الدرس في الدعاء الذي لا يرد للشيخ عبدالرزاق العباد 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يجب على المؤمن أن يسير في عباداته ودعائه بين الخوف من الله والرجاء في رحمته كجناحي طائر، لأن غلبة أحدهما تؤدي إلى بدع الخوارج أو الإرجاء. ويُعد هذا الجمع بين الرغبة في الثواب والرهبة من العقاب السبب العاشر من أسباب إجابة الدعاء، فيسأل العبد الجنة ويستعيذ من النار.
كان الأنبياء والصالحون يعبدون الله جامعِين بين الرغبة في ثوابه والرهبة من عقابه، مسارعين في الخيرات وداعين رغبا ورهبا، وهو هديهم الذي خالف قول بعض المتصوفة بأن العبادة محضة للمحبة دون خوف أو طمع. وقد وصفهم الله بالإحسان في العمل مع الخوف من عدم القبول، كما ظهر في دعاء إبراهيم وقول الحسن البصري.
خاف إبراهيم عليه السلام، خليل الرحمن وباني الكعبة، ألا يتقبل الله عمله، ودعا بخشية الرد، وهذا دأب السلف الصالح كوهيب بن الورد وعمر بن الخطاب الذين خافوا رد أعمالهم رغم اجتهادهم. فالمؤمن الحق يسارع في الخيرات وقلبه وجل من عدم القبول، مستدلين بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف وفقه الله في رسالته «الدعاء الذي لا يرد» في ذكر أسباب إجابة الدعاء: «الأمر العاشر: أن يجمع في دعائه بين الرغبة والرهبة». قال: الجمع بين الرغبة والرهبة أمر مهم للغاية في باب الدعاء، وفي غيره من العبادات، يعني سواء كان في عبادة الصلاة، أو الصيام، أو الحج، أو العمرة، أو كذلك أيضًا الجهاد، أو غيرها. فإن المؤمن ينبغي أن يكون في عباداته بين الرغبة والرهبة، وبين الخوف والرجاء. فالرغبة بمعنى الرجاء، والرهبة بمعنى الخوف. أي يسير في سائر أعماله بين الخوف والرجاء، أن يكون خائفًا من الله جل وعلا أن لا يتقبل منه، ولا يأمن من عذاب الله جل وعلا، ومن مكر الله، وفي نفس الوقت يكون راغبًا في ثواب الله، وفي رحمته، وفي أجره وعفوه. فيكون مع الخوف والرجاء كجناحي الطائر، كما قال أهل العلم: ينبغي للعبد أن يكون في سيره إلى الله جل وعلا مع الخوف والرجاء كجناحي الطائر. إذا اختل أحدهما اختل طيرانه. الطائر إذا اختل أحد جناحيه، إذا أصيب بأحد الجناحين، فإن طيرانه يختل. وإذا زاد يعني ما أصابه من جرح في جناحه لربما سقط، وأدى ذلك إلى هلاكه. وهكذا حال الإنسان الذي يسير إلى الله جل وعلا، لا بد أن يكون بين الخوف والرجاء، لا يغلب أحد الأمرين على الآخر. إن غلب باب الخوف على الرجاء لربما وقع في القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، ولربما أدى به ذلك إلى الوقوع في بدعة الخوارج الذين غلوا في آيات الوعيد حتى حكموا على صاحب الكبيرة بالكفر، وأنه مخلد في نار جهنم، هذا بسبب الغلو في باب الخوف. وهكذا أيضًا لو أنه غلا في باب الرجاء والرغبة، وقدمه على الخوف، أوقعه ذلك في بدعة الإرجاء، في بدعة الإرجاء أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، فافعل ما شئت من الذنوب والمعاصي، فالله جل وعلا غفور رحيم. كما يقول المرجئة، المرجئة يقولون: إيمان أفجر الناس كإيمان أبي بكر وعمر، يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، ما دمت مؤمنًا فلا يضر ما فعلت من الذنوب والسيئات. هذه لا شك أن عقيدة باطلة. فإذا وقع العبد في هذا الأمر، أن غلب باب الرجاء، أوقعه ذلك في الإرجاء. إذن لا بد أن يكون الخوف والرجاء سواء، تعمل وتعبد الله، وتقوم بطاعته، وتجتنب معصيته، رغبة في ثواب الله، وخوفًا من عقاب الله، تجمع بين هذين الأصلين: بين الخوف والرجاء. قال: ولهذا لما ذكر الله عز وجل قصص النبيين عليهم السلام في سورة الأنبياء، وكيف أنجاهم الله عز وجل من الكروب والمحن، ذكر الله عز وجل قصة نوح، وكذلك أيضًا داود وسليمان، وهكذا قصة أيوب ويونس وزكريا، كيف أن الله عز وجل أنجاهم واستجاب لهم، ثم قال، ختم ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. الله عز وجل أثنى على أنبيائه ورسله بهذا الثناء العظيم: أنهم كانوا يسارعون في الخيرات، في فعل الطاعات والقربات، ويدعوننا رغبا ورهبا، يدعون الله عز وجل رغبا، رغبة في ثواب الله، وفي الفوز بنعيم الله، ورهبا، أي خوفا من عقاب الله. فجمعوا بين الرغبة والرهبة، والرجاء والخوف، فأثنى الله عز وجل عليهم بذلك، ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. قال: فيجمعون في دعائهم بين الرغبة والرهبة. والرغبة هي الطمع فيما عند الله عز وجل، فيسأل الداعي ربه وهو طامع في فضله ومنه سبحانه وتعالى. والرهبة هي الخوف من غضبه، ومن أليم عقابه. هذا