الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 40، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد المقطع الأول على ضرورة مخالفة المسلمين لأهل الكتاب في العبادات، مستندًا إلى أقوال السلف وتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم. يشدد على أهمية التميز في العبادات مثل الصلاة والصيام.
يشرح المقطع الثاني أهمية مخالفة اليهود والنصارى في تعجيل الفطر، مشيرًا إلى أن ذلك يعبر عن تميز الأمة وتمسكها بالفطرة. يستند إلى أحاديث نبوية تبرز أهمية تعجيل الفطر والمغرب.
يناقش المقطع الثالث تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من مشابهة اليهود والنصارى في تأخير الصلوات وصيام يومين متتاليين. يشير إلى الأحاديث النبوية التي تنهى عن هذه الممارسات.
يربط المقطع الرابع بين النهي عن الوصال وبين صوم النصارى، موضحًا أن الوصال جزء من رهبانية ابتدعها النصارى. يشير إلى أن النهي النبوي يهدف إلى مخالفة هذه الممارسات المبتدعة.
بسم الله الرحمن الرحيم، حمدًا لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال السلف، تارة يعللون الكراهة بالتشبه بأهل الكتاب، وتارة بالتشبه بالأعاجم، وكلا العلتين منصوصة في السنة، أي نص بها في الأحاديث، تشبه بها الكتاب أو الأعاجم، والمراد بهم الكفار، معنى الأعجم أي الكفار منهم؛ لأن العجم غالبًا أهل الكفر يكونون منهم. قال: معنى قول الصادق صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر بوقوع المشابهة لهؤلاء أولًا، كما قدمنا بيانه. قالوا: عن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم»، رواه أبو داود. قالوا: هذا مع أن نزع اليهود نعالهم مأخوذ عن موسى عليه السلام، لما قيل له: «فاخلعن نعليك»، أنا أمر بالمخالفة في هذا الباب، إلا لأن النعال أو عدم الصلاة في النعال كانت من دين موسى، فلهذا صار هذا الأمر ليس بالوجوب. لكن قال بعض العلماء: وجوبه هو اعتقاد شرعية ذلك، فمن اعتقد شرعية ذلك فهو يخالف اليهود، ومن لم يعتقد ذلك - كما في الروافض - فإنهم لا يجوزون الصلاة في النعال ولا في الخفاف، فهو متابع لليهود. قالوا: عن عمر بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر»، رواه مسلم في صحيحه. قالوا: هذا يدل على أن الفصل بين العبادتين أمر مقصود للشارع، قد صرح بذلك. ويُراد أن يُبين أن الله عز وجل أو النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا حتى بمخالفة أهل الكتاب فيما شرع لهم، حتى فيما شرع لهم في دينهم. فهناك أيضًا أشياء أمرنا الله عز وجل أن نخالفهم فيها. لكن هل هذا الخلاف المراد به أن الوجوب وجوب المخالفة؟ أم أن المراد هو التميز فقط؟ فهذا الظاهر هو الثاني، ولهذا لم يكن واجبًا. قال: وقد صرح بذلك فيما رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون». قال: وهذا كلها أحاديث صحيحة، سواء كان الحديث الأول حديث شداد بن أوس، وأما حديث عمر بن العاص فبصحيح مسلم، وحديث أبي هريرة الآخر أيضًا خرجه أحمد وأبو داود، وهو حديث صحيح. قال: وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى، وإذا كان مخالفتهم سببًا لظهور الدين، فإنما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة، حتى تتميز هذه الأمة بدينها ومنهجها الذي رسمه الله عز وجل لهم على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وهكذا روى أبو داود من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تزال أمتي بخير - أو قال: على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم». رواه ابن ماجة من حديث العباس، ورواه الإمام أحمد من حديث السائب بن يزيد، وهذا أيضًا حديث صحيح. وقد جاءت له شواهد تدل على أن أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى إلى أن تشتبك النجوم، كما تفعل الروافض؛ الروافض يؤخرون المغرب حتى تشتبك النجوم، وأما أهل السنة فيعجلون المغرب ويعجلون الإفطار. قالوا: قد جاء تفسير تعليل «لا يزالون بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى طلوع النجم» مضاهاة لليهودية، ويؤخرون الفجر إلى محاق النجوم مضاهاة للنصرانية. قال سعيد المنصور: حدثنا أبو معاوية - وهو محمد بن خازم بالضبط - قال: حدثنا الصلت بن بهرام، والصلت بن بهرام كوفي وهو ثقة، كذلك وقد اشتهر بالإرجاء، عن الحارث بن وهب، والحارث بن وهب هو أيضًا ثقة، قال: عن أبي عبد الرحمن الصنابحي - وهو من التابعين - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تزال أمتي على ملة ما لم ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم مضاهاة لليهودية، ولم ينتظروا بالفجر محاق النجوم مضاهاة للنصرانية، ولم يتركوا الجنائز إلى أهلها». وهذا الحديث مرسل، والمرسل من قسم الضعيف، وإلا إسناده إلى الصنابحي صحيح، لكنه مرسل. والمراد بقوله: «بالفجر محاق النجوم مضاهاة للنصرانية»، أي الذين يؤخرون الفجر حتى تذهب النجوم، محاق النجوم أي ذهابها. قال: أو قال سعيد بن منصور: حدثنا عبيد الله بن زياد، حدثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط - بالتصحيف - عن نبيه، عن امرأة بشير بن الخصاصية، قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فنهاني عنه بشير، وبشير من الصحابة - من بني سدوس -، بشير بن الخصاصية السدوسي، وهو من البصريين، قال: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فنهاني عنه بشير، وقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهاني عن ذلك، وقال: إنما يفعل ذلك النصارى، صوموا كما أمركم الله، وأتموا الصوم كما أمركم الله، وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا». هذا الحديث فيه جهالة بهذه المرأة، زوجة بشير بن الخصاصية، وقيل: إنها صحابية، وذكر ابن حبان أنها من التابعين، والظاهر هذا، والحديث فيه شيء من الجهالة، لكنه له شواهد كما تقدمت. قال: فعلل النهي عن الوصال بأنه صوم النصارى، وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويشبه أن يكون من رهبانية النصارى التي ابتدعوها.