الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
النبي صلى الله عليه وسلم له خصائص وخصوصيات ميزته عن غيره من الأنبياء، منها بعثته إلى كل الناس وإحلال الغنائم له. هذه الخصائص تشمل نصرته بالرعب وإعطاؤه الشفاعة.
بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانت إلى جميع الناس، وأحل له الغنائم بعد قتال الكفار. كانت الغنائم قبل ذلك لا تحل وتأتي نار لتأكلها، وبعثته كانت رحمة للعالمين.
الأرض في الإسلام جعلت مسجدا وطهورا، فيجوز الصلاة في أي مكان منها والتيمم بالتراب عند عدم وجود الماء. الأصل في الأرض الطهارة وهي صالحة للصلاة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج أبو الحسين بن يسبور القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا هشيم عن سيار عن يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، أعطيت الشفاعة». قال: حدثنا وكيع بن الجراح أبو سفيان، حدثنا هشيم قال: أخبرنا سيار قال: حدثنا يزيد الفقير قال: أخبرنا جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكر نحوه هذا الحديث. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه أعطي خمسا لم يعطهن أحد قبله، يعني خص بها عليه الصلاة والسلام. فهذه الخمس من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وليست فقط هذه الخمس، لكن هذه منها. قول «أعطيت خمسا» لا يفهم منه أنه لم يعط غيرها، ومفهوم العدد لا يفيد الحصر كما هو عند المحققين من أهل العلم من أهل الأصول. فلذلك وردت أحاديث أخرى فيها مخصصات أخرى أو خصائص أخرى مما خص بها النبي صلى الله عليه وسلم، وألف أهل العلم في ذلك مؤلفات مستقلة ككتاب الخصائص للإمام السيوطي رحمه الله. من هذه الخصوصيات التي خص بها النبي عليه الصلاة والسلام ما ورد في هذا الحديث من هذه الأمور الخمسة، منها أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث عامة، قال: «كل نبي يبعث إلى قومي خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود». والمراد بكل أحمر وأسود يعني جميع الناس من عرب وعجم، من كان منهم أحمر ومن كان أسود ومن كان أبيض. فبعثة النبي عليه الصلاة والسلام عامة لجميع الثقلين من الجن والإنس، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، وقال جل وعلا: ﴿وأرسلناك كافة للناس بشيرا ونذيرا﴾. وكذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار». وذلك لعموم بعثته عليه الصلاة والسلام، فكان الأنبياء قبله والرسل يبعثون إلى قومهم خاصة، فمن لم يكن من قومه لا يجب عليه أن يؤمن بهذا الرسول. لكن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الخلق، ووجب على الجميع الإيمان به والتصديق به واتباعه عليه الصلاة والسلام. قال: «وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي». وهذا الأمر الثاني الذي أعطيه عليه الصلاة والسلام، وهو إحلال الغنائم. والغنائم جمع غنيمة، والغنيمة هو ما يأخذ من أموال الكفار بعد قتالهم، إذا قاتل المسلمون الكفار وانتصروا عليهم أخذوا ما معهم من أموال. كانت قبل ذلك لا تحل للمسلمين إذا انتصروا على عدوهم، بل توضع وتأتي نار من السماء فتأكلها. فلما رأى الله عز وجل ضعف هذه الأمة وحاجتها وفقرها حل لهم الغنائم كما أخبر عليه الصلاة والسلام. قال: «وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا». وهذا الأمر الثالث مما أعطيه عليه الصلاة والسلام، وهو أن الله جل وعلا جعل الأرض مسجدا وطهورا. جعل هذه الأرض طاهرة، فأحل الله جل وعلا لأهل الإسلام أن يصلوا في أي موضع من الأرض أدركتهم الصلاة. فالأرض مسجد وهي أيضا طهورا، إذا لم يجد الماء تيمم بالتراب ويرتفع بذلك حدثه ويكون طاهرا. قال: «ونصرت بالرعب مسيرة شهر». وهذا الأمر الخامس الذي أعطيه عليه الصلاة والسلام، وهو أنه نصر بالرعب مسيرة شهر، أي بينه وبين العدو مسيرة شهر، يقذف الله جل وعلا الرعب في قلوب الأعداء. وهل هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ ذكر بعض العلم أن هذا له ولأمته، أي أن الله عز وجل قد يقذف في قلوب الأعداء الرعب وهم في مثل هذه المسافة من عدوهم. قال: «وأعطيت الشفاعة». والمراد بالشفاعة هنا الشفاعة العظمى في أرض المحشر في يوم القيامة، وهو المقام المحمود الذي أعطيه عليه الصلاة والسلام يوم أن يتبرأ الأنبياء وكل يقول نفسي نفسي حتى يأتي الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيشفع عليه الصلاة والسلام لرب العالمين بالإذن بالحساب. والشاهد من هذا الحديث هو قول عليه الصلاة والسلام: «وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان». أراد أن يسلط به الإمام مسلم رحمه الله على أن الأصل في الأرض الطهارة، وكذلك أيضا أنها صالحة للصلاة، فهي مسجد إذا أراد المسلم أن يصلي. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.