الدرس في الدعاء الذي لا يرد للشيخ عبدالرزاق العباد 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستحب للطالب الدعاء أن يكون على طهارة ووضوء لأن ذلك أكمل وأفضل وأدعى للإجابة، وإن جاز الدعاء مع الحدث. كما أن رفع اليدين عند الدعاء من آدابه المستحبة ومن أسباب الإجابة، مستدلاً بحديث سلمان الفارسي عن حياء الله وكرمه أن يرد يدين الداعي صفراً.
يتصف الله سبحانه بصفة الحياء التي تليق بجلاله، فيستحي أن يرد يدَي الداعي خائبتين عند رفعهما إليه. ورفع اليدين في الدعاء هيئة تظهر افتقار العبد وتذله، وهو من أعظم أسباب إجابة الدعاء، وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم برفع يديه عند الدعاء.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يبالغ في رفع يديه والدعاء في المواقف العصيبة، كما حدث في غزوة بدر حين استغاث بربه فسقط رداؤه، وفي صلاة الاستسقاء حين رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه فاستجاب الله وأنزل المطر. أكد المقطع أن رفع اليدين مع إظهار الفقر والذلة من أسباب إجابة الدعاء.
اختتم المتحدث الدرس بدعاء الله بالتوفيق للطاعة، وطلب العلم النافع، والعمل الصالح. كما صلى وسلم على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين ختاماً للمجلس.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنستأنف القراءة في رسالة "الدعاء الذي لا يرد" للشيخ عبد الرزاق البدر، حفظه الله، التي ذكر فيها بعض الأسباب التي هي من أسباب إجابة الدعاء، مما نقله عن الإمام ابن القيم، رحمه الله. قال: الأمر الخامس: الطهارة عند الدعاء. قال: الطهارة من آداب الدعاء أيضًا، فلا شك أن الداعي إذا كان على طهارة فإنه أفضل وأتم لدعائه ومناجاته لله عز وجل، لأن حالة الوضوء مطلقًا أكمل من حال الحدث، يعني كون الإنسان متوضئًا هذا أكمل من كونه محدثًا، وإن كان يجوز للإنسان أن يذكر الله عز وجل وهو على حدث، لحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيح: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه»، أي على كل أحواله. لكن الأفضل والأكمل أنه يذكر الله عز وجل وهو على طهارة. قال: فعن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ، فلم يرد عليه حتى توضأ، فرد عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما منعني أن أرد عليك أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة». والحديث أخرجه أبو داود وأحمد، وصححه الألباني، رحمه الله. ففي هذا الحديث كره النبي عليه الصلاة والسلام أن يرد عليه السلام قبل أن يكمل الطهارة، لأنه أراد أن يكون على أكمل حال، وعلى أفضل حال، وهو أن يكون متطهرًا. فذكر الله جل وعلا على طهارة أكمل وأفضل. ومن ذلك أمر الدعاء: يجوز للإنسان أن يدعو الله عز وجل وهو محدث، لكن كونه يدعو الله عز وجل وهو على طهارة هذا أكمل؛ لأن محافظة الإنسان على الطهارة والوضوء هذا أقوى في الإيمان. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق ثوبان: «ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». لا يحافظ على ملازمة الوضوء في كل أحواله وفي كل أحيان إلا من كان مؤمنًا كامل الإيمان، لعلمه بفضل هذه العبادة وهذه الطاعة. وكذلك أيضًا أن يكون على أكمل حال في ذكره لله سبحانه وتعالى، وهكذا أيضًا في حال الدعاء، فكونه متطهرًا متوضئًا هذا أكمل في دعائه لله جل وعلا، وأدعى إلى استجابة الله سبحانه وتعالى له. إذن، من أسباب إجابة الدعاء أن يكون الداعي على طهارة، سواء كانت الطهارة من الحدث الأكبر كالجنابة، أو كانت من الحدث الأصغر مما يوجب الوضوء، فهذا أكمل، وكذلك أدعى إلى استجابة الدعاء. قال، حفظه الله: الأمر السادس: رفع اليدين عند الدعاء. قال: فعن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ربكم عز وجل حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا». والحديث أخرجه أبو داود في سننه، وصححه الألباني، رحمه الله. قال: فالله عز وجل الغني يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا، أي خائبتين. والحياء صفة من صفات الله جل وعلا تليق بجلال الله، تليق بجلال الله. فالله عز وجل له الأسماء الحسنى والصفات العلا، ولا تشابه وتماثل صفاته صفات خلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فنحن نثبت لله عز وجل هذه الصفة، صفة الحياء، لكن لا نعلم كيفيتها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا بأن الله حي وأنه يتصف بهذه الصفة، ولم يخبرنا بكيفية هذه الصفة. وهذه قاعدة في كل صفات الله جل وعلا: نحن نثبت الصفة لله كما أثبتها