الدرس في شرح العقيدة الواسطية 52، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الدرس يبدأ بشرح فتنة القبر وهي الامتحان الذي يتعرض له الميت، ويتناول أسئلة الفتنة الثلاثة الرئيسية. الإمام القرطبي يوضح أن الأصل في أسئلة القبر أنها ثلاثة.
يتناول الرد على شبهة الاختلاف في عدد أسئلة القبر، ويوضح أن الاختلاف قد يكون بسبب الاختصار أو اختلاف الأسئلة حسب الأشخاص، كما يتطرق إلى مسألة ضمة القبر.
أهل السنة والجماعة يعتقدون بعذاب القبر ونعيمه استنادا إلى القرآن والسنة النبوية، حيث يكون العذاب أو النعيم بعد سؤال الميت في القبر وحسب إجابته.
يختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد ويشير إلى درس قادم سيناقش الشبهات حول منكري عذاب القبر.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، في درس سابق، إخواني في الله، كان الحديث عن مسألة تتعلق بأحوال القيامة واليوم الآخر، وما يتعلق بمسائل القبر. والخلاصة في هذا الباب أن أهل السنة وعقيدة أهل السنة في باب القبر يشيرون إلى مسألتين اثنتين: المسألة الأولى فتنة القبر، والمسألة الثانية عذاب القبر. هذه مسألة، وهذه مسألة. فتنة القبر هي الامتحان، وهو الاختبار الذي يسأل عنه العبد يوم القيامة في قبره. والأدلة دلت على مسألة الفتنة، وهي السؤال، كما جاء في مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إنكم تفتنون في قبوركم»، أي تمتحنون في القبور. وأيضا مما يؤيد هذا المعنى ما جاء في الصحيح في حديث أنس، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه لا يسمع قرع نعالهم». هذا الميت إذا وضع في قبره يعطيه الله عز وجل آلة السمع، فيسمع قرع النعال. وأتى ملكان فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل -لمحمد صلى الله عليه وسلم-؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا. فالميت لما يسأل عن رسول الله يقال له: ما تقول في هذا الرجل؟ لماذا يأتم بهذا الصيغة؟ ماذا تقول في هذا الرجل؟ الرجل يقول: علماء يعني كأن هذا الميت في اختبار، في امتحان، لا يلقن الإجابة. لأن لو قال له: ما تقول في رسول الله؟ قال: أقول رسول الله. لو أن السؤال هكذا: ما تقول في نبي الله؟ قال: أقول هو نبي الله. قال علماء: لو كان هكذا كان فيه تغشيش لهذا الميت. وهنا مطرح سؤال، ولهذا السؤال يكون فيه تعتيم، تعتيم: ما تقول في هذا الرجل؟ من الرجل؟ أنظر عن من يتحدثون. فمن كان من أهل الإيمان والإسلام يعلم من السؤال في حقه، فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. كيف علم بما آتاه الله من علم؟ ثم إن الميت إذا كان محسناً، تفتح له نافذة تطل إلى مقعده من النار، لو أنه أخطأ في الإجابة وتلعثم في الجواب، يقول: هذا مقعدك من النار. ثم يغلق عليه هذا الباب، ويفتح له مقعد الذي هو الآن من نصيبه، وهو مقعد الجنة، فيراهما جميعا. ولماذا هذا كله؟ لكي يحمد الله سبحانه وتعالى حمدا عظيما بما أنعم الله عليه بنعمة الإسلام والإيمان. وأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ نفس السؤال، الرجل لا يلقن، فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقال: لا دريت ولا تليت. ويضرب بمطارق من حديد، ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليها، غير الثقابة. الشاهد من هذا الحديث كذلك أنا نوضح مسألة الفتنة، أن المسلم والمؤمن والمنافق والكافر، كل واحد سيسأل في قبره. هنا إشكال في الحديث الذي أورده شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الفقرة، قال: قال: «فإن الناس يمتحنون في قبورهم»، فيقال للرجل: ما ربك؟ ما دينك؟ ما نبيك؟ فيثبت الله... إلى آخر هذا. جاء هذا عند أبي داود. وقد ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. الإشكال، إخواني في الله، أن من تتبع لأسئلة الامتحان، وهي الفتنة التي تكون في القبر، تارة تجدها ثلاثة أسئلة: من ربك؟ ما دينك؟ ما نبيك؟ وأحيانا تجد أن السؤال سؤالا واحدا. كما ذكرنا الآن: من هذا الرجل؟ يسأل عن رسول الله فقط. فكيف هذا؟ ما هي الأسئلة التي تطرح؟ هل هي ثلاثة أو دون ذلك؟ الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في كتابه التذكرة أجاب عن هذه المسألة بإجابتين اثنتين. أجاب عن هذا بإجابتين اثنتين: كيف تجمع بين الروايات في سؤال القبر، أن بعضها مطولة وبعضها مختصرة؟ فذكر الإجابة الأولى مفادها على أن الأصل أن الميت يسأل بثلاثة أسئلة، هذا الأصل. وأن ما روي في بعض الروايات أن الميت سئل عن رسول الله فقط، قال: هذا يحمل اختصارا من بعض الرواة. هذا اختصار من بعض الرواة الحديث، أي بدلاً ما يذكر الحديث كاملا، اكتفى بهذا. فقال: هذا اختصار من بعض الرواة، وإلا الأصل هي ثلاثة أسئلة. وما نجده في بعض الروايات على سؤال واحد، كما مضى، هذا إنما من فعل بعض الرواة يختصرون الأحاديث طالبين للاختزال. الرد الثاني، قال رحمه الله: أن الأسئلة تختلف من شخص إلى آخر. أن الأسئلة تختلف من شخص إلى آخر. أكثر الناس نعم يسألون في قبورهم عن الثلاثة: الدين والرب والرسول. ومن الناس من لربما يسأل عن رسول الله فقط، بدليل هذا الحديث الذي سمعتموه: ماذا تقول في الرجل فقط؟ ما سألوه إلا عن رسول الله فقط. ثم كان عليه التنعيم، يرى مقعده من الجنة، أو كان عليه التعذيب بعد ذلك. إذن فالحديث يحمل على هذا وعلى هذا، إما أن الحديث فيه اختصار، وإما أن الحديث يحمل على بعض الأشخاص. على بعض الأشخاص في مسألة الفتنة، وهي السؤال في القبر، الأصل أن جميع الخلق يسألون، جميع الخلق يسألون. لكن جاءت بعض الأدلة تستثني بعض الناس، جاءت بعض الأدلة تستثني بعض الناس، كما جاء في حديث صحيح عن المجاهد الشهيد: أن الشهيد لا يسأل في قبره. جاءت أدلة يحسنها جماعة من أهل العلم على أن الشهيد لا يسأل في قبره، كما قال رسول الله: «كفى ببارقة السيوف فتنة»، كفى ببارقة السيوف فتنة. قال العلماء: أي وجه ذلك؟ أن الميت إنما يسأل في قبره لكي نعرف قدر إيمانه. فكيف يسأل الشهيد وهو الذي ضحى بكل شيء لأجل دين الله؟ فهو ثابت الإيمان بدليل الشهادة، ضحى بنفسه وبأهله وبوقته وبكل شيء بحياته في سبيل الذب عن الله ورسوله. فلعظيم مقامه يسقط عنه السؤال. ومن من أدخل كذلك المرابط في سبيل الله؟ ومن من أدخل كذلك الأطفال؟ أن الأطفال لا يسألون لأنهم غير مكلفين. وهكذا ما سأذكر بعضها تحتاج إلى نظر، وبعضها على حسب صحة الأدلة فيها. فائدة أخرى كذلك تذكر في مسألة السؤال: من الذي يقوم بسؤالك في قبرك يا عبد الله؟ يقوم به ملكان، منهما أسودان أزرقان، ما اسمهما منكر ونكير؟ هل هذه الأسماء صحيحة أم ليس بصحيحة؟ هذه فيها خلاف، والعلا لا نرجي الكلام، ونترك الكلام على هذه المسألة. إذا أطال في الأعمار وخضنا في شرح السنة للبربهاري سنذكر ما يذكره العلماء في مسألة تسمية الملكين الذين وكل بالسؤال بسؤال الميت بمنكر ونكير. هذا محل خلاف بين أهل العلم. وشاء الوزاعة في حين مسألة أخرى كذلك متعلقة بمسألة قريبة بمسألة الفتنة في القبر، ألا وهي مسألة الضمة، ضمة القبر. وتسمى بضغطة القبر أو الضغطة أو الضمة. وما الذي نعنيه بضغطة القبر أو بضمة القبر؟ الذي نعنيه هو التقاء جانبي القبر، أي أنهم يلتقيان الميت إذا وضع في قبره. فإن جوانب القبر تلتقي، تلتقي. هذا تسمى بالضمة بضمة القبر. وهذه الضمة، إخواني في الله، هي عامة لكل أحد، للمسلم والكافر نعم، للمسلم والكافر، والتقي والصالح. ما من أحد إلا وسيضم عليه القبر ضمة. وإذا يضم عليه القبر ضمة، لكن تختلف. فضمة القبر للكافر تكون شديدة بحيث أن تختلف عليه أضلاعه. أي يدخل القبر يضم القبر حتى أن عظام الجوانب يدخل بعضها في بعض من شدة القبض القبر على الكافر. هذا يقع في الكافر. وقد جاءت بذلك الأحاديث: فيضم عليه ضمة حتى تختلف أضلاعه. وأما المسلم نعم يضم عليه القبر ضمة، لكن ليس كضمة الكافر، ليست كضمة الكافر. فإذا كان هذا المسلم رجلاً صالحاً، فإن القبر يضم عليه الضمة ثم يتراح مباشرة. لابد أنه يعاني من الضمة، لابد. الضمة هي حاصلة حاصلة ولو كان من أتقى الناس. فإن القبر أول ما يدخل على قبره فيدفن يأتي القبر وهذا يضم عليه. والدليل أنها عامة لأهل الإسلام ولأهل