هو سبيل الأنبياء والصالحين، وأهل التقى، وأهل الإيمان، وأهل الجنان، أنهم يدعون الله جل وعلا ويعبدونه رغبة ورهبة. أما ما يقوله بعض المتصوفة: من أننا لا نعبد الله خوفًا من ناره، ولا طمعًا في جنته، ولكن نعبده محبة لذاته، هذا قول باطل، ومخالف لهدي الأنبياء والرسل، أنهم كانوا يدعون الله رغبة ورهبة. قال: وعندما ذكر الله سبحانه وتعالى صفات المؤمنين الكمل، قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قال: فهم يجتهدون في العبادة لنيل المثوبة من رب العالمين، ومع ذلك قلوبهم خائفة من عدم قبول أعمالهم، فيجمعون في عبادتهم بين الرغبة والرهبة. الله عز وجل أثنى على عباده المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. فأهل الإيمان يعملون، ويسارعون، ويسابقون، ويتابعون بالأعمال الصالحة، ويتركون المعاصي والذنوب، ومع ذلك فقلوبهم مليئة بالخوف من الله، وقلوبهم وجلة خائفة. هكذا المؤمن. ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله: المؤمن جمع بين حسن العمل، وبين الخوف من الله جل وعلا، فجمع إحسانًا وخوفًا، إحسانًا في العمل، وخوفًا من الله. والمنافق قال: جمع إساءة وأمنا، إساءة في العمل، وأمنا من مكر الله. فالمؤمن هو الذي يعمل ويخاف، هذا هو المؤمن. أما الذي يترك العمل، ويقول: الله عز وجل غفور رحيم، ويغلب جانب الرجاء والأمن، هذا من علامات النفاق، عياذًا بالله. قال: ومثله ما جاء في دعاء خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، عندما أمره الله جل وعلا أن يبني بيت الله الحرام، فكان عليه السلام يدعو: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. قال: وهو من أولي العزم من الرسل، واتخذه الله خليلا، خصه الله عز وجل بهذه المرتبة العظيمة، مراتب المحبة، وهي مرتبة الخلة. لم يتخذ الله عز وجل من عباده خليلا إلا إبراهيم عليه السلام، ونبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا». قال: وقيامه بعمل من أشرف الأعمال، وهو عمارة بيت الله الحرام، ومع ذلك يدعو الله سبحانه وتعالى بإشفاق أن يتقبل من هذا العمل. قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. يدعو الله عز وجل أن يتقبل من هذا العمل، هو لا يجزم أن الله عز وجل قد تقبله منه، فيدعو الله ويخاف ألا يتقبل منه. فإذا كان هذا حال إبراهيم عليه السلام، الذي هو إمام الأنبياء والرسل، فكيف بمن دونه؟ قال: ولهذا عندما تلا وهيب بن الورد رحمه الله، أحد العباد الزهاد، قال هذه الآية، بكى، وقال: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن، وأنت مشفق ألا يتقبل منك. انظر إلى إدراك السلف، ومدى اعتنائهم بصلاح الأعمال وقبولها. لما تلا هذه الآية، وتمعن فيها، وإذ إبراهيم عليه السلام يدعو الله عز وجل أن يتقبل من هذا العمل، بكى، وقال: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن. قال: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن، وأنت مشفق ألا يتقبل منك؟ يعني تقوم بهذا العمل العظيم، وأنت تخاف ألا يتقبل منك، فكيف بنا نحن؟ كيف بنا نحن أن نأمن من مكر الله جل وعلا، وأن الله عز وجل يتقبل أعمالنا؟ ينبغي أن يكون عندنا خوف أن ترد أعمالنا، وأن لا تقبل. كان السلف رحمهم الله يخافون من ذلك غاية الخوف. كان عمر رضي الله عنه يقول: لو وضعت قدمي اليمنى في الجنة، لما أمنت من مكر الله، يعني لآمن أن أدخل الجنة بقدمي الأخرى، لآمن أن يدخل الجنة بقدمه الأخرى. انظروا. وكان يقول: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني عملا لا أمنت، أو كما يقول رضي الله عنه. لأن الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. إنما يتقبل الله من المتقين. فكان الصحابة رضوان الله عليهم، وأهل الصلاح، وأهل الفضل، يعملون الأعمال، ويسارعون في فعل الخيرات، ومع ذلك فهم في غاية من الخوف أن ترد أعمالهم، وأن لا تقبل منهم، فتصيبهم الشفقة على أنفسهم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. هذا حال أهل الإيمان، يسارعون في فعل الخير، وفي فعل الصالحات، وقلوبهم مليئة بالخوف من الله سبحانه وتعالى. إذن هذا السبب العاشر من أسباب إجابة الدعاء: أن يجمع الداعي في دعائه بين الرغبة والرهبة، يسأل الله عز وجل الجنة والثواب والنعيم، رغبة فيما عند الله، وكذلك يستعيذ بالله من عذابه وعقابه، فيجمع في دعائه بين الرجاء وبين الخوف، فإن ذلك من أسباب إجابة الدعاء. نكتفي بهذا القدر. إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.