كتاب الحيض 27

كتاب الحيض 27

الدرس في كتاب الحيض 27، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مشروعية التيمم ودلالة حديث النبي صلى الله عليه وسلم

يشرح المقطع الأول حديثا في صحيح مسلم عن مشروعية التيمم عند عدم وجود الماء، ويبين دلالته على جواز التيمم. كما يوضح أن الحديث معلق عند مسلم لكنه صحيح ويمكن الرجوع إليه في مواضع أخرى.

الطهارة والتيمم وأحكام الذكر

يستحب ذكر الله على طهارة، ويجوز التيمم بالجدار إذا كان به تراب أو طين. كما يختلف أهل العلم في جواز التيمم مع وجود الماء لصلاة الجنازة والعيد.

كراهة ذكر الله عند قضاء الحاجة وحديث النفس

يذكر كراهة ذكر الله عند قضاء الحاجة استنادا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، كما يشير إلى أن حديث النفس لا يترتب عليه مؤاخذة إلهية ما لم يتحول إلى قول أو فعل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه: قال مسلم: وروى الليث بن سعد، وهو أبو الحارث الفهمي المصري، عن جعفر بن ثوبان، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عمير مولى ابن عباس، أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار، مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهم: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل - وبئر جمل موضع قريب من المدينة - فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار، فمسح وجهه ويديه، ثم رد عليه السلام. هذا الحديث ذكره الإمام مسلم رحمه الله بصيغة التعليق. قال مسلم - أي المصنف رحمه الله -: وروى الليث بن سعد. وهذه إحدى المعلقات من الأحاديث بصيغة الإمام مسلم رحمه الله. وبصيغة الإمام مسلم أربعة عشر حديثا معلقا، أو اثني عشر، كما قال الإمام النووي رحمه الله. والحديث المعلق الأصل فيه أنه من قسم الضعيف؛ لأنه من قسم الضعيف؛ لأن المصنف يحدث عن الشيخ أو من فوقه ولا يذكره، فيكون فيه انقطاع. يكون فيه انقطاع. لكن الحديث صحيح. والآن، هذا الحديث يوصل له في مواضع أخرى. وهذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام - أو الراوي هنا عن أبي الجهم، وهو عمير مولى ابن عباس - قال: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار، مولى ميمونة زوج النبي عليه الصلاة والسلام، حتى دخلنا على أبي الجهم. هكذا عندنا في صحيح الإمام مسلم: عن أبي الجهم. وأشار الإمام النووي رحمه الله إلى أن الصواب: عن أبي الجهيم. والصواب أبو الجهيم. وأبو الجهيم هو عبد الله بن الحارث بن الصمة الأنصاري، عبد الله بن الحارث بن الصمة الأنصاري. وهناك آخر: أبو الجهم، وهو في حديث الخميصة يتوني بأنبجانية أبي جهم، ذاك آخر. لكن هذا الذي في هذا الحديث هو أبو الجهيم، هذا أبو الجهيم، عبد الله بن الحارث بن الصمة. وذكر أنه ما دخل على أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة، فقال أبو الجهيم: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل، من هذا الموضع، فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار، فمسح وجهه ويديه، ثم رد عليه السلام. فهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على غير طهارة. كان على غير طهارة. فلما سلم عليه هذا الرجل، كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد عليه حتى أقبل على هذا الجدار، فمسح وجهه ويديه عليه الصلاة والسلام. وهذا فيه جواز التيمم عند عدم وجود الماء، مشروعية التيمم عند عدم وجود الماء؛ فإن هذا يحمل على أن الماء لم يكن موجودا عند النبي عليه الصلاة والسلام، فلهذا أقبل على التيمم. ومعلوم أن التيمم بدل عن الماء عند عدم وجوده، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. وكذلك أيضا فيه حرص النبي عليه الصلاة والسلام على أن يذكر الله جل وعلا على طهارة، أن يذكر الله جل وعلا على طهارة. وهل هذا على سبيل الوجوب أم أنه على سبيل الاستحباب؟ الجواب: أنه على سبيل الاستحباب. فيستحب للمسلم عند ذكر الله جل وعلا أن يكون على طهارة، أن يكون على طهارة، هذا أكمل حال ينبغي أن يكون عليه. وهل يجوز أن يذكر الله جل وعلا وهو على غير طهارة؟ الجواب: نعم يجوز، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: أنه كان يذكر الله على كل أحيانه. كان يذكر الله على كل أحيانه. والله عز وجل يقول: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾. لكن الأكمل أن يكون على طهارة. وفيه كذلك جواز التيمم بالجدار، جواز التيمم بالجدار إذا كان فيه تراب أو طين، فيجوز أن يتيمم به لفعل النبي عليه الصلاة والسلام. واختلف أهل العلم في جواز التيمم مع وجود الماء لصلاة الجنازة والعيد، لصلاة الجنازة والعيد، إذا خاف فوتهما وذهاب وقتهما، هل له أن يتيمم مع وجود الماء؛ لأنه إذا تيمم استطاع أن يدرك الصلاة، وإذا توضأ فاتته الصلاة؟ فقال بهذا بعض أهل العلم: أنه لا بأس أن يتيمم ولو كان الماء موجودا حتى يدرك الصلاة. وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله. وجمهور أهل العلم على أنه لا يشرع، بل عليه أن يتوضأ ولو خاف فوات الصلاة؛ لأن التيمم لا يشرع استعماله إلا عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله. وكذلك أيضا تيمم النبي عليه الصلاة والسلام لأجل رد السلام، هذا استدل به بعض أهل العلم على كذلك مشروعية التيمم لما كان في هذا المعنى من ذكر الله جل وعلا؛ لو أراد إنسان مثلا أن يذكر الله بتسبيح أو تكبير أو تحميد أو تهليل أو نحو ذلك، فإنه يتيمم ويذكر الله عز وجل. وإذا كان الماء غير موجود، فإنه يشرع التيمم، ويعمل بهذا التيمم كل ما يفعله بالوضوء، كما مر في الدروس التي مضت؛ لأن التيمم كما مر معنا رافع للحدث، ويقوم مقام الماء. فكل ما يستبيح به المسلم بالوضوء من صلاة لفريضة أو نافلة أو قراءة قرآن أو غير ذلك من العبادات، فإنه كذلك يجوز أن يفعل مثلها بالتيمم. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، وهو الهمداني، قال: حدثنا أبي، هو عبد الله بن نمير، قال: حدثنا سفيان، وهو سفيان الثوري، عن الضحاك بن عثمان، وهو الأسدي أبو عثمان المدني، وهو ثقة. وأحمد بن نعيم، وهناك الضحاك آخر: الضحاك بن عثمان بن الضحاك بن عثمان، وهو حفيد هذا الضحاك بن عثمان، حفيده الضحاك بن عثمان بن الضحاك بن عثمان، وهو كذلك ثقة. وروى عن جده، قال: عن نافع، وهو الفقيه مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني، صابه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في بعض مغازيه. قال الإمام مالك رحمه الله: كنت إذا سمعت الحديث من نافع عن ابن عمر، لأبالي أن أسمعه من غيره. وقال رضي الله تعالى عنه: قال ابن عمر رضي الله تعالى عنه: قد من الله علينا بنافع. من الله علينا بنافع. وبعثه عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى مصر ليعلم الناس السنن. ونافع وسالم بن عبد الله بن عمر - يعني هما في منزلة واحدة - من أوثق الناس في عبد الله بن عمر، حتى أن الإمام المعين رحمه الله لما سئل: أيهما تقدم أو تفضل؟ توقف في ذلك. توقف في ذلك في تفضيل أحدهما على الآخر. وهكذا أيضا عبد الله بن دينار، كذلك هو أيضا من الثقات، أو ثقة مما يروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. حتى لما ذكر المعين أيضا عبد الله بن دينار، لم يفاضل، وقال: كلهم ثقات. قال: عن ابن عمر: أن رجلا مر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبول، فسلم، فلم يرد عليه. هذا الحديث كما سمعنا: أن رجلا مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول - أي النبي صلى الله عليه وسلم - النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول، فسلم - أي هذا الرجل - فلم يرد عليه - أي النبي صلى الله عليه وسلم -. وهذا فيه كراهة ذكر الله جل وعلا عند قضاء الحاجة، كراهة ذكر الله عند قضاء الحاجة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه السلام لأنه كان يقضي حاجته. فلم يرد عليه، يدل هذا على كراهية أن يذكر الله جل وعلا وهو في قضاء الحاجة، سواء كان برد السلام أو كان بتسبيح أو بتهليل أو بتكبير أو بتحميد أو كان بمتابعة المؤذن في ألفاظ الأذان، أو غير ذلك من ذكر الله. فيكره لمن كان يقضي حاجته أن يذكر الله جل وعلا في مثل ذلكم الحال، إلا ما كان الكلام لضرورة. إذا كان هناك ضرورة للكلام في شيء ليس من ذكر الله جل وعلا، فلا بأس. يعني مثلا إنسان في قضاء الحاجة، والكلام في أثناء قضاء الحاجة مكروه على جهة العموم، سواء كان ذكرا لله أو غيره. يعني يكره أن الإنسان يتكلم وهو في قضاء الحاجة. وهذه الكراهة للتنزيه. وأما الحديث الوارد في السنن: «إذا خرج الرجلان إلى الغائط فلا يتحدثان؛ فإن الله ينقط على ذلك». الحديث الضعيف. لكن كره أهل العلم الكلام في أثناء قضاء الحاجة؛ لأن في مثل ذلك الموضع لا يحسن الإنسان أن يتكلم، لا يحسن أن يتكلم وهو في موضع قضاء الحاجة، وهو الموضع التي تعشعش فيها الشياطين. وكذلك أيضا كذلك مواضع مكروهة، فيكره أن يتكلم وذكر الله جل وعلا أشد. لكن إذا احتاج إلى الكلام مثلا عند قضاء الحاجة، أراد أن يستنجي، فإذا بالماء مقطوع، فاحتاج أن يكلم من في الخارج أن يأتي له بماء، هذه ضرورة لا بأس. ونحو ذلك مما في حاجة أو ضرورة، فلا بأس أن يتكلم. أما أن يجلس يتحدث ويتكلم في أمور ليست هي من الضروريات، فهذا أمر مكروه. وأما ذكر الله جل وعلا في قلبه، فلا بأس؛ لأن حديث النفس لا يواقف عليه الإنسان، لا يعد كلاما. حديث النفس لا يعد كلاما. يعني لو حدث نفسه بشيء في نفسه أو في قلبه، فهذا ليس فيه حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل، ما لم تتكلم أو تعمل». فالمؤاخذة إنما تكون بالكلام والنطق.