الصلاح، قال عليه الصلاة والسلام: «إن للقبر ضغطة، لو كان أحد ناجيا منها لنجى منها سعد بن معاذ». فقوله عليه الصلاة والسلام: «إن للقبر ضغطة»، ثم أشار إلى أنها لعامة المسلمين، بل وللأولياء الله. فسعد بن معاذ من خيرة أصحاب رسول الله، ومع ذلك ما نجا من ضمة القبر. إذن يُعلم بهذا أن المؤمن تكون له ضمة. هذا إذا كان المؤمن صالحاً، فإن القبر يضغطه ثم يتراخى. أما إذا كان عاصياً، فإن مدة الضغط تزيد عليه على مقدار ما عنده من عصيانه. فإنها تشتد عليه اللزة فترة أطول. أما الصالح إذا تم الضغط يرجع يتراخى القبر. أما العاصي فإنه تطول مدة الضغط. أما الكافر فإن الضغط يزداد حتى يسحقه، فتختلف الأضلاع بعضها في بعض. نسأل الله السلامة والعافية. فائدة أخرى أن ضغطة القبر إذا تمت يكون فيها التكفير للسيئات. يكون فيها التكفير للسيئات. المسلم في هذه الدنيا ما يصاب به من وجع، من ألم، من مرض، من ضيق، من حرج، من هم، من غم، يؤجر عليه بالتكفير للسيئات وبرفع الدرجات. وإذا دخلت إلى القبر يحسب عليك كذلك، فما تجده في القبر من الخوف لك أجر، من الفزع تؤجر. ضمة القبر تؤجر عليها تؤجر عليها حتى تلقى الله عند الحساب. فحين تجد هذا كله سجل عليك، تسجل هذا عليك، هذا مما يقال. مسألة متعلقة بضغط القبر وضمة القبر. طيب بعد ذلك ننتقل إلى المسألة الأخرى، وهي بعد السؤال، وهي مسألة ماذا؟ مسألة عذاب القبر ونعيمه. هذه عقيدة الثانية التي يعتقدها أهل السنة والجماعة في مسألة ماذا؟ في مسألة القبر. ومن المسألة المهمة التي ينبغي أن تتعرف عليها يا عبد الله أن مسألة العذاب والإنعام إنما تكون بعد السؤال. أولا الفتنة تسأل بهذه الأسئلة، ثم على حسب السؤال يكون الجزاء من الثواب والعقاب. على حسب الجواب يكون الثواب والعقاب. ولهذا ماذا قال إمام هنا الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى؟ قال: ثم بعد هذه الفتنة، أي بعد هذه الأسئلة، ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب. إما نعيم وإما عذاب تبتلى به يا عبد الله على حسب إخفاقك في الإجابة على هذه الأسئلة. وأهل السنة والجماعة يعتقدون بأن للقبر عذاب وله فيه إنعام. ومن أعظم ما يستدلون عليه ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. هنا السؤال: ذكر ربنا جل وعلا قبل أن تقوم الساعة، ذكر ربنا أن هناك نار يعذب بها آل فرعون، النار يعرضون عليها غدوا وعشيا. أين هذه النار؟ هل يوم القيامة؟ لا، ليس يوم القيامة، لأن الله قال بعد: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾. حين يدخلون إلى جهنم، قبل أن يدخلوا إلى جهنم أين كانوا؟ هم في نار، أين هذه النار؟ هي نار القبر، هي نار القبر. هذا من أعظم ما يستدل به أهل السنة والجماعة على عذاب القبر وأنه ثابت بنص القرآن. وأيضا مما يستدل به على هذه العقيدة ما جاء في الصحيحين، ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين، فقال: «إنهما يعذبان»، فقال: «إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير». فالشاهد أنه قال عن أصحاب القبرين أنهما يعذبان. وجاء كذلك في صحيح مسلم، وجاء كذلك في صحيح مسلم عن أبي سعيد وأنس رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن تدافنوا لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر». وهكذا من الأدلة ما جاء في السنن من حديث البراء بن عازب، وهو الحديث الطويل. وقد ذكرهم شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. وهذا العقيدة، إخواني في الله، عقيدة عند أهل السنة والجماعة، دل عليه الكتاب والسنة، والسنة المتواترة. ولهذا يقول ابن القيم الحنفي رحمه الله تعالى: قال: وقد تواترت الأخبار عن رسول الله، وقد تواترت الأخبار عن رسول الله في ثبوت عذاب القبر ونعيمه. فدل ذلك على أن هذه عقيدة عند أهل السنة والجماعة، قام عليه الكتاب والسنة المتواترة وإجماع السلف الأمة. طيب نقف إلى هذا الحد إلى هنا، والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وإن شاء الله في درس قادم سنشير إلى بعض الشبهات حول منكري عذاب القبر.