الدرس في كتاب الصيام 40، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي المقطع حديث عبد الله بن عمر الذي نهى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام الدهر وقيام الليل كله، محذراً من إرهاق البدن والعينين، وأرشد إلى صيام ثلاثة أيام من الشهر أو صيام داود عليه السلام، مع بيان أن النهي عن صيام الأبد يقتضي عدم مشروعية صيام كل يوم بلا فطر.
يوضح المقطع توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر بالاقتصاد في الصيام، مبيناً أن صيام ثلاثة أيام أو صيام داود مشروط بعدم إضعاف البدن عن الواجبات كصلاة الجماعة والكسب والنفقة، ويؤكد أن تقديم المستحب على الواجب إثم، وأن للبدن والعين والنفس والأهل حقوقاً يجب مراعاتها.
يستعرض المقطع أدلة وجوب صلاة الجماعة من القرآن والسنة، ويرجح قول الوجوب، ويبين أن تاركها بغير عذر آثم ومتصف بصفة النفاق، مع تفصيل الفرق بين من يتركها لعذر شرعي كالحاجة إلى الخلاء وبين من يتكاسل بلا عذر، مؤكداً أن الكسل لا يسوغ ترك الجماعة والدعوة للمبادرة للمحافظة عليها.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال إمام أهل الحديث أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: وحدثنا عبيد الله بن معاذ، وهو العنبري البصري، وهو ثقة، قال: حدثني أبي، وهو معاذ بن معاذ العنبري، قال: حدثنا شعبة، وهو ابن الحجاج، أبو بسطام، لقبه، محمد بن زيد رحمه الله، وسفيان الثوري بأمير المؤمنين في الحديث، كان إماماً حافظاً، أول من فتش عن الرجال في العراق، وذب عن السنة، هو شعبة بن الحجاج. ولما مات قال سفيان: مات الحديث. لما مات شعبة قال سفيان: مات الحديث. قال: عن حبيب، وهو ابن أبي ثابت، واسمه قيس. نعم، حبيب بن أبي ثابت، ومشهور بحبيب بن أبي ثابت، وهو ثقة، إلا أنه كثير الإرسال والتدليس، لكن هنا صرح بالسمع. قال: أنه سمع أبا العباس، وهو السائب بن فروخ، أنه سمع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله بن عمر، إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل، وإنك إذا فعلت ذلك هجمت عيناك ونهكت، لا صام من صام الأبد، صوم ثلاثة أيام من الشهر، صوم الشهر كله». قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك. قال: «فصم صوم داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى». وحدثنا أبو كريب، وهو محمد بن العلاء الهمداني، قال: حدثنا ابن بشر، وهو محمد، قال: عن مسعر بن كدام، قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت بهذا الإسناد، وقال: «ونهكت النفس»، يعني: أعيت وتعبت. قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، أو أبو محمد الهلالي، عن عمرو بن دينار، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟» قلت: إني أفعل ذلك. قال: «فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عيناك ونهكت نفسك، لعينك حق، ولنفسك حق، ولأهلك حق، فقم ونم، وصم وأفطر». ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: «هجمت له العين»، يعني: غارت العين، يعني: تغور العينان إلى داخل، ويظهر العظم الذي حول العينين، وهذا يكون في حال تعب الإنسان إذا أرهق نفسه وتعب، ترى عينيه غائرتين، فهذا معنى قوله: «هجمت له العين». و«نهكت» يعني: تعبت، ضعفت. وقيل: يعني في لفظ هذه الكلمة «ونهكت» يعني: ضعفت أنت وتعبت. والمقصود من هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام أرشده إلى أنه إذا فعل ذلك، أن صام الدهر، صام كل يوم، وقام كل ليلة، سيضعف ويتعب، وتصيب العينين التعب والكل والضعف، وهكذا أيضاً يضعف الجسم ويتعب بسبب ذلك، ويكون بذلك قد شق على نفسه، قد شق على نفسه. ثم نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن صيام الأبد: «لا صام من صام الأبد». وهذا كما قلنا عبارة عن نفي يراد به النهي، يعني: لا صام من صام الأبد، أي: لا ينبغي لأحد أن يصوم الأبد، ومن فعل ذلك فإنه لم يصوم الصوم الشرعي الذي أذن به الشرع. ثم أرشده النبي عليه الصلاة والسلام إلى صيام ثلاثة أيام من الشهر، وأن ذلك بمنزلة صيام الشهر، بمنزلة صيام الشهر كله. قال: «قلت: إني أطيق أكثر من ذلك». فأرشده النبي عليه الصلاة والسلام إلى صيام داود، إن كان لا بد وتريد الزيادة، فأكثر شيء الذي لا ينبغي أن يزاد عليه هو صيام نبي الله داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، على أنه إذا لم يؤدي ذلك إلى تضييع ما يجب عليك من الواجبات والحقوق. ولهذا قال: «ولا يفر إذا لاقى»، يعني: مع كونه يصوم يوماً ويفطر يوماً، لا يضعفه ذلك عما يجب عليه القيام به من الواجبات، ومن ذلك ما يتعلق بالجهاد في سبيل الله وملاقات الأعداء، فكان يثبت، وكذلك عنده القوة على الجهاد في سبيل الله. فإن كان الأمر كذلك، تستطيع أن تصوم هذا الصوم، ولا يضعفه كذلك عما يجب عليك من الواجبات والحقوق التي على نفسك، أو على أهلك، أو على أولادك، أو على أضيافك، فلا بأس. وأما إن كنت ستضعف، فالذي ينبغي ألا تفعل ذلك. يعني: إنسان سيصوم يوماً ويفطر يوماً، سيؤدي به هذا الصيام أنه ربما يضعف عن حضور صلاة الجماعة، هل يجوز له أن يصوم هذا الصوم؟ الجواب: لا، ما يجوز، بل ربما يأثم في هذه الحال، يكون آثماً. لماذا؟ لأنه بفعله لهذا المستحب ضيع واجباً، صلاة الجماعة في بيوت الله واجبة، وصوم يوم ويفطر يوم هذا مستحب، فهو الآن فعل هذا المستحب وضيع به الواجب، ومثل هذا لا يجوز. وهكذا غير ذلك من الواجبات، لو أنه سيصوم يوماً ويفطر يوماً، ويدع التكسب لأهله والعمل، هذا أيضاً يأثم ولا يؤجر على هذا الصوم، لأنه بهذا ترك واجباً من الواجبات. أما إذا كان سيصوم يوماً ويفطر يوماً، ويقوم بما عليه من الواجبات، فلا بأس. وإن كان الأفضل أنه يقلل، يقتصر على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، أو صوم الاثنين والخميس، مع المداومة والاستمرار، فهذا أفضل، وهو الذي أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إليه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما. وبين له النبي عليه الصلاة والسلام أن عليه حقوقاً: «لعينك حق»، يعني: من الراحة والإغماض والنوم، هذا حق للعين لا بد أن تعطيها إياه، «ولنفسك حق» كذلك من الراحة، «ولأهلك حق» في قضاء حوائجهم والنظر في أمورهم. فمما يعينك على القيام بهذه الحقوق أن تكون مقتصداً في العبادة، لهذا قال: «قم ونم، وصم وأفطر، قم ونم، وصم وأفطر». اجعل يعني لك نصيباً من الصلاة في الليل، مع كذلك إعطاء الجسد ما يحتاج له من الراحة، وهكذا صم ما يتيسر من الأيام وأفطر كذلك الأيام الأخرى، وهكذا تكون معتدلاً في باب العبادة مع مراعاة ما عليك من الحقوق الأخرى. طيب، إلى هنا، صلى الله وسلم على أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. هلا هلا، بكرة يا ربعاء، غداً إن شاء الله تبدأ حلقات القرآن الفجر، غداً الفجر حلقات القرآن الصباحية، غداً إن شاء الله تبدأ حلقات القرآن الصباحية. يقول: ما نصيحتك على الذي لا يصلي صلاة الجماعة بغير عذر، وما حكمه؟ صلاة الجماعة كما سمعتم واجب من الواجبات، والله عز وجل يقول: ﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾، والراكعون يركعون في بيوت الله. ويقول الله جل وعلا: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ الآية. أمر الله عز وجل بصلاة الجماعة في حال الخوف والقتال، ولو كانت غير واجبة لأمر كل واحد أن يصلي فرداً لوحده. وهكذا الأحاديث الكثيرة الدالة على ذلك، كحديث أبي هريرة في الصحيح: «هم النبي صلى الله عليه وسلم أن تقام الصلاة، وأن يصلي رجل بالناس، ثم ينطلق إلى أناس تخلفوا عن صلاة الجماعة، فيحرق عليهم بيوتهم بالنار». وهكذا أيضاً في قوله لعبد الله بن أم مكتوم لما استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته، فقال: «أ تسمع النداء؟» قال: نعم، قال: «فأجب، فأجب». وهكذا أيضاً في قوله عليه الصلاة والسلام حين وصف من تخلف عن صلاة الجماعة بالنفاق: «تخلف عن صلاة الجماعة، وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بالنفاق». حديث أبي هريرة: «أثقل صلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً». وحديث ابن مسعود في مسلم: «ما رأيتنا نتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق». والذي يترك أمراً مستحباً لا يعد منافقاً، ولا يُوصف بالنفاق إلا من ترك واجباً. فدل ذلك على أن صلاة الجماعة في بيوت الله جل وعلا واجب من الواجبات، هذا القول الصحيح. وإن كان هناك من أهل العلم من يقول بأن صلاة الجماعة فرض كفاية، هذا قول مرجوح، خالف الأدلة الكثيرة الدالة على الوجوب، وهو الصحيح. وحكمه: أنه آثم من ترك صلاة الجماعة لغير عذر، لغير عذر من مرض أو سفر. بل حتى المسافر ينبغي أن يصلي جماعة مع رفقته، لكن بالنسبة للصلاة الجماعة التي تقام في المساجد في أوقاتها هو معذور، هو معذور بسبب السفر. كذلك من الأعذار: النوم والنسيان من غير تقصد لذلك. فإذا تركها من غير عذر فهو آثم، يعتبر آثماً، عليه التوبة والاستغفار. وإن كان بعض أهل العلم يذهب إلى أن صلاته باطلة، قول الظاهرية: أن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة، ما تصح إلا في جماعة، وهذا القول مرجوح، والراجح أنها تصح لكن مع الإثم، تصح مع الإثم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صلاة الرجل في جماعة تضاعف على صلاته في بيته وسوقه خمسة وعشرين ضعفاً»، وفي رواية: «سبعة وعشرين ضعفاً»، الحديث. وهذا يدل على صحة صلاة المنفرد، لكن إذا كان لغير عذر فكما سمعتم هو آثم، وأيضاً متصف بصفة من صفات أهل النفاق. فيحذر المسلم، يحذر المسلم وطالب العلم على جهة الخصوص من التساهل في صلاة الجماعة. والشيء بالشيء يذكر: نلاحظ بعض طلاب العلم، وخاصة الساكنين في المسجد، في بعض الأحيان وكثير من الأحيان تراهم مسبوقين، يعني في صلوات ليست هي يعني قبلها نوم، كصلاة العصر مثلاً، ترك صلاة المغرب أو العشاء أو غير ذلك من الصلوات. وهذا شيء أيضاً ما ينبغي، أن تساكن في المسجد فتحرص أن تبكر إلى الصلاة، وأن تحضر الصلاة كلها، وأن لا يفوت شيئاً إلا إذا كان هناك عذر، فهذا أمر آخر. يعني: إنسان دخل في الصلاة ثم آذته بطنه مثلاً وأراد الخلاء، فهذا أمر آخر. لكن من غير عذر، في تكاسل أو خمول أو كذا، لا، هذا ما ينبغي. ينبغي عليك أن تكون مبادراً ومشاركاً في المحافظة على صلاة الجماعة. بارك الله فيكم، إلى هنا والله تعالى أعلم.