الله عز وجل لنفسه، أو أثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال: وذلك لأن هيئة رفع اليدين إلى السماء، بجعل بطونهما إلى السماء، أو مقابل الوجه، جعل بطون اليدين إلى السماء، هكذا عندما ترفع تجعل بطون اليدين إلى جهة السماء، أو تكون مقابل الوجه، هكذا تكون اليدين مقابل الوجه حال الدعاء، تعد هيئة افتقار وتذلل وانكسار وإظهار للفاقة والحاجة، فكانت لذلك سببًا لإجابة الدعاء عند الله عز وجل. يعني كل إنسان يدعو الله عز وجل وهو رافعٌ ليديه، فيه تذلل العبد وتضرعه وانكساره بين يدي ربه سبحانه وتعالى، وهذا أدعى لإجابة الدعاء. كلما كان الداعي في حال انكسار وخضوع وتذلل، وكذلك أيضًا افتقار إلى ربه سبحانه وتعالى، كان هذا أدعى لإجابة الدعاء. وهكذا حال الداعي عند رفعه ليديه. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام كثيرًا ما يدعو الله عز وجل ويرفع يديه، ويبالغ في ذلك عليه الصلاة والسلام، إظهارًا للافتقار والتذلل إلى الله جل وعلا. والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن العبد إذا فعل ذلك، إذا فعل ذلك، فإن الله عز وجل لا يرد هذا العبد خائبًا، لا يرده خائبًا، بل يستجيب له: «إن ربكم عز وجل حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا». معنى صفرًا: أن يردهما خائبتين من غير أن يستجيب له، وأن يعطيه سؤله. فدل هذا الحديث على أن رفع اليدين في أثناء الدعاء سبب عظيم من أسباب إجابة الدعاء. قال: والأحاديث التي فيها رفع النبي صلى الله عليه وسلم ليديه عند الدعاء كثيرة، بل تبلغ مبلغ التواتر، مما تواتر معناه عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر بعضها العلماء، كالإمام السيوطي، رحمه الله، في كتابه "التدريب"، أنها تبلغ نحو مئة حديث، تبلغ مئة حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في رفع يديه عليه الصلاة والسلام. قال: بل كان صلى الله عليه وسلم يبالغ في رفع يديه في الشدائد والكرُب أكثر من غيرهما، كما تقدم في غزوة بدر، حين رأى صلى الله عليه وسلم كثرة عدد المشركين على عدد المسلمين. وتعلمون في غزوة بدر كان عدد المشركين نحو الألف، وعدد المسلمين نحو ثلاثمئة، فهم أضعاف المسلمين. فلذلك لجأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه جل وعلا يدعوه. قال: فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه، ودعا ربه عز وجل. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه. والحديث في مسلم. سقط رداء النبي عليه الصلاة والسلام عن منكبيه من شدة مناجاته لله سبحانه وتعالى. وكذلك قال له أبو بكر رضي الله عنه: «إن الله عز وجل منجز لك ما وعدك». وأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. فاستجاب الله عز وجل لدعاء نبيه عليه الصلاة والسلام، فأنزل جنودًا من السماء، ملائكة، قاتلوا مع الصحابة رضوان الله عليهم، فكان النصر للمسلمين، والهزيمة للمشركين. قال: وكذا في حال القحط، عندما دعا صلى الله عليه وسلم على المنبر للاستسقاء، وذلك في حديث أنس في الصحيحين. وكان في يوم جمعة. قال أنس بن مالك: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه. لما دخل رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة، قال: يا رسول الله، هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادعُ الله أن يغيثنا. فرفع النبي عليه الصلاة والسلام يديه، وبالغ في ذلك، حتى رؤية بياض إبطيه، وهذا لا يكون إلا في المبالغة في رفع اليدين. فرفع النبي عليه الصلاة والسلام يديه، ودعا الله عز وجل: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا». فأمطرت السماء سبتًا، أي أسبوعًا كاملًا، لم يروا الشمس، حتى دخل أعرابي في الجمعة الثانية، ودعا أو سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو الله عز وجل أن يكشف عنهم السماء. فدعا الله عز وجل عليه الصلاة والسلام بذلك: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر». فتفرقت السحب، وظهرت الشمس. الحديث شاهد أن النبي عليه الصلاة والسلام رفع يديه في الدعاء. وهكذا أيضًا في صلاة الاستسقاء، وفي غيرها من المواضع الكثيرة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. إذن، يحرص المسلم إذا أراد أن يستجيب الله عز وجل في دعائه أن يرفع يديه حال الدعاء، يتضرع إلى الله عز وجل بذلك، ويظهر فقره وافتقاره وحاجته وذله لله سبحانه وتعالى، فإن ذلك من أسباب إجابة الدعاء. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يعلمنا جل وعلا ما جهلنا، وينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.