شرح العقيدة الواسطية 50

شرح العقيدة الواسطية 50

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 50، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الإيمان بالقرآن وتأصيل العقيدة

يناقش الإيمان بالقرآن ككلام الله غير مخلوق، ويشرح أن هذه العقيدة من أصول أهل السنة والجماعة. يستدل على ذلك بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.

الآراء الكلامية حول القرآن

يتناول آراء الكلابية والأشاعرة في وصف القرآن، ويشرح الفرق بينهما في التعبير عن القرآن. يوضح أن كلا الطائفتين ترفض إثبات صفة الكلام الحقيقي لله.

تفصيل الكلام حول القرآن وألفاظه ومعانيه

يشرح التفريق بين كلام الله وكلام العبد في القرآن، ويوضح أن ألفاظ القرآن ومعانيه من عند الله. يتناول الخلاف حول الحديث القدسي.

التمييز بين القرآن والحديث القدسي

يشرح الفروق بين القرآن والحديث القدسي، حيث أن القرآن معجز ومتواتر ويتعبّد بتلاوته. يتناول آراء العلماء حول لفظ الحديث القدسي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: انتهينا في درس أمس من الفقرة التي تحدث فيها المؤلف رحمه الله تعالى عن مسألة المعية والقرب، وذكرنا الخلافة الحاصلة فيها مع الإيضاح لمسألة قرب الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ومن الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه المتكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره. وليجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام أو عبارة، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة. فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا، وهو كلام الله حروفه ومعانيه، وليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف. هذه الفقرة، إخواني في الله، قد مضت معنا في أوائل الرسالة الواسطية حول القرآن وحقيقة الباب. إخواني في الله، أن هذه المسألة تقوم على مسألتين اثنتين: المسألة الأولى الكلام لله، والمسألة الثانية القرآن من كلام الله. هذه مسألة وهذه مسألة. كلام الله فيه بيان على إثبات أن الله سبحانه وتعالى يتكلم، هذه مسألة، وما تحتها من المباحث. المسألة الثانية أن القرآن هو كلام الله، هذه مسألة أخرى. وكان أهل السنة في بداية أمرهم يتحدثون عن الأمر الأول فقط، على إثبات أن الكلام ثابت للمسألة. حتى حصلت ووقعت فتنة خلق القرآن، حينها ظهرت الأقوال الغريبة والآراء الفذة والفجة. حينها قام أهل السنة بجعل بحث مستقل يتعلق بالقرآن، وإلا كان بداية الكلام على مسألة الكلام فقط. في قول المؤلف أولا: وَمِنْ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ الإيمان بأن القرآن كلام الله، بأن القرآن كلام الله، هنا جعل هذه المسألة تدخل تحت الإيمان بالكتب. وفي ذلك إشارة من المؤلف رحمه الله تعالى أن ما يذكره ويسطره هنا في مسألة القرآن حكمها يجري مع باقي الكتب السماوية. فالقرآن كلام الله، والتوراة كلام الله، والإنجيل كلام الله، والصحف كلام الله، والزبور كلام الله، منه بدأ وإليه يعود، تكلم الله بهذه الكتب بكلام حقيقي سبحانه. فهذا من الإيمان بالكتب، ليس فقط بالقرآن، وإنما بالكتب جمعا. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى في حق اليهود: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ﴾. هذه الآية سيقت مساق الكلام على ماذا؟ على معشر اليهود، أنهم حرفوا التوراة. لكن ماذا سمى التوراة؟ سماها ربنا بأنها كلامه. وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله -بين قوسين التوراة- فالله عز وجل تكلم بالتوراة بالعبرانية، وتكلم بالإنجيل بالسريانية، وتكلم بالقرآن باللغة العربية سبحانه. فكل كلامه. إذن هذه المسألة في قوله: ومن الإيمان بالله وكتبه، فهذه المسألة، إخواننا في الله، الحديث عنها هو عام، وهي تندرج تحت الإيمان بالكتب. لكن يهمنا نحن هنا في هذا المقام الكلام على القرآن؛ لأنه كتابنا، زد على ذلك ما وقع فيه من إشكالات عظيمة من قبل المبتدعة. قال: بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، إلى آخر كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. والمسائل، إخواني في الله، التي أحب أن أشير إليها، وهي مما أشار إليها شيخ الإسلام في هذه الفقرة، عدة مسائل. المسألة الأولى: أن نعلم أن القرآن هو كلام الله، بدلالة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، بدلالة القرآن والسنة ولإجماع سلف الأمة على أن القرآن هو كلام الله. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، فأجره -أي هذا الكافر- إذا أراد الجوار، أراد الأمان، لا بأس أيها المسلم أنك تستضيف هذا الكافر، بشرط أن يسمع كلام الله، أن يسمع القرآن، يسمع الحجج. فالشاهد أن الله أسمى كتابه كلامه: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. ومن السنة كذلك ما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم حين كان يقوم في الجوامع -أي في تجمعات الناس- ويقول: «يا أيها الناس، من يأويني؟ إن قومي منعوني أن أبلغ كلام الله». «إن قومي منعوني أن أبلغ كلام الله»، فدل ذلك على أن القرآن هو كلامه سبحانه وتعالى. ومما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله من المسائل: أن نعتقد أن القرآن غير مخلوق، وهذه بدعة ظهرت عند الجهمية وظهرت عند المعتزلة. فالجهمية والمعتزلة الكل يرى أن القرآن ليس من كلام الله، وأن كلام الله مخلوق، ليس بصفة. بما أن كلام الله مخلوق، إذن فالقرآن مخلوق، خلق من خلق الله. وهذه قاعدة يسير عليها الجهمية دائما، على أنهم يجعلون الصفات صفات الله مخلوقة. فإذا قيل بأن الله سميع، قالوا بأن الله خالق السمع، بأن الله بصير خالق البصر، بأن الله كليم أي خالق الكلام. يتكلم -أي يخلق الكلام- فقط عندهم. خلق هذا اشترك بها الجهمية والمعتزلة. الفرق بينهما أن المعتزلة يجعلون هذا الخلق في أماكن مناسبة، يجعلون هذا الكلام المخلوق يجعله مكانا مناسبا. فلما تكلم الله مع موسى، قالوا: أي أن الله خلق الكلام في الشجرة التي سمع منها موسى الكلام. وأن لما أراد الله أن يتكلم بالقرآن خلق الكلام في جبريل. فالمعتزلة يثبتون ماذا؟ محلا مناسبا. وإنهم كالجهمية في خندق واحد، يرون أن القرآن مخلوق. ومنه دبت ماذا؟ فتنة خلق القرآن، الذي طار بها المعتزلة، وحدث من ورائها المحنة العظيمة على أهل السنة. قتل من قتل، وعذب من عذب، وشرد منهم من شرد؛ لأنهم استعطفوا أمير ذاك الزمان بأن يقول بمقالتهم، فكان يقول بخلق القرآن، فحمل الناس على هذه المقالة. والذي عليه أهل السنة والجماعة: أن القرآن هو كلام الله، تكلم الله به حقيقة سبحانه، كما أشار إلى ذلك قال: «وأن الله تكلم به حقيقة». فالله تكلم بالقرآن، تكلم به، وأسمعه جبريل، وأن جبريل نزل بالقرآن إلى نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا الأمر هو الذي يقول به الشرع، وكذلك دلالة العقل. دلالة العقل -يعني- هل معنى ما تقول: أن فلان متكلم باللغة -دعك من كلام المتفلسفة-؟ لما تقول: فلان متكلم، هل تتصور بمعنى أنه خالق الكلام؟ لا، ما يتصور هذا أبدا. من تقول: فلان متكلم، بمعنى فلان خالق الكلام؟ لا أحد يقول بهذا. ولهذا أهل السنة والجماعة يقولون بكفر من قال بخلق القرآن، يقولون بكفر من يقول بخلق القرآن، من حيث المقالة، فهي مقالة كفرية. لكن من حيث القائل ينظرون في أمره وماذا وفي أحواله. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة في بابي كلام الله -كما مر معنا- بأن كلام الله قديم النوعي، حادث الآحاد. قديم النوعي، حادث الآحاد، مر ذلك معنا تكرارا ومرارا. فالله متصف بالكلام منذ الأزل، وأنه يتكلم كيف شاء ومتى ما يشاء سبحانه، فتكلم ويتكلم وسيتكلم يوم القيامة، وسيتكلم يوم القيامة سبحانه وتعالى. وأما ما ذكر هنا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قال: «وليجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام أو عبارة»، لا تقول عن القرآن حكاية أو عبارة. هذه العبارة أو هذه المقالة من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أراد به الكلام على طائفتين اثنتين خرجتا عن منهج أهل السنة في مسألة القرآن. فمن هما؟ هما الكلابية الذين يقولون عن القرآن بأنه حكاية عن كلام الله، والفرق الثاني الأشاعرة التي تقول بأن القرآن هو عبارة عن كلام الله. الكلابية والأشاعرة، فهذا الذي عناهم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قال: «وليجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة»، لا نقول حكاية ولا نقول عبارة. طيب، ما الذي أراده المبتدعة عندما وصف القرآن بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة عن كلام الله؟ وما الفرق بينهما؟ هم أرادوا أولا من هذه المقالات -الحكاية والعبارة- عدم الإقرار بأن الله يتكلم، أرادوا الهروب عن إثبات صفة الكلام، عن إثبات صفة الكلام. وأعني به الكلام الحقيقي الذي هو بصوت وحرف؛ لأن الأشاعرة يثبتون الكلام، لكن كلاما نفسيا. حتى نكون واضحين في مسألة الأشاعرة والكلابية يثبتون الكلام كلام الله، لكن يعتقدون أن كلام الله نفسي، ما تكلم به حقيقة. وهذا خلاف عليه معتقد أهل السنة. فأهل السنة يرون أن الله تكلم بكلام حقيقي، بحرف وصوت، يسمع، يسمعه من تكلم معه. تكلم مع موسى، فموسى سمع كلام الله بصوت وحرف. وتكلم ربنا مع من شاء من خلقه، هذه المخلوقات التي تكلم معها ربنا سمعت كلام الله، فكان كلاما بصوت وحرف، بصوت وحرف. الأشاعرة والكلابية رفضوا ذلك، قالوا: نحن نقول بأن الله يتكلم، لكن كلام الله ليس حقيقي، وإنما كلام نفسي. فماذا لجأوا؟ لجأوا عندما يقولون: ما تقولون في القرآن؟ هل الله تكلم به أو لم يتكلم به؟ فأتوا بهذه العبارة الفضفاضة، قالوا: بأن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله، لا نقول هو كلام الله، ولا نقول ليس بكلام الله. إذا قالوا: هو كلام الله، إذا أقروا بما عليه أهل السنة. وإذا أنكروا أن الله ما تكلم، وقع في الذي وقع فيه الجهمية. فاختاروا القول الوسط، قالوا: نقول بأن القرآن عبارة أو حكاية عن كلام الله. طيب، ما معنى وما الفرق بين هذا التفريق؟ ذكر العلماء أولا: أن الفرق بينهما أن الحكاية تقتضي المقاربة والمماثلة، تقتضي المقاربة والمماثلة. هذه حكاية، ومنه: فلان يحاكي حركة فلان، يحاكي أن يمثلها، يمثلها. فالكلابية قالوا: بأن القرآن هو حكاية عن كلام الله، أي: هذا مثل كلام الله، مثل كلام الله، ليس هو كلام الله، لكن مثله. أما الأشاعرة فقد نازعوا الكلابية في هذا التعبير، قالوا: غلط. الأشاعرة غلطوا الكلابية في قولهم حكاية، لماذا غلطوهم؟ قالوا: لما تقول بأن القرآن حكاية، يعني جعلت أن هذا الذي موجود هو مثل كلام الله. قالوا: ولأننا تجاهزنا أن نقول هذا مثل كلام الله، قالوا: بأن نقول: هو عبارة عن كلام الله، هو عبارة عن كلام الله. فالأشاعرة والكلابية إنما اختلفوا في قضية التعبير، ما هو التعبير المناسب؟ لما قال الكلابية هروبا من إثبات صفة الكلام لله الحقيقي، قالوا: نقول في القرآن هو حكاية، أي: أن هذا هو شبيه بكلام الله. حينها رفضت الأشاعرة ذلك، قالوا: ما نقول بأن هذا القرآن شبيه بكلام الله، قالوا: ما نقول. قالوا: نقول بأنه عبارة عن كلام الله، أي: تعبير عن كلام الله. فهم يرون أن جبريل عبارة عن ما في نفس الله، عبارة عن ما في نفس الله. بخلاف الجهمية والمعتزلة، يقولون بأن الله خلق القرآن في جوف جبريل، في جوف جبريل. لكنهم يقولون بأن جبريل ماذا؟ عبارة عن ما في نفس الله، فأنزله إلى محمد عليه الصلاة والسلام. ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فائدة عن الإسفراييني رحمه الله تعالى قال: وكان ابن كلاب -عبد الله بن سعيد ابن كلاب- يقول: هي حكاية عن الأمر. وخالفه أبو الحسن الأشعري في ذلك، فقال: لا يجوز أن يقال أنها حكاية؛ لأن الحكاية تحتاج إلى أن تكون مثل المحكي. كما قلنا: الحكاية فيها معنى المثلية. لما تقول: فلان يحاكي حركة فلان، أن يمثله. فهذا وجه الانتقاد الأشعري على الكلابية، قال: أن الحكاية تحتاج إلى أن تكون مثل المحكي. ولكن هو عبارة عن الأمر، وعبارة عن الأمر القائم بالنفس. فهذا الخلاف بين الكلابية وبين الأشاعرة في قولك حكاية، وقولك ماذا؟ عبارة. وإلا كله من أقوال أهل البدع. طيب، بسألك: نخرج قليلا عن هذا الباب. أحيانا نسمع من بعض المدرسين ومن بعض المشايخ أنه يعبر عن القرآن بأنه حكاية ماذا؟ تتحدث عن بني إسرائيل في بعض مواقفه مع موسى، فتقول: وقد حكى الله عنهم، وقد حكى الله عنهم. وهذه كثيرا، بل نحن نفعلها، نعبر بلفظ حكى، وقد حكى الله عنهم. هل هذا التعبير فيه شيء؟ هل هذا التعبير فيه شيء؟ عندما نستخدم لفظ الحكاية؟ نعم، بعض العلماء ينكر هذا، ولا يرتضي أن نستخدم لفظ الحكاية وما اشتق منها في مسألة الاستدلال بالقرآن. دائما نقول: وقد حكى الله ذلك عنهم في القرآن، وقد جاء ذاك حكاية عنهم، وقد قال الله عز وجل حاكيا قول لقمان: «يا بني لا تشرك بالله». دائما حاكيا يحكي حكى نحكي، هل هذا يوافق ما عليه الكلابية من قول بأن القرآن حكاية؟ أعيد، إخواني في الله: نعم، من أهل العلم من يرى هذا، يرى أننا ما نستخدم هذا التعبير؛ لما فيه موافقة للكلابية. لكن بالمقابل من أهل العلم لا يرى في هذا شيئا، لا يرى في هذا شيئا؛ لأن هناك فرقا بين اصطلاحنا وبين مصطلحهم. فهم يرون أن القرآن حكاية عن كلام الله، بناء على أن الله ما تكلم، فيقول: أن القرآن هذا هو مثل كلام الله. لكن أهل السنة إذا عبروا عن حكاية، فهم يرون أصلا بأن الله متكلم حقيقة، وإنما هنا نقصد بالحكاية النقل والخبر. فلما نقول: كما حكى الله عنهم، أي: كما أخبر الله عنهم. هذا الذي نعنيه، كما أخبر الله عنهم. وقد قال حاكيا عن بني إسرائيل، بمعنى: وقد قال الله مخبرا عن بني إسرائيل. ما أردنا إلا الإخبار، هذا المقصود. وهذا التعبير جاء كثيرا عن بعض العلماء، كما ينقل عن شيخ الإسلام، ابن كثير رحمه الله تعالى، يعبر بهذا التعابير. فأمر، إن شاء الله، في ذلك واسع. الأمر في ذلك، بإذن الله، واسع. أي: لا غضاضة في أن طالب العلم مثلا إذا عبر بالحكاية، أو سمعت أحد المشايخ يعبر بهذا التعبير: حاكيا، حكاية، أو حكا. فاعلم أن الأمر، إن شاء الله، في ذلك واسع، وأن هذا الرجل ليس من أهل البدع حاشا، وأن هذا الأسلوب له ماذا؟ له مخرج. له مخرج. وأكرر: نعم، من أهل العلم من ينكر هذا، ولا يرى أن نستخدم هذا التعبير؛ حتى لا نوافق المبتدعة؛ لأن الكلابية إذا سمعك تقول هذا، يقول: آه، تمام، جيد. إذا سمع الشيء يقول: وقد حكى الله عنهم، يقول: تمام، أوه، تمام، حكاية. يفرح الكلابية بأنك استخدمت لفظ الحكاية، وتحكي هذا الذي في نفسه. لكنك وأنت تعني شيئا آخر. فبعضهم يرى أنك ماذا؟ أنك لا تستخدم هذا الأسلوب. فالأمر في ذلك على ما سمعتم. طيب، شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذه الفقرة قال: «إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن كونه أن يكون كلام الله تعالى حقيقة». نعم، مرة هذه المسألة تذكر قديما معنا، على أن نفرق في مسألة القرآن فيما هو لله فيعتبر الصفة، وفيما هو للمخلوق فيعتبر خلقا. في مسألة القرآن ينبغي أن تميز بين ما هو لله فيعتبر الصفة، وما هو للعبد فيعتبر مخلوقا. فعندي المقروء والمسموع والمتلو والمحفوظ، كل ذلك كلام الله، صفة من صفاته. المكلو الذي تلوه، الذي تلوه، المسموع الذي تستمع إليه، المقروء الذي تقرأه في المصحف، المحفوظ الذي وضعته في صدرك، كل هذا كلام الله، هذا كلام الله سبحانه وتعالى، ما به صفة من صفاته. لكن إذا جئت إلى مسألة الحفظ، ومسألة القراءة، ومسألة التلاوة، ومسألة الكتابة، هذا ماذا؟ هذا من فعل العبد، هذا خلق من خلق الله، مخلوق. هذا خلق من خلق الله. تلاوتك خلق من خلق الله، تلاوتك فعل العبد، قراءتك فعل العبد، حفظك فعل العبد، ترتيلك فعل العبد، هذه أشياء مخلوقة. ففرق، عبد الله، بين ما هو لله فيكون خلقا، صفة من صفاته، وبين ما هو للعبد يكون خلقا من خلق الله. ففرق بين المتلو والمسموع والمقروء والمحفوظ، فكل هذا كلام الله. فالمسموع كلام الله، والمتلو كلام الله، والمحفوظ كلام الله. لكن إذا جئت إلى الأفعال، إلى حفظ التلاوة، إلى فعل التلاوة، إلى فعل الحفظ، إلى فعل القراءة، هذه من أفعال العبد، هذه من أفعال العبد. ولهذا من تعبيرات أهل السنة في هذا المقام أن يقولوا: القرآن كلام الباري، والصوت صوت القاري. الكلام كلام الباري، أي: القرآن كلام الباري، والصوت صوت القاري. صوتي هذا صوتي أنا، هذا خلق من خلق الله. لكن الكلام الملفوظ هو كلام الله عز وجل. فينبغي أن تفرق بين هذا وبين ذاك. ثم ذكر رحمه الله تعالى مسألة اللفظ، قال: «وهو كلام الله حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف». مسألة الألفاظ والمعاني كذلك من المسائل المهمة المتعلقة بمسألة القرآن، بل قبل هذا هي من المسائل المهمة في مسألة الكلام. وقد أشرنا إلى هذه المسألة، يا إخواني في الله، في الدروس القديمة، على أن الكلام ما يعد كلاما إلا بأمرين، ما هما؟ اللفظ والمعنى، لابد. وهل من فسر الكلام بقوله: هو كل ما تحصل بسببه فائدة، صواب أم خطأ؟ خطأ. من عبر من أهل النحو بأن الكلام هو كل ما تحصل بسببه فائدة، قل: هذا أخطأ. خطأ هذا التعريف، هذا ليس بكلام. ليس كل ما أعطى فائدة كلاما. ومن ذلكم الدوال الأربع: النصب والعقد والإشارة ولسان الحال، هذه دوال أربع ما تسمى كلاما، ما تسمى كلاما أبدا. فليس كل ما أعطى فائدة يسمى كلاما، بل الكلام يقوم على أمرين اثنين: لفظ ومعنى، لفظ ومعنى، ولابد. فإن كان لفظا بلا معنى ما يسمى كلاما، وإن كان معنى بلا لفظ ما يسمى كلاما. هذا في حق الكلام عامة، وهكذا في حق القرآن خاصة. في حق القرآن خاصة، فالقرآن قائم على ماذا؟ على الألفاظ والمعاني، على الألفاظ والمعاني. فالألفاظ هي المباني، والألفاظ هي المباني، والمعاني هي الدلالات، والمعاني هي الدلالات. ومما يذكر في هذا الباب: أن نعلم أن ألفاظ القرآن ومعاني القرآن كلها من عند الله سبحانه وتعالى، كما سيأتي معنا في الفقرة الأخيرة. وفيه كذلك بيان على أن ألفاظ القرآن ومعاني القرآن من أشرفها. فألفاظ القرآن من أشرف الألفاظ، ومعاني القرآن من أشرف المعاني. ما هناك دلالات ولا هناك مباني ولا هناك معاني أبدا يمكن أن تكون بقوة وجزالة وبلاغة ألفاظ القرآن. ولا هناك من الحكم الباهرة بمثل معاني القرآن، لا يوجد. فألفاظ القرآن من أشرف الألفاظ، ومعاني القرآن من أشرف المعاني، من أشرف المعاني، يدعو إلى الخير، والدعوة إلى حسن التعامل والعشرة، وإلى نبذ الشرك والكفر والمعاصي والذنوب والمبقات، إلى غير ذلك. ومما يذكر في ألفاظ القرآن ومعانيه: أن القرآن معجز في لفظه، معجز في لفظه، وهو كذلك معجز في معناه. الإعجاز القرآني حاصل في ألفاظه وحاصل في معانيه، حاصل في ألفاظه وحاصل في معانيه. أما في ألفاظ القرآن فهو معجز؛ بدليل أن الله عز وجل تحدى العرب، ومن العرب؟ العرب هم القمة في الفصاحة. ومع ذلك تحداهم الله سبحانه وتعالى بأن يأتوا بمثل القرآن، أو بعشر سور من القرآن، أو بسورة من القرآن. وفي كل الأحوال فشلوا، فشلوا، فما استطاعوا أبدا أن يأتوا بشيء ينفع في سوق التحدي والمناظرة. ما سمعنا منهم إلا الترهات. فالقرآن في لفظه معجز. وأيضا في معانيه فهو معجز. المعاني القرآنية ما جاء به القرآن من الأحكام، شيء معجز في تربية النفس، إعجاز في التعامل مع الخلق. ليس هناك نظير. انظر إلى القوانين التي سنها البشر لمجتمعاتهم ولأممهم، كم باءت بالفشل؟ باءت بالفشل. كلما أرادوا أن يحاربوا الجريمة، إذ بها تزداد. كلما حاربوا جريمة من الجرائم تزداد. لكن انظر في نظم القرآن، عندما حرم ربنا الخمر، أزالها عن قلوب العباد، أزالها عن قلوب العباد. فمعاني القرآن معجز في التربية الأسرية، في تنظيم الدول، في تأسيس نظام المجتمعات والأفراد، معانيه معجزة. ما استطاع أحد من البشر أن يحاكي ما جاء به القرآن من العبر والأحكام. فالقرآن معجز في لفظه، وهكذا معجز في معانيه. تأتي مسألة، إخواني في الله، لأن ننبع عليها في ألفاظ ومعاني القرآن: ماذا نقول في الحديث القدسي؟ ماذا نقول في الحديث القدسي؟ إذا قلنا: أن القرآن عبارة عن ألفاظ ومعاني وهي من عند الله، الحديث القدسي وهو الذي يقول فيه نبينا: «قال رسول الله، قال الله». ماذا نقول في الحديث القدسي؟ هل ألفاظه ومعانيه كذلك من عند الله أم لا؟ هذا وقع فيه خلاف بين أهل العلم. الكثير من أهل العلم من يرى من يرى أن الحديث القدسي المعنى من عند الله، وأما اللفظ من عند رسول الله. هذا أكثر العلماء، وهم الجمهور، يرون هذا. يرون أن الحديث القدسي معناه من الله، وأما التعبير واللفظ فإنما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرسول الله هو الذي عبر، أي: أن الله أوحى إلى نبيه مسألة، أوحى الله إلى نبيه حكما من الأحكام، فقام نبينا وعبر وذكر وماذا؟ وأصاغ هذا المعنى بمبنى من عنده، أصاغ هذا المبنى بمعنى من عنده عليه الصلاة والسلام. فهذا الذي عليه جمهور العلماء. لكن ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الحديث القدسي أن لفظه وأن معناه وكله من عند الله، أن اللفظ والمعنى كله من عند الله. وهذا قد قال به جماعة من المحققين من أهل العلم. والدليل على ذلك بماذا؟ ما الدليل على أن الحديث القدسي لفظه ومعناه من عند الله؟ قالوا: التصريح. التصريح، فالنبي قال: «قال رسول الله، قال الله». بما أنه نسب القول، وأضاف القول إلى الله، والقول لا يكون إلا لفظا ومعنى، والقول لا يكون إلا لفظا ومعنى. فيكون القول -وهو كلام الله- في الحديث القدسي لفظه ومعناه من عند الله. وهذا مما يؤيد هذا المذهب مما يؤيد هذا المذهب. والدليل الثاني: الدليل الثاني على أن لفظه ومعناه من عند الله، أن هناك من الألفاظ من الألفاظ ما ينبغي أن تصدر من رسول الله، لو كان أنه هو الذي أتى بالمبنى لما صدرت من رسول الله. كما جاء في حديث أبي ذر: «قال رسول الله، قال الله: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي». هل يقول نبينا هذا؟ يا عبادي، وإنما يقول: «قال الله يا عباد أو يا أيها العباد»، يعبر ولا يضيف الخلق والعبودية لنفسه. فقالوا: أن في صريح السنة، في الأحاديث القدسية، من العبارات ما لا يمكن أن تضاف إلى رسول الله. فالشاهد من هذا الكلام: قال العلماء: الصحيح في هذه المسألة أن القرآن، أن الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله. لكن قد يقول: كيف هذا؟ إذا قلنا: أن القرآن اللفظ والمعنى من الله، والحديث القدسي اللفظ والمعنى من الله، أي: أساوينا بينهما؟ الجواب: لا، لا مساواة. فهما وإن اشتركا في هذا الباب -اشتركا في هذا الباب- في هذا الباب: اللفظ والمعنى من عند الله. لكن اختلف في مسائل أخرى، اختلف في مسائل أخرى. فإن ما عند القرآن ما ليس في الحديث القدسي. ومن ذلك مثلا: بأن القرآن معجز، وهذا ليس في الأحاديث القدسية. القرآن معجز، لكن هل أحاديث معجزة؟ لا، ليست معجزة، بمعنى إعجاز ذاتي. هل الله تحدى الناس بأن يأتوا بحديث كأحاديث رسول الله؟ وإنما الإعجاز وقع في القرآن فقط، في القرآن معجز. وأما السنة، الحديث القدسي، ما وقع في حقه إعجاز. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: أن الحديث أن القرآن متواتر، متواتر، مقطوع به، مقطوع به. من أنكر حرفا منه فقد كفر. لكن هل هذا يقال في الحديث القدسي؟ الجواب: لا؛ لأن من الحديث القدسي ما هو متواتر، ما هو صحيح، ما هو ضعيف، ما هو موضوع، ما هو مكذوب، ما هو مكذوب، لا يصح أن ينسب لرسول الله، ولا إلى الله. فهذا من الفوارق. زد على ذلك: أن القرآن يتعبّد بتلاوته، من قرأ حرفا من القرآن فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. هل يقال هذا في الحديث القدسي؟ الجواب: لا، ما يقال في الحديث القدسي: أن من قرأ حرفا منه عشر حسنات، ما يقال هذا. فهذا من الفوارق كذلك من الفوارق. ذكروا مسألة الطهارة -على من يقول به- على أن القرآن لا يمسه من كان على جنابة، أو من كان فيه حدث أكبر، من حيض ونفاس، أو كان على جنابة واحتلام، بخلاف الحديث القدسي. لك أن تقرأ، وأن تكتب، وأن تلمس، وأن تمسك الأحاديث القدسية. فهذا، إخواني في الله، من الفوارق. فنقول: أن الحديث القدسي والقرآن، فإن اتفقا على أن الكل من وحي من الله، الكل يتفق على أن الوحي من الله، أي: المعنى من الله. بقي اللفظ: هل اللفظ من عند الله أم لا في الحديث القدسي؟ فجمهور العلماء يرون أن اللفظ لا ليس من الله، وإنما من رسوله. وطائفة من العلماء يرون حتى الحديث القدسي أن اللفظ من عند الله. قل هو الله أحد، هذا اللفظ والمعنى من الله. إذن في قول رسول الله: «قال الله: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي»، هو كذلك لفظه ومعناه من عند الله. لكن هل يستويان؟ الجواب: لا، لا يستويان؛ لما ذكرنا من الفوارق بينهما. وهذا مما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهكذا ابن القيم، وهكذا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وجماعة من أهل العلم. فعلى كل، إخواني في الله، فالحديث القدسي والقرآن اتفقا على أن الكل من وحي من الله. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.