رواية مجهول. ولم يذكر الشافعي هذا التقسيم الظاهر والباطن، وما المراد بالعدالة الظاهرة والباطنة. فأكثر أهل العلم يقولون: العدالة الباطنة هو تعديل القضاء والعلماء. أن إن كان في مسألة الشهود، فتعتبر العدالة الباطنة تعديل القضاء. وإن كان في الرواة، فالمراد بالعدالة الباطنة هو تعديل العلماء له. أن الإنسان لا يعرف ماذا في باطنه، وإنما إذا زكاه العلماء صار مزكى من العلماء، ويقال له عدل، لأن العلماء عدلوه. فهذه يسمى العدالة الباطنة. ومنهم من ذكر على خلاف هذا، وهو ما أيضا ما ظهر أكثر من شهرته بالعلم والإخلاص والزهد، وكذا. لكن هذا ليس المقصود، لأن مثل هذه الأمور لا تعلم إلا في النادر. فلهذا ليس المقصود العدالة الباطنة مثل هذا، وإنما العدالة الباطنة كما ذكر السخاوي وغيره في فتح المغيث، وغيرهم من العلماء، أن المراد بالعدالة الباطنة هي تزكية العلماء والقضاء. خلاصة الأمر أن الذي اتفق عليه العلماء، أو كادوا يتفقون عليه إلا من شذ منهم كابن حبان، وقريب منه ابن عبدالبر، أن من لم تعرف عدالته لا يأخذ حديثه. فمجهول العدالة لا يأخذ حديثه أبدا. لكن إن كانت عدالته ظاهرة، معنى مجهول حال، إن كان مجهول حال، ممكن أنه يستشهد بحديثه. وأما إن كان مجهول عين، فهو أبعد من هذا. قال: فأما المبهم الذي لم يسم، أو من سمي ولا تعرف عينه، فهذا مما لا يقبل روايته أحد علمناه. ولكنه إذا كان في عصر التابعين والقرون المشهود لهم بالخير، فإنه يستأنس بروايته، ويستطاع بها في مواطن. وقد وقع في مسند إمام أحمد وغيره من هذا القبيل كثير. وهذا كلام عظيم ذكره ابن الصلاح. ذكر في مسألة المبهم أو مجهول العين، فذكر أنه لا يقبله أحد من العلماء أولا هذا. وأيضا كذلك هل يستشهد به؟ نعم يستشهد بمن كان في عصر التابعين، في عصر التابعين ممكن، والقرون المشهود لهم بالخير ممكن أنه يستشهد بمجهول العين. وأما ما كان دون ذلك، لأنه دخل أو كثر الكذب في الناس، فلهذا غالبا ما يكون مبهما الشخص أو مجهول العين، إلا إذا كان فيه شيء، إما يكذب، وإما أيضا أراد شيء من الحديث. ولهذا تجد أكثر الكذابين يخفون أنفسهم، ويخفون أسماءهم، أو أنه يخفيهم الرواة. هذا محمد بن سائب الكلبي اتهم بالكذب، لشدة رغبته وشهوته في الأخبار، حتى أنه كان يكذب، فاتهموه بالكذب. فتجد أن بعض علماء الكوفة كان يسميه بغير اسمه. كان أبو أسامة محمد بن أسامة كان يسمي محمد بن السائب بغير اسمه المشهور، كان يقول: حدثنا أبو السائب، وحيانا يقول: حدثنا حمد، أو يقول: حدثنا أبو سعيد، وهكذا يأتي له بأسماء ليست مشهورة عند الناس. وكذلك أيضا محمد بن سعيد المصلوب الذي صلب بالزندقة، فإنه أيضا يخفي اسمه كثيرا، أو يخفيه الرواة. وكذلك أيضا عرف من المحدثين، أو من الرواة من كبارهم، ومن حفاظهم، أنهم كانوا يفعلون ذلك كذلك، أنهم يعمون عن الكذابين والضعفاء، مثل ما يفعل بقي بن الوليد، وابن جريج، وجماعة من حفاظ الحديث. فلهذا العلماء قالوا: لا يقبل أبدا مجهول العين، وخاصة إذا كان متأخرا، فإنه لا يقبل مجهول العين، ولا المبهم. المبهم الذي لم يسم هو مثل مجهول العين، وأعظم. مجهول العين يسمى اسمه، ممكن يعرف مثلا بلده، يعرف مثلا إخوانه، يعرف أباه، لكن هذا لا يعرف من عينه فلان فقط، أو رجل، أو رجل من بني كذا، فهذا مبهم. قال الخطيب البغدادي وغيره: وترتفع الجهالة عن الراوي بمعرفة العلماء له، أو برواية عدلين عنه. أما معرفة العلماء له، فهذا متفق عليه. أما رواية العدلين عنه، قال بها كثير من العلماء، منهم الدارقطني، والخطيب البغدادي، والحاكم أبو عبد الله. لكن إذا ارتفعت هذه الجهالة، إنما ترتفع جهالة العين، ويبقى مجهول حال. وهذا أيضا قول أكثر المتأخرين. وأول من قال بهذا القول هو محمد بن يحيى الذهلي، وتبعه عليه كثير من المتأخرين. وأما من عمل كلام العلماء كأحمد، وعلي بن المديني، والبخاري، وغيرهم، فإنهم يكتفون بالشهرة أحيانا في رفع جهالة الراوي. قال الخطيب: لا يثبت له حكم العدالة بروايته ما عنه، وإنما ترفع الجهالة فقط. وعلى هذا النمط مشى ابن حبان وغيره، بأن حكم له بالعدالة بمجرد هذه الحالة. بل هو أشد من هذا، معناه ليس فقط يقبل مجهول الحال، بل حتى يقبل مجهول العين. قال: فالمجهول الحال والعين لا يقبل، لكن مجهول الحال يستأنس به في الرواية، ويستشهد به. وأما مجهول العين، فالأصل أنه لا يستأنس به، ولا يستشهد، إلا إذا كان من القرون المفضلة، معناه من التابعين، أو من كبار التابعين، أو من المخضرمين، أو غيرهم، فهؤلاء معناه يستشهد، ويستأنس بحديثهم. وأما ما كان بعد القرون المفضلة، فلا يستشهد بحديثه، بل يرد حديثه. وأما مسألة حد المجهول، متى ترتفع جهالته، فهذه المسألة مما حصل فيها الخلاف شديد. فكما قلنا أن محمد بن يحيى الذهلي قال: إذا زكاه، أو إذا روى عنه عدلان، ارتفعت جهالة العين إلى جهالة الحال. وإذا روى عنه واحد، فيكون مجهول عين. وإذا روى عنه اثنان، كان مجهول حال. وإذا وثقه عدل، ولو رجل من العلماء، واحد يعرف أسباب الجرح والتعديل، فيقبل تعديله، ولو كانت امرأة. وأما مجهول الحال، كما قلنا، يقبل إذا عدله غيره. قال الحافظ ابن رجب في شرح العلل: أن أحمد يوثق بالشهرة، أن أحمد يرفع جهالة العبد أو الراوي بالشهرة. وإلا أكثر أهل العلم، كما قلنا، أن من روى عنه العدول، فإن كان اثنان أو واحد، فإنه يرفعه من جهالة العين إلى جهالة الحال. وقد ذكر ابن أبي حاتم رحمه الله: أنه سأل أباه: الرجل من أهل الحديث العدل، يروي عن رجل مجهول، هل ينفعه ذلك؟ قال: نعم ينفعه. معناه يرفعه من جهالة العين إلى جهالة الحال. هذا والله أعلم.